وميض القلم

نحن البشر وفي داخل كوننا الفسيح نعيش بتجاذبات فكرية وحياتية وأيديولوجية رهيبة، وتمازج غريب بين الوهم والحقيقة، وتشابك كبير بين الحق والباطل في نظر البعض، وبين الألم والأمل، والأفراح والأتراح ،وجميعهم ثنائيات يشكلون معا لوحة الحياة المفعمة بالحب والكراهية والألوان الزاهية والأخري الباهتة،وهم أصناء ولايفترقون ابدأ في حياتنا، بل يتناوبون علي فصول حياتنا وسجلات عمرنا، فكلما سبق إليك أحدهم لحق الآخر به ليكون ضيفا مميزا علينا، وهكذا أصبح الحبور والمسرات وجمالية الحياة لا تنتهي أبدا في ربوع البسيطة، كما الأحزان والأسي تكون رفيقتها إلي يوم الدين ، ويكون الطرب لصيقا للبشر كما لصق الخوف في حلقوم شعبنا وكا الهموم التي لا تنقطع في وطننا المثقل بالجراحات، والمنهك بالغدر، والمترنّح بالظلم والإضطهاد، وتمزيق أوصاله بمزيد من الحقد والحسد، ووابل من الرصاص ورائحة البارود التي تزكم الأنوف.

في وطننا فقط ومن حوله من البلاد المتسربلة برداء الخنوع والمستكينة بكاكي الجنود وجزمة الفقر، يبكي الظالم لينهب أموال المستضعفين ولينتهك الحرمات! وليجد يد العون والمساعدة من أفراد قبيلته أو اعوانه السذج الذين لا يعرفون شيئا عن دموع التماسيح ولا عبرات المتباكي، فيصول الظلم كالمارد الأحمر ويجول القهر كظافر منتشي بنشوة الصره بعد حرب طويل. ويواصل البغضاء قفزاته الطويلة ووثباته العالية، ليسجل ارقاما قياسية بمساعدتنا لحفارى القبور وحاملي الأوبئة والأمراض، وداء الرحيل ونهش جسد المواطن وإلتهام جسد الثقافة ونهب الحضارة، وبصق وجه التاريخ وتمزيق الجغرافيا.

بأفعالنا الشنعاء وبعاداتنا السئية وممارساتنا القبيحة، وإستغلالنا للثروة والسلطة وجشعنا المجنون، سيصبح العالم بقعة ملتهبة وقطعة لحم فوق صفيح ساخن،يحرق اللظي وألسنة اللهب المنبعثة من البراكين المتدفق من عيون الحسد وسوء الإدارة جميع الألوان وجمالية الحياة وشتي الأصناف، وتجتاحنا في وسط ليالية الموحشة أحاسيس الغربة وشعور الوحدة ونحن في ديارنا منعمين، وبين أهلنا جذلين، وفي عقر بلداننا وأوطاننا متسربلين رداء العافية.

مسؤلية الجميع في زمن الإذلال والإستبداد هو أن نحارب السلوك السلبي الذي يختنق حاضرنا ويهدد مستقبلنا كما يتلمس ماضبنا، والمطلوب من النخبة وأهل الراي هو مزيد من الوحدة والتعاضد والأفكار الناضجة والآراء الجيدة لنقوم ما نستطيع أن نفتخر به ونهديه إلي الأجيال القادمة، وليكون سجلنا ناصعا بإنجازات حقيقية يسر الجميع ويكون عونا علي تحقيق مزيد من النجاحات في قادم المواعيد.

ولكن إرادتنا المترهلة لا تؤهلنا أن نحقق ما نحلم به وأن نصل إلي آمالنا المشروعة، لذا من الواجب حتما أن نأخذ جرعات إضافية من الأمل والإصرار للوصول إلي القمم وملاحقة ركب العالم المنطلق، ولا نجنح للفشل والإستكانة والهوان، ولو كانت الآمال رابضة في اوكار الموت ومستنقعات المعاناة الكريهة وامتزج النجاح بمصارع الرجال وفوهة البنادق.

وفي طريقنا إلي تحقيق مانريد ستقف أمامنا عوائق كثيرة، وسيختفي الحوافز وستتضافر العثرات لتنال من عزيمتنا، ليكون الكون مشؤما ومكانا للشرار في نظرنا، وسيواصل البعض موجة التذمر التي باتت الماركة الأقوي والأشمل والأسرع في عالم عنوانه الكآبة والبرودة المقصودة، ويسوّدون صحائف الكون الناصع أقذارا وسَوادا يفوق الخيال.

ومهما تعاظمت الرزية وتكاثرت المحن يجب أن لا نتعرض للإحبط ،لأن بعد ما ننظر إلي طريقنا الطويل الذي قطعنا نحو التقدم والحضارة ونحو إلتئام جرحنا النازف سنفرح ونضحك ونمرح كثيرا، وستومض آمالنا التي أخفقنا في تحقيقها وراء أكمة المصاعب وكأنها تتحرش ان نصعد إليها لنظفر بها.

ولا تنتهي المصاعب عند هذا الحد! ولكن في كفاحنا نحو تغير العالم نحو الأحسن وتحسين مستوي المعيشة، وفي نضالنا المستمر من مهد الصبا إلي خريف العمر ولحْد القبر، سنواجه مطبات وحفرا وطرقا محفوفة بالمخاطر، ونعيش حياة تشبه يوميات محارب ملئية بالتناقضات وسفر طويل وروح يشفها الحزن وقبلات مسائية في جبين الحياري وأصداء السنين وغبار الشتاء.

وبما أن البشر مجبولون بحب الفضول والتطلع والتناقضات العجيبة سنحقق حلم الطفولة ونفشل في تحقيق حلم المراهقة وحب الشباب وآمال الكهولة، ونمر أزقات المدن ويبهرنا أناقتها المتمددة وروعتها الممتدة، ونكشف سحر أعماقها المتلاطم، وجنباتها المضيئة، وغموضها المحيّر دون أن نلاحظ أهميتها ونفتح سجلاتها المتبعثرة في سحيق التاريخ.ونتبع بريق العواصم علي جذل ونعرض المناكب لماضينا القريب، ونقطع الشوارع وتسحرنا الأجواء التي تحيطه به، ونهرول إلي نهاية الطريق دون أن نكترث بالإتجاهات ولا ألوان الإشارات أوزحمة الطرقات وخطورة التهور في مدن المنافي.

من عيوبنا أننا تبهرنا الطبيهة بصخبها وعذريتها وتعجبنا الأناقة بعفويتها وجاذبيتها، وننسي الخير ونتذكر الشر، ونتناسي عن مآضينا ولا نتفحص الأخبار، ولا ننقح الآثار بل نصغي إلي الأكاذيب ونقرع طبول التهويل ونستمع جيدا فصول التطبيل والتضليل، وكأنها الفضيلة والجمال ودروب الحكمة الأزلية .ونمررالفبركة بصفاقة عجيبة ونقبل الحقائق علي مضض، ونغذي التطرف بحماسة منقطعة النظير، ونترك الجهل يحلق في الأجواء وحيدا ليلتهم كل شئ في حياتنا، ونحارب الإحباط بمزيد من التوهم والإزدراء، ونغض الطرف عن الحقائق لأنها تؤلمنا وتصدع رؤوسنا وتبدد الظلم وتفكك أوصال الغشاء الذي تحجب الرؤية عن عيوننا، ونهرب من الواقع المؤلم إلي النوستلجيا الجميلة والحنين إلي الماضي الفخيم ، الذي نتعلق به ونحبه أكثر من الأشياء الجميلة في حياتنا! لأنه لا يزجرنا ونسلم به كوامن الهموم ومكامن الغموم بلا رفض ولا تذمر، ولا يحتاج منا إلا إلي رجوع شريط ليالي الملاح وأيام ألأفراح والمسرات.

نتمسك باخمص البندقة كاسير الحياة، ونضع يدنا علي الزناد كنبض الأمل، ونتجرع كؤوس الخوف أصنافا ونتمادي في ضروب الغي، ونستمتع اللوحات الضخمة المزركشة لمعاني الإرهاق والهوان ،ونربي الأحاسيس الفظيعة في جوارحنا ،ونميل إلي الموسيقي المحبطة أوالصاخبة، ونترك شذى الأوتار ونبض الأمل والموسيقي البهية للحياة، رغم أنها الموسيقي الوحيدة التي نسمع هديلها وصوتها الشجي في هداة السحر وفي شفق المغيب ومن بين الركام وفي خضم الدموع وتحت أنقاض الدمار.

من طبيعتنا الأزلية وتراثنا الأبدي أن نتكيف الأسلوب الحضاري علي مضض، ونقبل الآخر وقلوبنا مغلقة مسبقة وعيوننا مفتوحة علي قلق! وأن نتمرد علي قوانين الكون بعنجهيتنا وصلفنا الموغل في جيناتنا الوراثية، وأن نخاف من الضوء كالخفافيش، ونهرب من الظلام وحنادس الليالي كالكائنات النورانية والأشباح المفزعة في عز الشتاء.

وتتصدر المخاوف والوجل عي لوحة حياتنا، وتجثم السكون في هامة يومنا، وتحوم الأوهام فوق قلوبنا المنهكة، وتعصف البلاهة باحلامنا وتصفر الرياح حولنا كمواء القطط ، وكنور اللواري القميئة الذي يئن بثقل الركاب وتراكم الهموم وثقوب الحياة ووعورة الدروب وتراجيدية المعيشة.

ولكن ورغم كل هذا فالأمل في عز المحنة مطلوب ويجمل حياتنا البائسة، ويجعلها ورقة بيضاء نقية كشموس المساء أو كشجن الشعر الصافي أوكضوء خافت لقناديل نثرية فتزدهي الحياة وتزدهر كأسفار التاريخ الشفافة أوكقطرات مطر يتساقط بلا ماء، ونعيش خيالا يتلائم مع البيئة الأسطورية والحياة التي تجتمع بين طياتها تقلبات الزمان، وقهر الأيام، ووهج الضحي المنساب كما النيل، والقاتم كظلام العتمة.

نرحل إلي قمم المعالي ونسقط من العليا إلي سحيق الواقع! ويطوينا النسيان ليخفف عنا وطأة الحياة، ونلهث وراء أشرعة السماء لتغرب شمس أحلامن من هنا وتشرق من هناك، ونتمسك بروح لاهية إلي نضارة الحياة ورونق المعيشة التي تورثنا من غيظ يخنقنا ومن سراب لسراب ومن إنكسارات ضوء لآخر يؤب.

العيش في هامش الحياة تورثنا مشاعر مضطربة وهواجس مضطرمة كجندي خائف يسهر من اجل الوطن ومحاربة الظلم وحماية الشعب من عدو لا يرعوى ،ومن همسات تخترق سكون الليل كإبتسامة شاحبة وغادرة من وجه صارم معفر بالشجن والشجي، تشحن الأجواء وتمزق حبل الوصال تحت وقع زخات المطر، وفي قبة ليل كيئب لم تكفكف السماء دموعها بل منحت الأرض حنانها وسكبت قطراتها المنعشة علي صفحته، وبللت ثياب الجندي الباسل الذي يسمع بوضوح دقات قلبه في ليل بهيم لم يستطع أن يجاري في غلوائه، بل اكتفي بتحسس زناد بندقيته وضبط نياشين المرصعة علي أكتافه، والتنقل بخفة فوق قلعته الشامخة علي تخوم الحدود الشرقية وفي الثغور الأمامية وسط عواء الذئاب ونباح الكلام وتغريد الكناري وضوء النجوم الخافت.

ـ بإذن الله ـ ستنتهي المشاكل قريبا ونروى قصتنا المؤسفة علي الراقدين في اصلابنا بهدؤ، كليل مترع بالبهجة أو كنسيم عليل اوكتغريدة حب ضاعت بين هجر الوصال وسديم المعاني وبريق الذكريات، ونسطر صفحة حياتنا من وميض التاريخ وأريج الورود الفواح، ونرسم وشما زاهيا في كف السحاب والجباه الجذلة ببهجة الأيام، ونهرب كالورق الميت من غلظة بذورنا إلي لواقح أجنة الحب السرمدية، وهامات الهضاب وهوج الرياح في الهزيع الأخير من الليل، وذرات الغبار المتساقط علي رفوف المكتبات وفوق الكراسي الخشبية في الميادين المتواضعة.

وأخيرا: إن لم نفق من سباتنا العميقة ونترك من جدالنا العقيم ستنزف جروحنا قيحا إلي الأبد، وتزدهر لعبة القتل في الحلبات المكشوفة، ولا نجد آسي يضمد جراحنا ويواسي الكسير، وتملأ الغضب ولهفة الشوق الغريق وحرقة القلب المكلوم في قصبات الضلوع وبين قفصات الصدور.

%d مدونون معجبون بهذه: