من بلاد البنط إلي قيصرية فيلبس

[sws_blue_box box_size=”630″] ليلة في مجدلة – قصة قصيرة عن تاجر من بلاد البنط [/sws_blue_box]

وقع نظري من بعيد على ما يشبه قرية، وكانت السفن المزدحمة في بحر الجليل تعلو وتهبط، فتظهر القرية وتختفي، لكن عندما لمحت معالم القرية، لم أتردد لحظة .. قررت مغادرة السفينة للتو وقضاء الليلة في القرية التي عرفت فيما بعد أن اسمها مجدلة، ولعلي أتمم سفري إلى كفر ناحوم  سيرا مع الإسماعيليين،  ولما رأيت قاربا يمخر عباب الماء بين السفن، زاد عزمي على تغيير مسار رحلتي، فقد لقينا مشقة عظيمة في سفرنا هذا، فلتحل لعنات الإله قورح على من كان سببا في معاناتنا.

بدأت أودع أبناء بلدي من تجار بلاد البنط، الذين لا أشك أنهم سوف يتخذونني أضحوكة بينهم حين أغادرهم، فرغم كل المعاناة، أبناء البنط يعتبرون مثل هذه الرحلة نزهة حول ضواحي بلاد البنط، فتجارنا البنطيين بلغوا حيث تغرب الشمس وحيث تشرق، حتى أن الرومان يسموننا أرباب التجارة.

بدأت رحلتنا طبيعية من بلاد البنط، كانت العواصف شديدة والأمواج أحيانا كالجبال، ولم يكن ذلك بالأمر الغريب، بين بلاد البنط واليمن، وقد اعتدنا نحن أبناء البنط علي مصارعة الأمواج العاتية والتعارك مع شياطين الرياح، مضت بنا السفينة سيرا طبيعيا، حتى كنا على مشارف اليمن لما فوجئنا بعشرات الأساطيل أمامنا.

في البدء، ظننت أن الرومان أرسلوا جيوشهم، إذ كان حاكم بلاد البنط قد أرسل رأس أسد مذبوح ورسالة شديدة اللهجة مهددا قيصر بإرسال فرسان الكهوف وإجباره على دفع الجزية

يعاب على حاكمنا الحالي قلة خبرته في التعامل مع الأجانب، فهو لا يعرف إلا لغة القوة، ويرتجف منه الكوشيون شرقا والبانتو جنوبا، ويسعون دائما إلي إرضائه، لكن الكوشيين غير الرومان، ويبدو أنه تهور كثيرا في رسالته الأخيرة.

لما دنونا من السفن المزدحمة عرفنا أن ركابا من الأقباط في طريقهم إلى بلاد البنط، لأن قيصر أغسطس أصدر أمرا باكتتاب المسكونة، وعلى كل فرد تسجيل اسمه في بلاد أجداده.

ما أحمقهم؟ أما يتعلمون من الأكاذيب السابقة، لقد أشاع أحد الأنطاكيين كذبة كهذه منذ ثلاثين عاما، عندما كان كيرينيوس واليا على سوريا، وكان جزاؤه أن صلبه الرومان في روما منكس الرأس، لكن بعد أن تسبب في أزمة حول المسكونة إذ تعطلت مصالح الناس وتوقفت الحياة خاصة في الشرق حيث العامة سريعة التصديق، ولا أدري كيف ستستوعب بلاد البنط هذه الجحافل البشرية حيث يعتقد الأقباط أن أجدادهم قدموا من بلاد البنط ..  لم أهتم بذلك الأمر قدر اهتمامي بزحمة البحر، فالسفن لها مسارات خاصة يعلمها القبطان والخروج عن هذه الطرق البحرية مغامرة لا يرتضيها التجار.

 

مضت بنا السفينة في بطء بين السفن المزدحمة، حتى بعدنا عن اليمن، فبدأت الزحمة تقل رويدا رويدا، حتى وجدنا أنفسنا مرة أخرى نعاني الاختناق بين  أساطيل أخرى كانت قادمة من الشام، يزعم ركابها أن أجدادهم من اليمن.

وسارت بنا السفينة من ازدحام إلى آخر حتى بلغنا آخر المطاف، ومن هناك تفرقنا وانضممت أنا وبعض البنطيين إلى قافلة الديدانيين الإسماعيليين، فنحن نحتمي بهم، في هذه الطرق الخالية، بينما نسمح نحن لهم بدخول البلاد والتجارة فيها كأنهم من أبناء البنط، غير أننا لا نخبرهم عن مصدر بضاعتنا الثمينة فذلك سر مقدس، لا يكشفه البنطي حتى لو تعرض للموت.

فارقت الديدانيين  لأركب سفينة أخرى من بحر الجليل إلي كفر ناحوم، ومن هناك كنت أنوي التوجه إلى قيصرية فيلبس، وهناك ينتظرني أحد أعيان الرومان الذي دفع عربونا كبيرا من ثمن طلبه.

ولولا المرسوم المزيف لبعت بضاعتي الخفية الثمينة وعدت إلى بلادي، ولولا المرسوم المزيف لما التقيت بالصياد الذي كدر نفسي، ولا أدري أنبي هو أم عراف، فقد رحب بي باسمي، ظننت للوهلة الأولى أني متوهم، فسألته مندهشا، أتعرفني؟

ابتسم ولم يقل شيئا، وأخذ يتحسس الحرز المربوط حول ذراعه، وهي جلدة بداخلها بعض النصوص التوراتية يسمونها تفلين .. سألته مرة أخرى فقال:

–         قبل أن تخفي بضاعتك وأنت تحت الأيكة رأيتك.

كدت أسقط من القارب، ودب الخوف في قلبي، إذ عرف الرجل أين أخفي بضاعتي، ولم أدر كيف أتصرف، ولم يكن بمقدوري أن أفعل شيئا سوى اللجوء إلى الإله قورح والنذر بتقديم القرابين إذا سلمت بضاعتي من النهب.

أبغض الخوف، ولكن ليس للإنسان سيطرة عليه، ،حاولت أن أشغل نفسي، فسألت  الصياد عن الاكتتاب، تحسر وعبر عن أسفه لحال بني إسرائيل، وكيف أن مرسوما مزورا تسبب في إفراغ البلد من الشعب، عرفت من كلامه أنه من شيعة الغيورين الرافضين للحكم الروماني، فسألته  لكنه لم يثق بي، وأكمل في حديثه عن الاكتتاب، وقال إنه لم يبق في القرية إلا هو وامرأة شابة، هي أيضا كانت في طريقها إلى مسقط رأسها، غير أنها رجعت بسبب آلام في فخذها.

سكن قلبي لهذا، فلا خوف من رجل وامرأة، وتبا لي لو تمكن مني رجل وامرأة، لكن أين أسكن إن لم يكن في القرية أحد … أظن أنه يجب أن أعود وألتحق بإحدى السفن المتجهة إلى كفر ناحوم، وإن رفض أقاتله، غير أني لمحت في وجهه شيئا يرسل الطمأنينة في قلبي.

–         أرجعني يا سيد

صدر مني الطلب لا إراديا،

توقف عن تحريك المجاديف وسألني عن السبب .. لم أدر ما أقول، لا يمكن أن أقول إني خائف، البنطي لا ينطقها. الخوف كلمة دخيلة في لغتنا ..  أو هكذا نزعم .. لعلي أتحجج بالمسكن ..

–         أنا على قاربك وضيف في بيتك،

قالها وهو يناولني المجداف ثم أضاف

إن شئت  أرجعني وإن شئت استضفني في بيتك

–         لكنكم لا تجالسون الأمميين يا سيد

–         لسنا كلنا كذلك

وصلنا الشاطئ، وجذبنا القارب سويا، ثم  صعدنا تلا صغيرا حيث كان على الجانب الآخر من التل منازل من صفيح متناثرة وعشوائية . كعادة أبواب اليهود، كان هناك صندوق صغير يتدل من أعلى باب الصياد يسمونه المزوزة. تذكرت أنه لم يخبرني باسمه، فسألته، دفعني نحو الباب وقدمني في الدخول، فعرفت أنه ليس معه أهله.

منزل الصياد يبدو أكثر أناقة في الداخل من الخارج، الباب الخارجي يؤدي إلى مجلس، وشباكين علي الصفيح المقابل للباب، وباب مغلق على اليمين وآخر على الشمال محجوب بستار.. أذن لي بالجلوس على المتكأ، فقلت باسم الإله قورح وجلست، بينما قال هو باسم الله، وجلس، فشعرت برعشة خفيفة في قلبي.

سألته كيف عرف اسمي، وكيف رآني تحت الأيكة وهو في اليهودية .. وقف وتناول مصباحا كان معلقا من السقف، وجذب فتيلها وقال كمن يتنبأ:

اسمعي أيتها السماوات وأصغي أيتها الأرض، سيأتي يوم على البنط لا يسمع فيها إلا اسم إله يعقوب.

كأنه يهذي .. هل تتخلي عن الإله قورح، وهو ينصرنا دائما في كل معاركنا .. سخر لنا الزنوج حولنا، يقدمون لنا كل التكريم كعبيد لنا، وبينما أتفكر في الأمر طرق الباب، قام الصياد وهو يقول: إنها جارته، ولم يكن في المنطقة غيرها إذ منعتها الآلام من السفر ..  عاد ليخبرني أن الجارة أعدت لنا طعاما.

أذنت لتا الجارة بالدخول وتقدمننا نحو المتكأ وهي تجر إحدى قدميها، انعطفت شمالا واختفت خلف الستار، بينما اتكأنا نحن، وقال هو بسم الله وقلت باسم قورح.

لاحظت أنه يتضايق  من اسم إلهنا العظيم الذي احتوانا بمراحمه وجعلنا سادة على الزنوج، وعيننا أرباب التجارة، وأخضع لنا البحر، بل نحن آلهة البحار، فما له يتضايق، وأنا لم أنكر عظمة إلهه ولا شك أنه إله عظيم، يرى ما يجري في البنط فيخبره، ولعله جعله نبيا … سألته .. لم ينف ولم يؤكد .. استدار في جلسته واتكأ علي يده اليسرى وقال:

تتحول البنط إلي بنطين.

–         كيف ذلك ؟

سألته مستنكرا فقال:

–         ثم أربعة.

سكت برهة وأضاف:

–         فثمانية .. حتى تصير كل مدينة بنطا

حديثه يقلقني وإن كان وجهه ينشر السكينة في قلبي،  لأي بنط سيخضع الكوش إن تفرقت البلاد، وأي بنط تخضع للأخرى؟  ماذا إن لم يخضعوا ..

عادت صاحبة البيت تحمل جردلا من الماء وضعته تحت قدمي .. إنه تقليد اليهود الذين اندمجوا مع الرومان أن تغسل أرجل الضيف، وتجفف بالشعر، أما الصياد فقد انزعج، وظننته أراد أن تبدأ به، فخيرته، فأبى، وخاطب الجارة قائلا:

–         إنها عادة الأجانب تسربت إلينا يا ابنة هارون ..

احتجت صاحبة البيت وقالت:

–         إن إكرام الضيف تقليد يهودي أصيل.

طفولية الملامح، قصيرة نوعا ما  ونحيلة، أمثالها في البنط، توصف بأن ليس فيها ما يؤكل، لكن وسطها ممتلئ ومؤخرتها كبيرة كمؤخرة بنات البنط، ويظهر لي أنها من الأسرة الكهنوتية اللاوية، إذ اليهود يدعون كل لاوية بابنة هارون أو أخت هارون ..

أرادت معرفة اسمي لكنها وجهت السؤال إلى الصياد، أخبرها وأخبرني عن اسمه .. تمنيت لو سألت سؤالا آخر، فقد كان صوتها عذبا وله على قلبي فعل شعرها على ساقي .. لكنها ظلت صامتة لا يشغلها شيء غير تجفيف قدمي بشعرها الناعم .. أما الصياد فعاد يكدر قلبي وهو يقول:

يقول الرب: أحجب وجهي عنهم.  جيل شرير متقلب لا أمانة فيهم.. أحشد عليهم الشرور، وجعبة سهام أعدائهم أفرغها فيهم. يخورون جوعا وتفترسهم الأوبئة. أنياب البهائم أطلقها فيهم..  سموم الزحافات تسكن بحارهم…. طيور بلا أجنحة من السماء تثكلهم والرعب ينهكهم؟

–         ولكن يا سيدي

لم يكترث لمقاطعتي، وواصل:

–         غضبي يشتعل كالنار تأكل الأرض وغلاتها وتلتهم أركان المدن من أفاليتي[1] إلي ملوو [2]إلي سيرابون[3]

–         يا سيدي لا يعقل إن يتخلى عنا قورح

–         تصير البنط أرملة تحت الجزية ولن تحد من تبكي لمذلتها .. يغدر بها عشاقها يساقون إلي السبي فرحين .. يكشف الرب عورتها، ويبسط الزنوج والروم أياديهم علي مشتهياتها وينجس الكوش قدس أقداسها .. تنوح البنط .. وتولول..  مراعيها ذابلة.. أنهارها آسنة .. بحارها مسمومة

– يا سيدي .. أليستا نحن من ينتج البخور التي تقدم لكل الآلهة في كل المسكونة

–  أغيظهم يقول الكتاب بعبيدهم .. بـأمة زنجية أغيظهم تدنس قدس أقداسهم

ضقت ذرعا به .. كيف يدخل الزنج إلي قدس أقداسنا .. إنهم عبيد لنا .. مستحيل،  وإن شاءت كل الآلهة فسوف نوجه سهامنا نحو عروش الآلهة.

انزعج الصياد انزعاجا شديدا .. لكن ليس من كلامي الذي يعتبر في اليهودية هرطقة الهرطقات، أمسك بيدي وقال:

–         الذين يطلبون حياتي قادمون، ربما المبيت في منزلي خطر عليك،، جارتي سوف تأخذك إلي منزل قريب لي ليس بعيدا عن هنا..  إنها أمانة بين يديك

واختفى قبل أن أتلفظ بكلمة، واختفت الجارة لتعود بعد قليل محضرة الطعام  .. واستأذنت لصلاة الليل، لم تذهب بعيدا .. وقفت في الركن ووضعت ركبتيها علي الأرض  وكانت تقول في صلاتها كلمات جميلة نقشت في صدري.

أبانا الذي في السموات.ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك.لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض  خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم. واغفر لنا خطايانا لأننا نحن أيضا نغفر لكل من يذنب إلينا.ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير

أنهت صلاتها وقبل أن تجلس اقتحم المنزل عدد من جنود الرومان يحملون سيوفا ومشاعل ، واتجه بعضهم نحوي وآخرون دخلوا إلي الغرف الأخرى..  صرخت الجارة أن: ماذا تريدون .. لم يهتموا بها .. قرب أحدهم مشعلا نحو وجهي، وسرعان ما انصرفوا.

كانت الجارة ترتعش، سألتها إن كانت خائفة .. أجابت بالنفي، وأنها ترتعش بسبب الغضب .. نهضت وتناولت إبريقا به خمر، سكبت لي كأسا ولنفسها كأسا .. تلت صلاة ثم أفرغته في جوفها .. وقالت إنه يخفف عنها الألم في فخذها

تذكرت أني معي بعض الأعشاب البنطية التي تخفف الآلام .. سألتها أن تريني مكان الألم، فقالت إنها لا تستطيع ذلك، سألتها عن السبب، أحنت رأسها وقالت وهي تنظر إلي الأرض: لأنه قريب من ….. ولم تكمل، لكني فهمت.

رفعت رأسها .. ودققت في عينيها

–         أتخافين مني يا ابنتي؟

–         لا أخاف سوى الهاوية.

ضحكت، وقلت لها لا يوجد شيء اسمه هاوية حتى تخافين منه، استنكرت ذلك بشدة، سألتها: هل يوجد أب يعذب أبناءه، أجابت بالنفي، سألتها: ألسنا أبناء الآلهة، أكدت أن شعبها أبناء الوهيم،

كأنها أرادت أن تنفي أننا أيضا أبناء الإله، فأكدت لها أن الإله قورح ينصرنا دائما وأننا أبناؤه، سألتني عنه، أجبتها أنه إله بلاد البنط العظيم،

–         إذن أنت من بلاد البنط، ظننتك من مصر

سألتها عن السبب، نظرت إلي بطرف عينيها، ولم تجب، اكتفت بابتسامة، ولأول مرة تبتسم، و‘ن كان وجهها خلق مبتسما دون أن تبتسم

أخرجت بعض الأعشاب من كيسي، وناولتها لتخلطه بالماء، وضعته في كاس، وصبت عليه قليلا من الخمر، تلت صلوات وشربته.

سألتني : هل تسمع؟

–         ماذا؟

قامت من الأرض وجلست علي الفراش، وهي تقول، زئير الأسود

توهمت، ربما أكثرت من الشرب، قلت لها ‘نها أمواج البحر، وسألتها أن تريني مكان نومي، وضعت معطفا على كتفها، وحجبت رأسها .. حملت كيسي، وسألتني أن أتبعها .. فتحت بابا كنت أحسبه غرفة، ولم يكن، بل كان يؤدي إلي فناء محاط بسور تتوسطه شجرة ضخمة، وعلي الجانب الآخر منزل، قالت إنه منزل أختها مارثا، وعلى الجانب الآخر منزل آخر قالت هو لأخيها الذي سافر إلي أور الكلدانيين، لأنه يظن أن عليه إن يكتتب في مسقط رأس جده إبراهيم الذي قدم إلي اليهودية من أور الكلدانيين،

خيرتني بين المنزلين، وعللت عدم أخذي إلي منزل قريب الصياد بخوفها في الرجوع وحدها،

أخذتني إلي غرفة النوم، وغادرت .. خلعت ملابسي، ووضعت معطفي الذي أخفي فيه بضاعتي الثمينة حيث سأضع رأسي، أخرجت إزارا من الكيس، أربكتني بعدها صرخة، فإذا الجارة تقتحم الباب، لتستدير سريعا للخروج إذ كنت عريانا، ارتطمت بالباب، وانحنت، ثم جلست قبل أن تسقط

اتزرت سريعا .. وأخذت بيدها .. أجلستها علي السرير

–         هل أنت بخير؟

قالت والرعب في عينها:

–         ألم تسمع؟

إنه صفير الرياح يا ابنتي .. هيا سوف أوصلك لمنزلك ..

أعنتها علي الوقوف، ولما وصلنا للباب، خلعت معطفها ووضعته في الركن، وجلست تنظر إلي، صامتة، فرأيت الرعب في عينيها، واستغاثة في صمتها، كأنها تريد أن تنام على البلاط، أومأت برأسي، فقالت إنها لن تزعجني

–         لعلك تأتين ببعض فراش المجلس

قالت أنها لا تحتاج إلي ذلك، فخرجت وأحضرت لها فراشا، فاستلقت شاكرة، واستلقيت علي السرير، محتضنا معطفي، وسرعان ما أخذت الجارة مكان المعطف، إذ قفزت سريعا من مكانها وتشبثت في دافنة رأسها في صدري العاري، وقد كانت الرياح فعلا تثير أصواتا تشبه عويل الذئاب أحيانا.

حاولت أن أسكن من روعها، لكنها لا تستجيب، لما شعرت بدموعها علي صدري، رفعت رأسها، وقلت لها إني اعلم أنها تشعر بالحياء، والخوف من الأسود، وربما خائفة مني أيضا، لأني رجل. … و …

قاطعتني وقالت:

–         وهل ينظر مثلك إلي مثلي؟

–         بل هل ينظر مثلك إلي مثلي؟ ألستم انتم اليهود تقولون إنكم شعب الإله الخاص،

مسحت دموعها، وقالت في نبرة ملؤها الأسى:

–         سيدي أنا كنت امرأة خاطئة وقد أُمسكت في ذات الفعل

قالتها ودفنت رأسها في صدري مرة أخرى، فطبطبت عليها، وجاءت يدي على ورم، سألتها هل هذا مكان الألم، فلما قالت إنه هو، دفعتها بلطف، وجعلتها تستلقي على ظهرها .. أزحت الثوب، عن فخذها، فوجدت ورما، ضغطت عليه بأصبعي، فعرفت انه تحول إلي قيح، وسينتهي الألم بمجرد إخراج القيح .. أخرجت قارورة زيت كافور … أخرجت القيح، تألمت قليلا، وسرعان ما أحست بذهاب الألم .. استلقت علي ظهرها .. رفعت ساقها و مسحت بالزيت على الجرح وحوله، حاولت أن لا أنظر إلي ما فوق الجرح، لكن خانتني أعيني، أظن أنها ليست في الرابعة عشر كما ظننت، ربما الثانية عشر، إذ لم أر إلا شعيرات خفيفة حول عورتها التي أظن أن يدي وقع عليها سهوا، فقط حركت ساقها الأخرى حركة سريعة أيقظتني من سباح ذهني في بحار أخرى.

أغمضت عينها ومرة أخرى وقعت يدي على هيكل قدسها، قالت لا تنظر إلي .. كان صوتها متهدجا وبطنها المستور بثوب خفيف يرتعش.

توقفت، ووضعت القارورة علي طاولة صغيرة بجانب السرير، وكان عليها قارورة أخرى .. واستلقيت علي جنبي، الأيمن ووجهي إلي الحائط،، منتظرا أن تنهض، ولم تنهض، فلعل السبات قد غلبها، وكاد السبات يغلبني أيضا لولا أنها قالت شيئا ما عن البنط  .. أدركت أني أسمع جيدا…فكررت

–         ما أعظم رجال بلاد البنط !

قلت بفخر: حقا ما أعظمنا.

–         كان بإمكانك أن تأخذني لكنك لم تفعل.

كان صوتها مازال متهدجا، وساحرا، يترك تأثير الرباب علي الفؤاد.

نهضت، فاستدرت مستلقيا، لم تذهب بعيدا، تناولت القارورة الثانية التي كانت علي الطاولة، وسكبت قليلا منها علي يديها، وقفت على ركبتيها علي السرير، وقالت زيت الناردين، وأخذت تدهن صدري،

لما أغمضت عيني، أدركت لماذا أغمضت عينها حين كنت أدهنها، وبينما يمكن للمرأة أن تخفي مشاعرها، الرجل لا يستطيع ذلك، فانتفاخ إزاري يكشفني،

جلست على فخذي الأيمن، تمرر يدها من خصري إلي عنقي، تنحني وتستقيم،

–         هل لك زوج؟

سألتها دون أن أفتح عيني.

قالت بصوت متكسر قد غلبه الشبق:

ومن يتزوج امرأة خاطئة؟

انتقلت من فخذي عبر الإزار المنتفخ .. جلست علي بطني

لم يكن بين بطني وترائب عذرتها حاجب إلا الدفء واللزوجة.

فتحت عيني، فوجدت الدموع تسيل منها، قلت لها إن كلا منا خطاء .. ليس هناك بار ولا واحد

–         ليس هناك بار إلا واحد.

–         من هو؟

لم تجب .. ظلت تنحني وتستقيم، وكلما أمرت يديها علي صدري زاد الدفء الذي بين شعيرات بطني وشعيرات قدس أقداسها وزاد الاحتكاك.

عادت أدراجها إلي الخلف نحو ساقي، كان إزاري قد سقط، فارتطم لحمي بأنوثتها، سألتها مرة أخرى:

– من هو؟

– كنت تائبة.

قالتها باكية وعبرت مرة أخرى لكنها لم تكمل العبور، فتعرفت يدي الثالثة علي كوتها، وألقت الرمانتين على صدري وهي تتأوه مرددة عبارة “وأنا لا أدينك يا امرأة”، وظلت تئن وتغرز أظافرها في أضلعي حتى صرخت قائلة : ربوني

وألقت بنفسها بجانبي

وبينما كنت أبحث عن إزاري وأنا ألهث إذا بطارق يطرق الشباك، سألت عن الطارق، انسحبت الجارة في صمت، إذ كان الطارق هو الصياد، فتحت الشباك، ودون أن يلقي السلام، سألني:

أين الأمانة؟

تلعثمت، فقال: هل عرفت الآن السبب

ولم أفهم ما يرمي إليه.

 

محمود مختار أباشيخ

[1] الإسم القديم لمدينة زيلع Avalitae
[2] الإسم القديم لمدينة بربرة Malao
[3] الإسم القديم لمقديشو وورشيخ Sarapion

8 تعليقات

  1. إن لفظ بنط ما هو إلا لفظ محرف عن اللاتينية من اللفظ الأصلى وهو نبط وقد شاع النطق الخاطئ عند الكتاب المتأخرين من المؤرخين الروم بيزنطيين”’
    وقد سيطر مملكة النبط الشمالية من جزيرة العرب والحميرين من مملكة سبا اليمنية على إمتداد سواحل غرب البحر الأحمر من الصوامل غرباً حتى شبه جزيرة سيناء غراً وشرقاً و على مدار الفى عام حيث بسط نفوذهم البحرى مع الروم حتى قبيل ظهور الإسلام في ربوع الأرض .

  2. محمود محمد حسن عبدي

    النص يحبس الأنفاس في جمالية الوصف الحسي، وأبهة الأجواء التاريخية القديمة،وهو إن دل فيدل على قامة أدبية، ومعرفة تاريخية نادرة يجب علينا تقديرها والتحلق حولها، والتعلم منها، لكنني وإن كنت لا أرغب في أن أبدو أفريقانيًا متعصبًا، فالحقيقة أننا قوم فينا زنوجة، وننتسب لغويًا لكوش التي كره الملوك الفراعنة منافستها لهم، و لعنت آشور شعبها لأنه جند كوش كانوا من زرعوا الرعب في قلوب جيوشها، وكانوا آخر سد أمامها نحو احتلال مصر.
    أحييك سيدي وأرفع لك قبعتي.. أو يدي

    • شاعرنا الكبير محمود محمد حسن عبدي
      شكرا على كلماتك الطبية
      بالنسبة لمسألة كوش، فأرجوا أن تفرق بين الكاتب والشخصية الروائية التي تعبر عن نفسها وربما المجتمع. نعم تجري في عروقنا دماء الكوش وحام وسام، وإن كانت مسألة العرق لا تشغل بالي، فالجميع أمام الله سواسية.
      أما بالنسبة للغة، فقد اختلف اللغويون حولها، وأظن أن الصومالية أقرب إلي السامية من الكوشية – تحياتي لك شاعرنا الكبير

  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    حياك الله قدس أبي صوما البنطي العظيم

    قصة في منتهي الروعة
    اندمجت معاها بشدة وعنف واكثر ما لفت انتبهاي هو ظن المرأة انك مصري
    فعندما قالت لك ظننتك من مصر
    وعندما سألتها عن السبب لم تجيبك ولكن اكتفت بالنظر اليك بطرف عينيها
    وانا اقول لك يا عزيزي عن سبب ظن المرأة انك مصري
    مكتوب في كتاب هذه المرأة المباركة ان المصريين غلاظ اللحم لحمهم كلحم الحمير و**** ك** الخيل
    يبدو ان المرأة قد استرقت النظر ليدك الثالثة فعندما اصدمت عيناها باللحم ا**** ظنت انك ممن كتب عنهم كتابها لحمهم كلحم الحمير

    واخيرا وليس اخرا نقبل الايادي قدس أبي علي هذه الملحمة العظيمة من ملاحم علم اللاهوت السفلي
    اخوك
    كوول

  4. أنا لم أفهم قصد الكاتب من هذا المقال، هذا المقال يصور مشهداَ حراماَ، بصورة غير معقولة ولا مقبولة، وكذلك يعظم الهة يعبد من دون الله، فهل يا تري يروج الكاتب لما لا يرضي الله سبحانه وتعالي؟ أم أنه لم يجد ما يكتب عنه، أنصح للكاتب أن يتقي الله ولا يصور لنا أفعالا لاتناسبنا،وكذلك أنصح المحرر علي أن يتقي الله فيما ينشر، لأن مثل هذه المقالات تخفض مكانة هذه الشبكة، والله من وراء القصد.

  5. عظيم هو سر التقوى علم اللاهوت السفلي امتد الى بلاد بنط
    لا تحزن يا عزيزي فالكل اخطأوا واعوزهم مجد الرب وطوبي لكل الزواني والعشارين فهم السابقون للملكوت
    رجاء محبة ارجو الاجابة:
    هل قال لها الصياد انا ايضا لا ادينك اذهبي ولا تخطئي؟
    لماذا لم يحقق البنطى نبؤة حبيبي ارسل يده؟

  6. هل هذا الاصحاح الاول فى الانجيل الملوث نسخه ابا شيخ؟

%d مدونون معجبون بهذه: