مغزى فتح أول خط طيران دولي بين مقدشيو واستنبول

بعد الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء التركي طيب أردوغان ل مقدشيو في 6 أغسطس من العام الماضي في خضم عدم الأمن في تحد سافر للصورة النمطية المرسومة عن الصومال لعدم الإستقرار، هذه الصورة التي وضعتها الدول التي ترى في استقرار البلاد وتقدمها واستقلالها خطرا على مصالحها، ولا تريد ان تعتبر الصومال إلاّ مرتعا للإرهاب يجب عزله وحصاره، واستئصال الإرهاب والقرصنة فيه، وإزالة التهديد الذي يشكله على الأمن الدولي منه، حلّ الزعيم التركي على مقدشيو، ليعلن أمام الدنيا تحديه لهذه الفرضية، وإعرابه عن التضامن مع الصومال في محنته ومعاناته السياسية والإنسانية والأمنية، وتعامله معه كدولة شقيقة تستحق معاملة لائقة بكرامة شعبه وحقه في السيادة والتنمية والإستقرار. وأعلن افتتاح السفارة التركية في مقدشيو، وقاد مجموعة دول التعاون الإسلامي في تكريس أضخم مساعدةمالية قدمت للبلاد حتي الآن لمواجهة المجاعة والقحط ووضع البنية التحتية للتنمية الشاملة. وأغدق البلاد بفيض من المساعدات التي لاتعد ولا تحصى في المجال الصحي والتعليمي وبناء وترميم المباني الحكومية وحفر الآبار وتوفير الخبرات في المجالات المختلفة لمساعدة الصومال لكي يقف على قدميه.

ومن إنجازات تركيا ذات التأثير البعيد المدى، الغزيرة المعاني والدلالات، التي سبقت الجميع، بعد أعمال الترميمات والتجديد التي أجرتها في مطار مقدشيو، مبادرتها المبهرة بفتح أول خط طيران دولي بين مقدشيو واستنبول ، لأول مرة بعد عشرين عاما منذ إغلاق مطار مقدشيو في وجه الطيران الدولي بعد أن وقع تحت قبضة المليشات العشائرية. وقد دشنت المناسبة بحفل بهيج شعبي ورسمي قاده رئيس الجمهورية الصومالي ونائب رئيس الوزراء التركي.

ولفتح خط الطيران دلالات متعددة، فهو رسالة موجهة إلى العالم بأن تركيا تثق في الصومال وفي قدرته على النهوض من كبوته وفي الإنطلاق نحو التقدم والإستقرار، وإيذانا ببدء عهد جديد من التعاون الوثيق بين البلدين الشقيقين في كافة المجالات الإقتصادية والسياسية والثقافية، ورمزا لإخراج البلاد من عزلتها وربطها بالعالم عبر شبكة الطيران التركي العالمية.

وأرجو أن تكون هذه المبادرة العظيمة أساسا لإعادة بناء نهضة صناعة الطيران من جديد التي تشكل لبنة مهمة في بنيان مؤسسات الإقتصاد الوطني، ولنا باع طويل فيه بالدور الذي لعبته شركة (الخطوط الجوية الصومالية) سابقا في الإقتصاد الوطني وفي التنمية، وربط الصومال بالعالم، وما حققته من إنجازات في خلق عمالة ماهرة وكادر فني من المهندسين والطيارين والخبراء في الشئون التجارية والمالية والإدارية، كما أبلت هذه الشركة بلاء حسنا في توفير العملة الصعبة للبلاد ، وتحقيق الوحدة السياسية بربط المناطق الإقليمية المترامية الأطراف والمتباعدة بعضها ببعض نظرا لاتساع رقعة البلاد وعدم توفر الطرق المعبدة ووسائل مواصلات أخرى برية سريعة وكفؤة تحكم قبضة الدولة على البلاد.

وفي هذا الصدد، أود أن أشير إلى أن صناعة الطيران تشكل ركيزة مهمة وأساسية للإقتصاد القومي التي تخدم التنمية والإنتاج القومي ومصدرا رئيسيا للدخل القومي ومجالا مهما للعمالة المتخصصة والخبرة والتكنولوجيا الحديثة، وهي صناعة متطورة تحتاج إلى رساميل ضخمة وكفاءات عالية لا نملك القدرات المالية والعلمية والتكنولوجية لتوفيرها، لذلك أدعو المخلصين العاملين في مجال الطيران إلى الدخول في شراكة مع الجانب التركي وبمساهمة من الحكومة لإعادة تأسيس شركة الخطوط الجوية الصومالية للعمل على المستوى الدولي والداخلي. ولقد كانت الشركة الوطنية للطيران أهم مشروع إقتصادي في البلاد من حيث كونه أهم مورد للعملة الصعبة لا ينافسها في ذلك أحد. وهذه الصناعة مهمة وحيوية لتقدم البلاد، فهي تعتبر أحدث وأكفأ وأسرع أنواع المواصلات، لاسيما إذا أخذنا بعين الإعتبار عدم وجود وسائل مواصلات أخرى كالطرق المرصوفة السريعة التي تتعطل باستمرار بسبب الأحوال الجوية، كما أن القطارات والسفن أيضا غير موجودة، مع الأخذ بالعلم رقعة البلاد الشاسعة، وضرورة ربط البلاد بعضها ببعض لأسباب اقتصادية وسياسية وإدارية وأمنية.

ولا يستطيع القطاع الخاص وحده تحمل عبء إنشاء الشركة الوطنية للطيران نظرا للمتطلبات الباهظة التكاليف من رأسمال وتدريب وتكنولوجيا، كما أنه يسعى إلى تحقيق الربح العاجل، ولذلك فإن الدولة وحدها تستطيع أن تقدم التسهيلات ومن بينها الإعفاءات الضريبية لضمان إنجاح مثل هذا المشروع، ولذلك فإن الدولة يجب أن تتحمل نصيب الأسد في شراكة مع القطاع الخاص مع الجانب التركي لإعادة تأسيس الخطوط الجوية الصومالية ، فالشركة الوطنية للطيران تعكس صورة البلاد وتحمل علمها عبر العالم وترمز إالى مكانة الدولة وسمعتها وتقدمها وهيبتها.

هذا الحديث يجرني إلى موضوع آخر متصل به، وهو ضرورة إعادة تكوين “هيئة الطيران المدني” كمؤسسة تابعة لوزارة المواصلات التي تقوم بتنظيم والإشراف على كل ما يتصل بصناعة الطيران وما يتعلق بها من ضمان السلامة والأمن وإنشاء المطارات والإشراف والرقابة على المجال الجوي الصومالي. كما يجب تحديث المطارات الإقليمية وتطويرها وتجهيزها بالمعدات والتكنولوجيات اللازمة وكافة المستلزمات الضرورية لتأمين سلامة الطائرات والركاب على مدار الساعة، ويمكن أن نستعين بالخبرة التركية في هذا الصدد، كما أن المنظمة الدولية للطيران المدني التابعة للأمم المتحدة يمكن أن تقدم خبراتها ومساعداتها بسخاء إذا طلب منها ذلك.

وخلاصة القول، إنّ افتتاح خط الطيران بين بين مقدشيو واستنبول يعتبر فاتحة عهد جديد ، مفعم بالأمل والخير ومساهمة تركية جبارة وعظيمة لشد أزر الصومال وإعلاء شأنه ورفع مكانته الدولية ومساعدته على تحقيق الإستقرار والتنمية والتقدم وتوثيق أواصر التعاون بين البلدين الشقيقين وربط الصومال بالعالم وبدء مسيرة مستقبل عريض مشرق لكل أبناء الصومال في ظل دولة مستقرة تنعم بالرفاهية ويتمتع مواطنيها بالعزة والكرامة.

شكرا ، لتركيا على كل ما فعلته من أجل الصومال، وعلى عطائها الجم، وسيذكر التاريخ أبد الدهر أنها وحدها هي التى وقفت لتأخذ بيد الصومال في عز محنتها.

3 تعليقات

  1. عفوا أفضل طيران تقدم الطعام على مستوى أوربا وليس على مستوى العالم. القطرية أختيرت أفضل طيران فى العالم فى 2011. من ضمن عشرة أفضل طيران فى العالم فى 2011 تسعة أسيوية يشاركها فقط الطيران التركى فى مركز التاسع. ويا حظها مقديشوا!

  2. بمناسبة ذكر الطيران التركي. للمعلومة أختيرت الطيران التركي أفضل طيران أوربي فى عام 2011 وكذللك مشهورة بأنها أفضل طيران تقدم الطعام على مستوى العالم. يرجى مطالعة الرابط التلي:

    http://www.worldairlineawards.com/Awards_2011/europe.htm

  3. أحمد عثمان محمد

    أستاذي الفاضل/ إسمح لي أولاً أن أقتنص فرصة كتابتك لهذا المقال الرائع علي موقع الشاهد لاُحيك أجمل تحية، واقدم لك جزيل الشكر والعرفان علي مجهودك الجبار في توثيق جزء هام من تاريخ بلادنا الحديث والمعاصر.
    مقالاتك القديمة علي هذا الموقع قلبت رأس على عقب محتوي ما كنت أرفع عن تاريخ بلادي والمعلومة ألتي قدمتها عن ذلك الجندي المجهول (والدك العزيز) لم تكن تخطر علي بالي لولا ثوقيك لها في صفحات هذا الموقع الجليل. فأنا وألآف من أمثالي مدينون لوالد (ذلك الجندي المجهول) فيما تبقي من حياتنا وإلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.
    فوالدك كان صاحب بصيرة (vision) تستشرف المتسقبل وناضل من أجلنا (أبناء الوطن) كي يخرجنا من ظلمات الجهل إلي نور العلم والمعرفة فترك عائلته وأطفاله فى الوطن وتحمل مشاق السفر علي حسابه الخاص إلي القاهرة وتردد علي مكاتب المسؤلين هناك ليوفر لنا كنوز العلم والمعرفة في مدارس عالية المستوي وقريبة من بيوتنا.
    والدك (هذا الجندي المجهول) الذي أوقد مشعل المعرفة لعشرا الآلاف من طلاب وطلابات الصومال وتخرج بفضله كوادر فائقة التدريب أضافت إلي الوطن بل العالم الكثير غير مذكور في كتب التاريخ ألتي كانت تدرس لطلاب المدارس في بلادي.
    هذه القدوة الحسنة لم تنل حقها من التقدير من الحكومات التي تعاقبت علي بلادي منذ الإستقلال وحتي سقوط الدولة ولذلك لأن القدركتب أن يقع حكم بلادنا في يد رعاة الإبل الجهلاء فلم يعرفوا أن تدريس شخصات مناضلة مثل والدك ثتير في الطلاب حماس حب الوطن، ويعتبرونه قدوة لهم ينتمون إليه ويسيرون علي رشده وخطاه.
    في كل قري ومدينة هذه البلاد التي أعيش فيها – النرويج- تماثيل جميلة تخلد كل من قدم خدمة جليله لهذا الوطن وشعبه، لوحة معدنية صغيرة تحت التمثال تعرف من هو هذا الرجل / هذه المرأة وماذا قدم/ قدمت لبلاده والمجتمع وبذلك يجد الأطفال في قراهم ومدنهم معلومات قيمة عن كل من قدم عمل جليل لأبناء وبنات وطنه ليحسوا بالإنتماء إلية وليقتدوا به ويسيروا علي نبراس نوره في التضحية من أجل الوطن والمجتمع.
    الدراسة التي قدمتها عن مصنع السكر في جوهر كانت فياضة، حقائق علمية ومعلومات لا أعتقد أن أحد غيرك – ممن هم قيد الحياة اليوم – كان يملكها أوإهتم بتوثيقها ولو حتي بدرجة أدني من درجة توثيقك لهذا المشروع الجبار، ولي أن اعترف لك أن توثيقك لهذا المشروع الجبار هو الذي دفعني لتوثيق تاريخ المسرح الغنائي في بلادنا ودور المسرح الوطني في هذا المجال وذلك كي تعرف الأجيال الصاعدة إلي أي مستوي وصل الفن المسرحي والغنائي في بلادنا ودور هذا الفن في توطيد أركان الوحدة بين أقاليم الوطن وتكوين الشخصية الصومالية وإلي جوار دوره الترفيهي والإعلامي، والتعلمي والتثقيفي وغيره .
    أستاذي العزيز/ مطالعتي لمقالتك القديمة أشعلت في عقلي أسئلة حائرة لا ترغب في الإنطفاء مهما طال عليها الزمن ولم أجد لها جواب يشفي غليلها رغم بحثي الدؤب في محرك جوجل الكريم!
    أستاذي الكريم/ أرجو أن تسمح لي أن اُوجه لك بعض الأسئلة ألتي أرجو أن تتوفر لديك أجوبة شافية لها.
    أستاذي الجليل/ اُريد منك أن تتكرم في إلأجابه عن الأسئلة المسلسة أدناه ولو أستهلك منك وقتك الثمين في البحث في بطون الكتب وإستفسار أصحاب العلم والمعرفة.
    1- يعرف معظمنا أن مدينة مقديشو كانت محاطة بسور مثلها مثل بقية المدن الكبري في العالم القديم فهل كانت كل من مدينة مركة و براوة محاطة بسور ؟
    2- متي هدم المستعمر الإيطالي هذا السور(تاريخ هدم السور ولو تقريبي) وهل قدمت القوات التي هدمت هذا السور براً عن طريق إنزال القوات الغازية للوطن في ميناء هبيوأ أم أن هذا السور هدم من قبل قوات انزلت في ميناء مقديشوا.
    3- في أي تاريخ بدئت إيطاليا محاولت إنزال قواتها من مرفأ مدينه مركة ولماذا فشلت في ذلك؟ وهل إنزال قواتها من ميناء هبيو كان سابقاً أو أم لاحقاً لمحاولت إنزال قواتها من مرفأ مدينة مركة؟
    4- هل نصت المعاهده بين سلطان هوبيو والدولة الإيطالية علي تقديم مرتب شهري للسلطان وكم كان يبلغ ذلك المرتب؟ وماذا عن معاهدة الدولة الإيطالية مع السلطان بُقُرْ عثمان محمود في شرق البلاد هل إحتوت هي الأخري علي مرتب شهري للسلطان؟
    5- يعلم معظمنا أن إقليم الصومال الأيطالي كان تحت (Trusteeship) من عام 1950 وحتي 1960 وكانت إيطاليا والشعب والصومالي والدول التي كانت تراقب سير الأعمال مثل مصر والفلبين وغيرها وبقية العالم علي دراية كاملة بأن هذه الـ (Trusteeship) سينتهي مفعولها في يوم ما من عام 1960 وإذا كان الحال هكذا لدرجة أن حضرتك كتبت أن الريئس أدم عبدالله عثمان – القادم من مدينة بلدوين – كان علي دراية بذلك، لأن ذلك كان أمر محتموماً و بإضافة إلى ذلك نعلم أن 1960 يسمي بعام إفريقيا لتحول 17 مستعمرة سابقة في هذه القارة إلى دول مستقلة بتخطيط سابق من القوي النافذه في ذلك الوقت، وإذا كان الأمر هكذا فما معني هذا الكلام الذي يقول أن حزب (SYL) ناضل من أجل إستقلال الصومال، وأين محله من الإعراب؟

    ما زال لدي الكثير والكثير من الأسئلة في هذا المجال وغيره إلا أننى أكره الإطالة عليك، وشكراً لك سلفاً علي مجهوك المتعلق بألقاء مزيداٌ من الضوء علي تلك المراحل المهمة من تاريخ بلادنا. كما أرجو أن تضيف إسمي (Ahmed Osman) إلي أصدقائك في الفيس بوك. تمنياتي لك بالتوفيق ومزيد من العطاء لأبناء هذا الوطن المنكوب.

%d مدونون معجبون بهذه: