لا تُقــاوَم (قصة قصيرة)

كالعادة كل يوم أسلك ذات الطريق من مقر عملي و إليه, حياة ذات روتين دافئ -كما يحبها الرجال أمثالي دائما- , كل شيء منظم و في مكانه , أي شيء يستجد ، لدي له ما يكفي من الوقت .
بكل بساطة كانت حياتي كرقعة الشطرنج , على الرغم من رتابتها , فقد كانت تملؤ نفسي بالسكينة و الاطمئنان , ما الذي ينقصني؟ ببساطة لا شيء! فأهلي حولي ، و الأصدقاء تجمعنا الاتصالات الهاتفية ، و أيام العطل و السهرات البريئة .
لا شيء يدعوا للملل أو الدهشة , و هناك متسع لكل شيء , ما دام الوضع كذلك .
أعود لحديثي عن رقعة الشطرنج , هل لاحظت كيف من الممكن أن تسرح فيها , و هي شديدة التنظيم و الرتابة حاول أن لا تسرح و أنت تنظر إلى تلك الرقعة, فمهما حاولت فإن تناوب اللونين الفاتح و الغامق , سيدفعانك حتما للتحليق بعيدا في خيالاتك إلى حد الابتسام .
هكذا حياتي , بل بالأحرى هكذا كانت حياتي , قبل أن ألتقي بها صدفة ذلك اليوم , كانت حائرة أمام المبنى الذي يقع فيه مكتبي , و أنا عائد بعلبة السجائر من عند صاحبنا البقال الإيراني ( ميرزا ) .
حين رأيتها حائرة , إلتقت نظراتنا و ارتبكَت , اشاحَت بنظرها , ثم أعادت النظر إلي , ضحكتُ من الموقف و ابتسمَت لي ..
سلمتُ عليها و تابعتُ طريقي , لكنني سمعتُ صوتا ناعما من خلفي : لو سمحتَ …
استدرت و قد استعاد وجهي جديته …
بخجل مشوب بالارتباك قالت بصوت منخفض :
هل تعرف أين مكتب شركة …..
قلت لها نعم و وصفتُ لها المكتب الذي تريد التوجه إليه, و بعد أن أنهيت شرحي تذكرت أنه في نفس طابقنا الطابق السابع !
شعور داخلي يقول أنني في طريقي إلى جهة غير معلومة ….
صحبتها معي في المصعد , و تعلمون أن المصعد حاجز كبير , بين رجل و امرأة وحيدين – قاتل الله الأفلام الأمريكية فقد شوهت سمعة المصاعد إلى الأبد – ,و في محاولة مني أن أزيل الصمت المريب فور إغلاق المصعد سألتها بدهشة مصطنعة: أي طابق ؟!
فتحَت عينيها باستغراب , و ضحكتُ من تعبير وجهها الطفولي , و أجبتُ نفسي : أكيد السابع … فهمَت النكتة متأخرة .. شعور محبط للطرفين !- شيء ما داخلي يفح فحيحا: حاول مرة اخرى – .
…دب فيَّ نشاط متسارع , و أحسست أنني في حالة تشبه أيام الذروة في عمل شركتنا – أحب ضغط العمل فهو مصدر غني للأدرينالين – .
هل تبحثين عن عمل لديهم ؟ سألتها فجاة , فأجابت لا و لكن لدى شركتنا اتفاقية معهم , جئت لمتابعتها …
جميل … رددتُ بعفوية مبتسما ..
caricatureلا أدري أي وتر لمست هذه الكلمة فيها , فقد تشربت بشرتها السمراء بالحمرة , و طأطأت و قد أشرق وجهها بابتسامة مقتضبة .
هاه , وصلنا إلى شيء هنا , صوت ما قال ذلك داخلي .
و الحق يقال لست من النوع الذي يحب أن يحرج الفتيات بإطالة النظرو التحديق , لكن شيئ ما فيها جعلني أحس بشيء غريب في صدري , سأحاول معرفة ما هو بينما أتحدث , فالكلام دائما مفيد …
من منكم شعر يوما حين رأى شخصا ما , بأن شيئا كخطاف صغير – كما في سنارة الصيد – , يغرس في طرف قلبه و يشد باتجاهه .
أخذت أحاول منع نفسي من التحديق , فانتقلت إلى اختلاس النظر- أؤكد أنها ليست من عادتي – , أظن أن أكثر ما كان يثير جنوني عطرها الهادئ , هدوءه يجعلني أحس و كأنني أحصل على تدليك رائع في رقبتي و صدغي و كتفي ….

شعرها الأسود الفاحم , ينسدل على كتفيها , عيناها الواسعتان , أهدابها التي كانت لا توصف , متألقة هي حقا … لا أدري كيف تستطيع فتاة أن تكون بكل هذا الجمال .

فتح باب المصعد , و تركتها تنطلق قبلي , و أشرت لها باتجاه المكتب الذي كانت تقصده , شكرتني هازّة رأسها بلطف , لا أدري حقيقة كيف أصبحتُ لا أريد التحرك من مكاني , بصعوبة أجبرتُ نفسي على الالتفات , و سحب المفتاح لأُغْمِدَهُ بِتَثاقُل و غيظ , في القفل ..
أمَّا هِيَ فبكل بساطة دخلت المكتب المقابل …
فتحت باب مكتبي و دخلت و انا أحس بأن لا تقدير في هذه الدنيا … أين العدل ؟!.. لم أسترسل في أفكاري تلك و أزلتها بهز رأسي و أخذت نفسا عميقا , و انا أعود إلى كرسي مكتبي الوثير .
أردت أن أكمل رسالة كنت أستعد لأن أبعث بها بالبريد , لكن ابتسامة عريضة أخذت تتسلل إلى شفتي , و احساس غامر باتساع صدري ….
لقد سرحت دون أن أشعر, و أخذتني أفكار غريبة, و الأغرب من ذلك أني نسيت- تلك الأفكار- في لحظتها ….
حاولت إزالة تلك الابتسامة البلهاء عن ملامحي , و ظننت أنني نجحت في ذلك , فالجدية و الوقار شيء ضروري في عملنا .
لكن بمجرد دخول أحد الزملاء – يريد أن يراجع معي أحدى الوثائق – , علته ابتسامة حين انتبه إلى أنني مبتسم جدا هذه المرة …
لقد التصقت الابتسامة بوجهي !!!
لم أتمالك نفسي من المزيد من الابتسام , و أنا أحاول أن أنكر أنني كنت شاردا أبتسم .
ضحكنا سوية بعد أن قال ابتسم ابتسم , هذا شيء طبيعي .. و أتبع ذلك بغمزة خفيفة .
أيها المفضوح ! … همست بها لنفسي ! , تقطب حاجباي و أنا أتساءل … مفضوح !
على ماذا ؟! , لا شيء مهما جدا حدث اليوم , صحيح أنها جميلة و أنيقة , و عطرها رائع , و طفولية خجلها , تشعرك أنها بريئة و نقية … لا بد أنها شديدة الرقة أيضا , لكن ما الذي أعرفه عنها ؟! .. لا بد أن التستسترون مرتفع في الدم لدي , أو لأنني لم أشاهد التلفاز منذ مدة طويلة .. لذلك أدهشتني ! .
لا أدري كيف تواردت تلك الأفكار في رأسي , متلاحقة كنوافذ قطار سريع منطلق بلا هوادة , الأفكار تتقاطر و تنمو و تتكاثر , كالفقاعات …
مسحت وجهي و استعذت بالله من الشيطان , و قمت لأحضر قدحا من النسكافيه , عله يعيدني إلى الواقع .
عدت إلى مكتبي و وضعت القدح أمامي , اخذت رشفة أو رشفتين , شيء ما بداخلي أخذ يحرضني على مغادرة المكتب … صوت يقول لي لماذا أنت قابع هنا ….
اخرج !
اخرج !
لكن لو خرجت ماذا أفعل …..
أحسست أنني اليوم مسير بيد غريبة , لست من النوع كثير التردد , هذا سر نجاحي في عملي , أسأل الأسئلة الصحيحة , و أحيط بكل الاحتمالات المنطقية , وإن ورد أي خلل غير متوقع , أكون جاهزا للتصرف بتهور , أحب ذلك فعلا , فغالبا ما أتعب رأسي بتقدير العواقب , و سد مداخل الخطأ .
أوووه …. نسيت أن أملأ هاتفي الشخصي بالرصيد , سأنزل إلى ( ميرزا ) البقال , و أشتري منه رصيدا بأربعين درهما ….. أخيرا وجدت سببا للخروج : ندّت مني زفرة ارتياح .
على الفور أخرجت زجاجة عطري من أسفل الدرج , و بخختها على كفي , و مسحتها بوجهي – حيلة يمارسها القليل من المدخنين – , و انطلقت خارجا ..
شعرت بخيبة أمل و أنا أجد الرواق خاليا , شيء ما داخلي كان يخبرني أنني سألتقيها ثانية , بل يجب أن ألتقيها ثانية .. تلكأت في السير باتجاه المصعد , و بمزيد من التثاقل ضغطت على زره …
كان سريعا جدا في صعوده هذه المرة … تمتمت متبرما بينما يتباعد مصراعا بابه .
ألقيت بنفسي داخله , و ضغطت زر الطابق الأرضي … شرع المصراعان يتقاربان … و فقدت كل أمل في أن ألتقي بها هنا ثانية …
لكن يدا صغيرة دخلت بينهما , رقص قلبي حين عرفت كم السترة السوداء الناعمة ….
انفتح باب المصعد , و شعرت بأن تباعد درفتيه كما غيمتان تبتعدان , لتظهر شمس مشرقة في يوم شتوي ماطر .

دخولها في تلك اللحظة حمل إلي مشاعر لم أكن أتوقعها , هناك حالات تشعرك بأن القادم جميل , أحيانا منظر غير مألوف بل غير سار بالعادة , قد يجعلك تستشعر أن شيئا جيدا سيأتي , شيء رائع سيخرج من رحم هذه اللحظة .
هذا ما أحسست به , تصورت حين كنت أدخل المصعد وحيدا , أنني لن أصادفها ..
تصورت و أنا في تلك الحالة القصيرة لكن المرّة , أنني حتى لو وجدتها أمامي , لن أستطيع أن أفعل شيئا يجعلني أجد هذا اليوم مثمرا , حين أسترجع أحداث يومي و رأسي على المخدة كعادتي كل ليلة .
الجميل جدا و الغريب في آن معا , إنني لم أشعر بالسعادة فقط , بل هناك شيء داخلي هتف بالانتصار , ذات الشيء الذي أخبرني يقول – لست تتحرك بإرادتك فقط – هناك ما يسيِّرُك , و يضع هذا الكائن الجميل , الصغير الرقيق في طريقك .
حسنا …
دخلَتُ إلى المصعد , و أبدَت استغرابها بأن عقدتَ حاجبيها الناعمين , و تبسَّمت …
علَّقتُ في سخرية , المرة القادمة استخدمي الدرج …
ضحكنا ببساطة ..
تركتُ نفسي على سجيتها – أنا المتحفظ الخجول – : أرجو أن تكوني وُفِّقْتِ في العمل الذي جئت لأجله …
عيناي كانت على عداد الطوابق , الذي كان يسير بسرعة تفوق المعتاد , لكن تكرار الصدف الجميلة , ملأني بالثقة و الهدوء .
أجابتني بابتسامة عريضة و غنج نعم ..
بدت أكثر قوة و حيوية مما كانت عليه , قبل أن تدخل إلى ذلك الاجتماع …
سألتها عن عملها و سألتني , و بشكل مقتضب حببتُ إليها أن يصبح بين شركتينا تعاون قد يفيد كلينا , تبادلنا بطاقات الزيارة , و وعدتها مازحا بـ ( الحلوان ) , لو نجح مجهودنا المشترك في ذلك الصدد ….
أوصلتها حتى الرصيف حيث كانت سيارتها الصغيرة , و عدت أمشي كمن يرقص في خفة و فرح .. نسيت أن آخذ بطاقة الرصيد … توجهت إلى المصعد , طبعت عليه قبلة , و أنا سارح في خيال لقائنا القادم .
…………..

علتني ابتسامة واسعة , و طفلي المشاغب يتعمد ضرب رأسه على بطني , التي كانت ترج كقبة من الهلام ….
لم يخرجني من تلك الذكريات الجميلة حقا …
سوى اندفاعها الأهوج من المطبخ منكوشة الشعر , تصرخ في وجهي حاملة الشوبك : لم تبدل قنينة الغاز التي طلبتها منك منذ أسبوع كاااااااااااااامل …
ازدادت ابتسامتي اتساعا , و هجمت عليها أقبلها , و أنا أتذكر الملاك الذي أحببت فيها …
و أنا أردد حقا إنك لا تقاوَمين ….
و هي تبتسم بعصبية , و استمتاع ..أنت مجنون تماما.

5 تعليقات

  1. إنها قصة جميلة يا أستاد محمود يعطيك العافية

  2. أخي محمود أحييك وأشكرك على مساهماتك القيمة

  3. الزميلان العزيزان سمية و أحمد ، سعيد جدا بأن استطاعت أسطري المواضعة أن ترسم الابتسامة على محياكما السمحين ، و الحقيقة أننا جميعا نشعر أن الابتسامة أصبحت كعملة نادرة في حياتنا ، نخن الصوماليين في زحمة الأحزان على أهلينا و الوطن ، و صعوبات التأقلم مع الواقع السريع التغير في الوطن و المهجر ، لكن لا بد من أن نصنع لبعضنا واحات نلقي بدخولها همومنا ، و ننزع قناع التقطيب و الكدر عن وجوهنا التي نسأل الله أن بعصمها من النار …

    أما بخصوص السؤال البريء – و المشاغب معا – للغالية ( سمية )، فغالبا ما تكون ابتسامة الرجل العائد إلى بيته نتيجة لانتصار حققه ، و سرعان ما سيشارك شريكة حياته به ، إلا أن لكل رجل طريقته في التعبير ، و و امرأته أدرى الناس بها – كما أفترض – ، و خير ما تستطيع أن تفعله ، أن تحافظ على ابتسامته تلك لأطول مدة ممكنة ، حتى يتسنى لها الاستمتاع بمشاركته السعادة ، و سيعود ذلك عليها ، بامتنان من طرفه فيتاح لها أن تستغل ذلك بأن تحصل على فترة من التدليل و الغزل أطول من المعتاد .
    هههههههههههه

    و أدام الله سعدكم ، و نور بابتسامات الرضى و الحبور حياتكم

  4. قصة خيالية أقرب ما تكون الى الحقيقة من الخيال
    جعلتني أبتسم …..وأبتسم ………….وأبتسم ثم أضحك وجعلتني أشعر بنفس الشعور الذي تصفه
    أكيد أخت سمية لأن اخ محمود بقي مبتسما طول اليوم في المكتب على غير العادة………………………أخ محمود بارك الله في قلمك وزاد من موهبتك ورزقك أجمل من التي وصفتها في الجنة

  5. :)
    قصة رائعة بحق يا محمود وعدوى الابتسام انتقل إليّ

    سؤال برئ للغاية: هل على المرأة أن تشكّ لو عاد الزوج

    مبتسماً على غير العادة؟ !

    شكراً على القصة يا أخ محمود..

%d مدونون معجبون بهذه: