فارس الصحراء!

أن يكون القتل وسفك الدماء مصدرا للبطولة وحوزا للشرف والكرامة، ولكن أن تكون الأمُّ هي من تفعل ذلك أحيانا بفلذات أكبادها، أليس داهيةً دهياء !! ..وشيئا يحير العقول والألباب؟!

لِــ “تخلّف العرب” فنون وأشكال، ما أكثر القصص والحالات التي يُندي لها الجبين تحدُث مِن حولنا هنا وهناك، ونمرّ عليها مرور الكرام دون أن نعيرها كثير اهتمام .

قتل الشرف!! هو واحد من أرذل العادات وأقوى الأدلّة على رجعيّة العربيّ المعاصر، فتسمع فتاة قُتلت، وأخرى شُنقت بسبب اشتباهها بالضلوع في كذا، ولا ينتهي عجبي يوم أن سمعت فى إحدى الإذاعات أن شابا عراقيا قام بـرجم أخته في مشهدٍ مخزٍ ينفطر له القلب، أتدري لِمَ عزيزي القارئ، بحجّة أنّ جوالها يضمّ رقما غير معروف!!، وذلك بمباركةٍ من العائلة !!.

وهذه القصة تذهب أدراج الرياح بالمقارنة بــ قصة (سُعاد) لِتتأكّدَ معي أن قيمة الإنسان جدليَّة شائكة عند أصنافٍ من العرب، تحكي سُعاد عن مأساتها فى كتابٍ أصدرته قبل بضع سنوات فى أوروبا.

كانت تعيش فى قريةٍ فلسطينية صغيرة تابعة للضفة الغربية، ترعى الغنم تحت وطأة عذابٍ مستمر وحياةٍ ليس من أبجدياتها الرحمة، الأب يضربها بقسوة وجبروت والأم كذلك، فالأنثى فى هذه البيئة كانت غير مرغوبة بها، بل لا تعدو أن تكون مثل أثاث البيت، أختها (حنان) راحت ضحية لـجرائم الشرف بعد أن صادفها أخوها وهي تتمسك بسماعة الهاتف،! تقول إنها شاهدت أمّها تقوم بقتل أكثر من مولود، تحسّبا لعقوبة تأتيها من قِبل الأب {وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودّا وهو كظيم}، صُورٌ تركت فى مخيلتها كوابيسا تطاردها فى اليقظة والمنام.

يعود تاريخ هذه الحادثة إلى سبعينيات القرن المنصرم، خدعها شاب مجاور لهم أحبّته ، وعدها بأنه يتزوجها فأفقدها عفّتها، بعد أن استدرج بها بطريقة انتهازية جدا مستغلاّ حبها الشديد وبراءتها، المهم حملت سُعاد بصفة غير شرعية، وتخلى عنها (فوزي) وانتهى الأمر بإحراق سُعاد، وإشعالها بالبنزين والكبريت:

لِمثل هذا يذوب القلبُ من كَمَدٍ *** إن كان فى القلب إسلامٌ وإيمانُ

والغريب أن الذي تولى تنفيذ هذه المهمة كان زوج أختها! يعني من أصهارها، وتم تدبير العملية بعد مشورة طويلة، وشدّ وجذب، قرّروا فيها تولية أخيها أسد بمهمة القتل إلا أن الأم اعترضت على ذلك،  تعالت صرخاتها ولا مغيث، والمجرم البطل ولّى ظهره ظنا منه أنه تخلّص منها، تمكنت أخيرا من الوثوب من الجدار ولاذت بالفرار ، وجسمها يلتهب نارا ، وفي منتصف الطريق فقدت وعيها وسقطت، فأنقذتها مجموعة من النساء وحملنها إلى مستشفى فى مدينة قريبة، 90% من جسمها محترق بصورة بشعة وفرصة بقائها على قيد الحياة ضئيلة، لكن ثالثة الأثافي حين أتت إليها أمها بعد أيام ومعها كوب من السم،!! قائلة: اشربي يا ابنتي .. اشربي هذا خير لكِ فإنّ أخاك لا يستطيع أن يمشي بين الناس، اشربي لـيستريح أخوك!!.

ولولا أن بعث الله أحد الأطباء الذي تداركها لشربت هذا السم، كونها قد بلغ بها الظمأ إلى حالةٍ لا توصف كما تقول هي، وهكذا أخرج الطبيب تلك الأم ومنعها من الرجوع ، أنجبت طفلا فى ظروف بائسة، ، وفي نهاية المطاف، لقيتها (جكلين) امرأة نصرانية مسؤولة عن إحدى هيئات الإغاثة في الشرق الأوسط، ونقلتها إلى مستشفى فى سُويسرا ، حيث تلقّت هناك علاجا متطورا، واستعادت عافيتها بعد سنين من المعاناة، وتقول إنها حتى الآن تدفع ثمن ذلك من أمراض واضطرابات نفسية خطيرة مع مُضيّ ثلاثة عقود من الفاجعة.

هنا ما أريده ليس أنني أهوّن من ذنب هذه السيدة فهي نفسها تعترف بأنها أخطأت، لكن مَن أعطاهم الضوء الأخضر ليفعلوا فى النفس البشرية كيفما شاؤوا ؟! ما هذه الذكوريَّة المتطرفة؟ ما هذه الأنانية السخيفة ؟ ما هذا التطرف اللا إنساني؟.

إن ما يبعث الأسى أن العرب لا زالوا رهائن لمثل تلك العادة اللعينة وغيرها من عشرات الممارسات مما يشيب لها الغراب!، فالذين يفعلون ذلك ليس من شأنهم الدين والخوف من الله، وهم أيضا بمنأى عن الشهامة والرجولة، وإنما إرضاءً لأهوائهم وبروتوكولاتهم الوثنية {أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه}.

والأدهى والأمرّ أنهم لا ينالون جزاءهم فى المحاكم بدعوى أنها قضايا عائلية وقتل شرَف، فالظاهرة موجودة بقوة فى كثير من الدول العربية وبأرقام وإحصائيات مذهلة: فى سوريا والعراق وفلسطين والأردن والكويت والسعودية ! وغيرها.

بأي شرفٍ يتبجَّح هؤلاء وهم يفتقدون أبسط أساسيات الشهامة، ويمتهنون التعذيب للمرأة والإعتداء عليها، وإن غسلوا عنهم عار الفضيحة – وفقا لتصوراتهم الفاسدة – فكيف يغتسلون عن عار الجريمة.؟!

في وقتٍ مضى فيه خمسة عشر قرنا من انبثاق فجر الإسلام ووصول الرسالة المحمدية إلى الكون، وفي عصرٍ ينادي فيه عبّاد الصليب بنبذ الظلم والاستعباد، لَشَيءٌ مؤسف أن العرب يتخبطون فى ظلمات من الجهل، وعقلياتهم مبرمجة هكذا.

وفي وسطِ فشلٍ ذريع لحق بالعرب فى جميع الميادين والمعارك العلمية والحربية والتكنولجية التقدمية نراهم – وللعجب – فرسانا مغاوير في ساحة المرأة ليسلبوها حقوقها ويسترخصوا كيانيتها وإنسانيتها، فهذا يرجمها بالحجارة لأنه شكَّ فى الرقم الموجود عندها، وذاك يشنقها لأسباب تافهة، متفننون في كتم أنفاسها واستعراض العضلات في مواجهتها مواجهة العدو اللدود، بكل بسالة ورباطة جأش مقبلين غير مدبرين!

وسؤال يحيّرني: برأيك ما هو دور المرأة فى التكريس لهذه المشكلة؟ وخصوصا أنه يُذكر بأن النساء يستقبلن خبر “غسيل الفضيحة” بالتهليل والابتهاج والوغاريد.

وأخيرا فمن الصعب أن يتقدم العرب على ما هم عليه وإن قاموا بمختلف ألوان الثورات على الأشخاص الحاكمين ومدمني الكراسي ما لم يعلنوا ثورة على عقولهم وتصوراتهم.!

%d مدونون معجبون بهذه: