الرســــــــــــــالـة

لم أكن في حاجة إلى الالتفات لكي أعلم أن السيارة التي مرقت من ورائي مزمجرة، هي سيارة  زميلي الذي نشاركه فى الاسم و الصف والمقعد (عبدالرحمن)  بل إنني كنت أستطيع أن أراه جالسا بعظمة على المقعد الخلفي للسيارة الفارهة، دون أن أضطر إلى التوقف عن متابعة المعركة اليائسة التي يخوضها حذائي للإبقاء على أصابع قدمي بداخله، ودائما أتذكر والدي وهو يبتسم ابتسامة لا لون ولا طعم ولا رائحة لها ويقول “للأقدار حكمتها” أي حكمة في ما نراه  من حولنا و حكمة فيما نسمعه، ما الحكمة في أن تحابي الأقدار شخصا ما فتمنحه كل شئ، المال والجمال والصحة، الماضي العريق، الحاضر الزاهر والمستقبل المشرق، ثم تضطهد آخر فتحكم عليه بالحياة داخل جسد مشوه محاطاً بازدراء الناس مبتلى بالحاجة إليهم لا عزاء له بالأمس ولا أمل له في الغد، ولا تعدل بينهم في شئ اللهم باستثناء اسم اجوف (عبد الرحمن)اسم يأبي الناس حتي ان يساووا بيننا فيه فيستعيضون عنه بألقاب الأعرج والأحدب وغيرهما كأنهم يخشون أن انسي عيوبي ولوللحضة فيتطوعون لتذكيري بها ، ولا تكتفي الأقدار بذلك بل تجمع بيننا في مكان واحد وعلى مقعد واحد كأنها تتباهى بقدرتها على خلق النقيضين،مسكين أبي لقد رحل وهو يظن أن الأقدار التي عجزت عن أن  تعدل بيننا في هذا الكون الفاني ستعدل بيننا في عالم آخر يقولون عنه أنه لانهائي.

عندما وصلت إلي حجرتنا الرطبة المظلمة كانت أمي غائبة كعادتها كل يوم ولن تعود إلا بعيد الغروب حاملة معها وجبة طعامنا الوحيدة في اليوم، وكانت الشمس كعادتها كل يوم أيضا ماتزال مصرة علي محاولاتها اليائسة للتسلل إلى الحجرة المظلمة.

ألقيت بنفسي على بقايا الفراش المهترئ الممدد فوق الحصيرة البالية، أفخم محتويات الغرفة، وأخذت أتابع ببصري جماعات من النمل كانت تمني نفسها بوليمة شهية متمثلة في صرصار كانت تجره في إصرار شديد فى زاوية من الغرفة المظلمة المتهالكة بنيتها المهترئة سقفها.

ترى ماذا يفعل (سميي) العزيز الآن، لاشك إنه قد وصل إلى داره الفاخرة منذ أمد بعيد ويتناول طعامه الشهي، ولعله الآن مستلقٍ على فراشه الوثير، أم أنه جالس على مكتبه الفخم يعد دروسه، ترى ماذا يقرأ الآن؟ …  وامتدت يدي دون قصد إلي كومة الكتب والدفاتر المدرسية التي رضيت أن تقاسمني جزءا من الحصيرة، وأمسكتُ  بأول كتابٍ صادفته فأخذت أقلب صفحاته دون أن أرى شيئا منها، وكنت على وشك أن أرمي بالكتاب عندما سقط شئ ما من داخله، التقطت الورقة الزرقاء وألقيت عليها نظرة سريعة على غلاف الكتاب الذي سقطت منه، وحينما كنت أهتم بفتح الورقة خيل لي أننى أشم رائحة مألوفة ما …. وكانت فحوى الرسالة.

……..
عزيزي عبد الرحمن
أرجو أن لا تخونني شجاعتي حتى أكمل هذه الرسالة
لذلك لن أطيل في الكتابة، كل ما أود أن تعرفه
هو أنني أحمل لك في قلبي شعوراً يتعدى شعور
الزمالة المفترض أن يقوم بيننا،لاتسألني كيف ومتى ولماذا حدث هذا،
فكل ما أعرفه هو انني أحبك،وكأنني ما خلقت لغير هذا الحب
فهل تقبل قلبي، هذا أقصى ما أتمناه
المحبة إلى الابد

“نـمـعـة”
……

لا أدري كم مرة أعدت قراءة الرسالة، ولا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي رددت فيها لفظ اسم ’’نمعة’’ غادة المدرسة والمدينة كلها، ولكن ما أعلمه هو أنني عندما رفعت رأسي إلى الأعلى وجدت أن الشمس قد نجحت أخيرا في الدخول إلى غرفتنا الصغيرة.

في الصباح الباكر كنت أول من وصل إلى با ب مدرستنا الثانوية، وأخذت أتابع ببصري جموع الطلبة وهي تفد تباعاً إلى المدرسة، لم أكن أعلم أن كثيراً منهم، يأ تون إلى المدرسة مشيا على الأقدام مثلي،لاشك أن التبكير قبل استيقاظ المدينة، يعطيك فرصة الاستمتاع بمنظر الشمس وهي تدنو من الأرض في خفر العذارى، ورؤية الاشجار والدور تغتسل بأشعة النور القادمة من الشرق، لا يجب أن أحرم نفسي من رؤية هذا المشهد البديع،  كنت واقفاً أمام بوابة المدرسة حاملاً على كتفي الأيسر حقيبتي الجلدية القديمة، في حين انفردت يدي اليمني بحمل كتاب “المنطق” الذي وضعت فيه رسالة ’’ نمعة’’ إلي، وردي عليها، ولكنني لن أدسها خفية في أحد كتبها كما فعلت هي، فأنا الرجل ويجب أن أكون أكثر شجاعةً وإيجابيةً، وسيكون لنا بعد ذلك جلسة دافئة نناقش فيها مستقبلنا معاً.

عندما توقفت سيارة (سميي) العزيز أمام باب المدرسة، كان قد مضى على وقوفي هناك ما يقارب ثلث ساعة، ووجدت نفسى لأول مرة قادرا على الابتسام بصدق، واقترب مني  بخطوات واثقة وابتسامة هادئة وهو يقول:

ـ مرحبا عبد الرحمن، أراك مبكرا اليوم على غير عادتك.

وفتحت فمي كي أجيب عليه، عندما توقفت يده التي امتدت لمصافحتي واتجهت إلى حقيبته وهو يضيف:

ـ اّه، لقد لاحظت أنت ايضا الخطأ الذي حدث بالامس.

ثم أردف وهو يخرج شيئاً  من حقيبته ويضعه في يدي اليمنى منتزعا كل ما فيها:

ـ لقد أخذ كل منا كتاب الاخر بالأمس.

ثم اتجه إلى داخل المدرسة وهو يقول:

ـ هل تنتظر شخصاً ما؟

وكنت حينها فى حالة ذهول واستغراب عميق … وبدأت أتساءل .. “لماذا كل هذا الخجل؟ ألست رجلاً .؟؟؟؟”

نظرت إلى يدى الفارغة، ثم رفعت رأسي لأراه يسير داخل الفناء وكلما ابتعد خطوة ازداد ضخامةً وكلما ابتعد كلما صار أكثر تعملقاً ، حتى لم يعد يبدو في الأفق سواه.

8 تعليقات

  1. الأخ حسن, هل سبق وكنت صالبا بمدرسة السفارة المصرية فى مقديشو بالصومال، إن كان الوضع كذلك فأنت إذا صديق العمر الذى ضاع فى خفايا الزمان والمكان بعد نشوب الحرب الأهلية بوطننا الغالى, وكان اخر عهدنا فى الصف الثاث الإعدادى 1991

  2. الأخ حسن, هل سبق وكنت صالبا بمدرسة السفارة المصرية فى مقديشو بالصومال، إن كان الوضع كذلك فأنت إذا صديق العمر الذى ضاع فى خفايا الزمان والمكان بعد نشوب الحرب الأهلية بوطننا الغالى, وكان اخر عهدنا فى الصف الثاث الإعدادى.

  3. اخي العزيز ( مستغرب)اشكر لك غيرتك علىالاسلام والمسلمين ، وبخصوص المدرسة الانجيلية في ام درمان، فقد كنت مدرسا للتاريخ فيها ولم لكن طالبا، ولا اظن ان هذا يضبرني بمقدار ما يضير اساتذتنا في الجامعات الاوربية والامريكية ، وشكرا لك مرة اخرى

  4. Xasanow, intii aanan akhrin maqaalkaaga waxaan ku hor maray macluumaadkaaga. Markaan arkey inaad madrasad injiili ah dhiganeysay waan naxay. Waxaan jecleystay, bal inaan ogaado diinta aad aaminsantahay ma muslim baad tahay mise masiixi.

  5. أأشكر الأخ حسن محمد الذي تعرفناه في ساحة معهد البخاري أواخر 1997 تقريبا وكان ممن يرقي ثقافتي حيث كنت أرافق له في مكتة ضخمة في منزله الخاصة وكنت أقضي معه أمسية رائعة في قراءة كتب العربية ، وكان لي كمرشد في الطرق الحسني التي تساع
    ني في فهم لغة القرأن أشكره علي هذا الجهد ، كما أشكر كل من كان يتعلم اللغة العربية من معهد البخاري

  6. رائع استاذ حسن كما اعرفك كاتبا وصحافيا رائعا ورائدا

    تحياتي

  7. ماذا وجد من فقد الله وماذا فقد من وجد الله .
    بدل من أن نلعن الظلام علينا أن نشعل شمعة

  8. هذه هي الأقدار وكما قيل:
    دعها كما شاءها الرحمن جارية ولا تفسدنها برأي منك منكوس

%d مدونون معجبون بهذه: