حضارة ساحل شرق افريقيا… نتاج الحضارت الإنسانية القديمة

 حضارة ساحل شرق إفريقيا هي الانتاج العقلي والمادي الذي أسهم في بنائه المسلمون من عرب وفرس وافارقة وغيرهم منذ أن أصبح هذا الساحل دارا للإسلام في العصور الوسطي ، فهي لذلك حضارة عربية وحضارة إسلامية ، وليس المقصود هنا أن الذين أسهموا في بنائها هم العنصر العربي والمسلمون وحدهم ، بل جميع شعوب الساحل التي اتخذت العربية لغة لها ، أو تلك التي عاشت في ظل الإدارة الإسلامية بصرف النظر عن الجنس واللون والدين ، ومن ثم اشتركت في بناء الحضارة الإسلامية التي انتظمت علي طول الساحل الشرقي لإفريقيا وفي داخله من بعد ذلك ، العرب والفرس والهنود والاتراك والمصريون بالإضافة إلي الأفارقة من البانتو والجالا والصوماليين والأحباش والسواحيليين .

 ويعتبر المؤرخون أن العصور الوسطي هي العصور الزاهرة في اتاريخ القومي لساحل شرقي إفريقيا  حيث هاجرت جماعات إسلامية عربية وفارسية – أسست دولا وحكومات إسلامية ساهمت أسهاما اجابيا في نقل الفكر والتراث الإسلامي إلي هذا الساحل ومن ثم إلي الداخل ، والعرب هم العنصر الفعال في هذه الدول الإسلاية التي أسسوها علي الساحل : ولعل من أبرزها دولة سليمان وسعيد التي تأسست في حوالي عام 695م حول منطقة أرخبيل لامو  والتي ربما امتد نفوذها حتي جزيرة مافيا وتليها دولة الزيود الشيعية عام 741م ، وهي دولة شيعية برت في منطقة بنادر علي الساحل الصومالي ، وجعلت من مدينة براوه حاضرة لها

 أما الأخوة السبعة الذين هاجروا من الإحساء عاصمة دولة القرامطة في الخليج الفارسي ، فقد أسسوا دولة قوية عام 351هـ ( 913م) ، وظلت مقديشو عاصمة لهم حتي ذهاب نفوذهم السياسي عام 975 م.

 وبالطبع يضاف إلي هذه الدول وجهودها في نشر الثقافة الإسلامية الدور الكبير الذي قام به الشيرزيون الفرس الذين أسسوا سلطنة الزنج الإسلامية (975 – 1497م) وجعلوا من مدينة كلوة عاصمة السلطنة قاعدة ومركزا كبيرا لنشر الثقافة الإسلامية بين القبائل الإفريقية في الساحل وداخله.

 وظلت مدن ساحل شرقي إفريقيا التي أمها المسلمون – ولقرون عديدة – مراكز لنشاط ومدنية ، وارتكزت شهرتها علي أنها وسيطة بين عواصم العالم الإسلامي الكبري وبقية أجزاء إفريقيا المجاورة في نقل الفكر والثقافة الإسلامية .

 وتطورت هذه المدن الإسلامية بفضل تجمع العلماء والفقهاء الذين وفدوا إليها من مكة المكرمة والمدينة المنورة ودمشق وبغداد والقاهرة ، ومدن شمال إفريقيا مثل القيروان وفا وغيرها ، وأدي هذا كله إلي تجاوز شهرة هذه المدن الإسلامية الزاهرة حدود الساحل أمثال: مقديشو وبراوة ولامو وممبسا ومالندي وكلوه وسوفا بالإضافة إلي جزر زنجبار وبمبا ومافيا  التي ازدهرت فيها الحضارة الإسلامية ، وظلت الصبغة العربية هي البارزة والمميزة في هذا الساحل خلال فترة العصور الوسطي . فاسهم العرب في هذه البلاد بالآداب والعادات التي أتصفوا بها  ، وشاعت هذه الآداب بين بقية المجتمعات التي تعيش في هذا الساحل الإفريقي وفي داخله. ولقد بقيت تلكم الثقافة العربية ، بل ظلت تشبع وتنتشر حتي بعد ذهاب نفوذهم السياسي غداة مجيء الأوربيين للساحل في القرن التاسع عشر .

 أما الفرس الذين حكموا الساحل زهاء أربعة القرون بعد أن أسسوا سلطنة كلوة الإسلامية ، والذين  عرفوا بابداعهم الفني والجمالي فقد اضافوا الفنون الجميلة التي كان يفتقدها العرب في حياتهم الثقافية والفكرية .

 لذلك يمكن القول أن اعلام المسلمين في ساحل شرقي إفريقيا فكروا بالعقلية العربية الإسلامية وكتبوا باللغة العربية وهم في انتاجهم ونشاطهم إنما يعبرون عن حضارة عربية إسلامية ، ولا غرابة في ذلك وهم الذين نبتوا في ظل إدارة إسلامية ، وعاشوا في رعاية الدولة الإسلامية وكنفها ، فالدين الإسلامي عامل هام من عوامل الإنسجام بين الشعوب التي تدين به . . والدين الإسلامي فضلا عن أنه عقيدة ، فإنه كذلك نظام اجتماعي كامل ومجموعة من الاخلاق والقواعد والانظمة التي يستطيع الناس أن يعيشوا بمقتضاها ، ومن ثم استطاع الإسلام أن يمد ابناءه بجميع مقومات الدول واساليب السياسة والحياة والتشريع والحضارة ، ولقد أوتي المسلمون قدرة طيبة علي تفسير مباديء الإسلام وقواعده واستخرجوا منها كل ما هو ضروري للمجتمع الصالح الكامل للمقومات ، فالإسلام أثر في الحياة العقلية للمسلمين تأثيراعميقا ، وبفضله نشأت بين المسلمين وحدة فكرية رائعة من مظاهرها علوم التفسير والحديث والفقه والسير والمغازي .

 ثم إن الإسلام يحث علي النظر والتفكير فيالكون الذي نعيش فيه ، وفي ظواهره المختلفة ، فأدي ذلك إلي الاشتغال بالعلوم الفلكية علي اختلافها وهي الجغرافيا والكيمياء والفيزياء والفلك والطب والرياضيات .

 والمجتمع الإسلامي في ساحل شرق إفريقيا يتكون من أجناس متعددة ، وأمم مختلفة في صفاتها وعاداتها وثقافاتها ، ولكنها بعد اسلامها وبسببه أخذت تنصهر جميعها في بوتقة الحضارة الإسلامية ، واختلطت الدماء والنظم والأذواق اختلاطا خلافا رائعا ساعد عليه التزاوج بين الفاتحين وأهل البلاد المحليين ، ومن هذا الاختلاط نشأ جيل جديد يحمل ميزات عقلية وجسمانية خاصة ، عرف في التاريخ باسم العنصر السواحلي ويتكلم لغة واحدة هي السواحيلية يدينون بدين واحد هو الإسلام الذي وحد بين هذه الشعوب المختلفة ، وكون منها خلال العصور الوسطي – ما يصح أن يسمي أمة واحدة ، لها آداب واحدة ، وثقافة واحدة ، ومصير واحد.

تعليق واحد

  1. نرجو من مؤتمر لندن ان يكون إضافة لا ان يكون ضيافة لان الأمة الصومالية تحتاج الى حل

%d مدونون معجبون بهذه: