بيت الثعلب!

من المعلوم بالضرورة أن الصغار يعشقون في استماع القصص والحكايات، سواء كانت حقيقة أم ضرب من الخيال، ومَن منا لم يَمُر بمرحلة الصبا؟ تلك المرحلة التي لها طعم خاص، حيث لا يكدر صفوها هموم ولا أحزان، وليس علي الأكتاف أعباء الدنيا التي تثقل كاهل الناس، المسؤولية معدومة عند الصبية، يموجون في الأرض ولا يخافون لومة لائم، حياتهم أكل وشرب و لعب ومرح، وجري وراء الألعاب، والاستماع إلي الحكايات، أحبَّ كلمة إليهم هي كان يوما ما كان كان زمان، ثم نوم علي الأسرة.

أذكر من حكايات تلك المرحلة حكاية حكي لي أحد إخوتي، كانت من ضمن حكايات التي تصف مكر الثعلب، والقصة ربما سمعتموها ولكن هذه المرة سأذكرها لا لغرض الترفيه والتنويم وإنما لغرض ثاني، وهي كانت – إن لم تخنِّي الذاكرة- كالتالي: كان هناك يوما من الأيام ثعلب وحمار كانا صديقين ولم يكن لهما مأوي، فاتفقا علي البحث عن مأوي ، فسلكا طريقين مختلفين كانا جنب إلي جنب يؤديان إلي بقعة واحدة، علي أمل أن يجدا بيت يسكن كل علة حدة، وبعد فترة من السير والبحث أخيراً وجدا بيتين، فكان من نصيب الثعلب بيت خَرِبْ له عدة منافذ أو أبواب وليس فيه أثاث، أما صديقه فلحسن حظه قد وجد بيتاً جيداً، فيه أثاث يمكن العيش فيه بصورة أفضل وله باب واحد، فبعد أن استقر كل منهما جاء الثعلب إلى صديقه زائراً، فرأي بيته وأنه أفضل من بيته، ففكر في أن يستبدل منه مستخدماً مكره، فاصطحبه إلي بيته، وقال له: انظر إلي بيتي إنه أحسن من بيتك، فبيتي إستراتيجي، له عدد من الأبواب تمكنني من الهرب عند الحاجة، فإذا هاجمني العدوُّ من هذا الباب – وهو يشير إلي أحد الأبواب- أخرج من الباب الثاني، وإذا داهمني من الباب الثاني أنجو بنفسي من الباب الثالث، وإذا حاصرني من الباب الثالث أهرب من الباب الرابع، وهكذا تكون عندي كل مرة فرصة النجاة، لكن بيتك هذا إذا أتي العدو ووقف علي بابك فلن تجد مهرباً، وتكون عندك فرص النجاة معدومة تماماً، عندها قال الحمار: إنك علي حق، بيتك أحسن من بيتي، فما رأيك إن بدَّلت لي لأنك أخف مني، وتستطيع أن تنجو من العدو حتي لو كنت في بيت مثل بيتي؟ قال الثعلب: لا أريد أن ألقي بنفسي إلي التهلكة، ولا أستطيع أن أفعل هذا الطلب فاعذرني يا صديقي، فألح عليه أن يبدل له البيت، وهو يرفض إظهاراً بأنه لا يريد بيته، وبعد أن تمسك صديقه بطلبه قبِل منه، ففرح وانبسطت أسارير وجهه وشكر له، ظاناً أنه يفعل هذا لأجله وهو مخطئ كما يبدو، فتحول كل منهما إلي بيت صاحبه، وعندها فرح الثعلب بأنه فاز بهذا البيت، وعندما غشي الليل واشتد الظلام، انفتحت أبواب السماء بماء منهمر، ففاض المياه من كل صوب متجهة نحو بيت الحمار، فدمرت عليه وكادت تجرفه معها، إلا أنه نجي بجسده، وهرع إلي بيت الثعلب لاجئاً، فطرق عليه الباب واستئأذنه من الدخول، إلا أنه رفض دخوله، فألحَّ عليه أن يسمح له أن يدخل ويجلس في فناء البيت، لا يدخل داخل الغرف، وبعدها أذن له، ثم طلب منه أن يسمح له بالدخول إلي الغرف؛ ليحتمي من البرد الذي يصحب الغيث، فبعد رفض من الثعلب وإلحاح منه أذن له، فمكث ليلته في بيت الثعلب والذي كان بيته في أول الأمر، وفي الصباح الباكر أخذ معه ماخفَّ وغلا ثمنه وولي هارباً.

عزيزي القارئ بعد القراءة لهذه الحكاية قد تستغرب وتتساءل لِمَ يخبرنا كاتب هذه السطور هذه القصة؟ أقول: تذكرت هذه القصة حينما رأيت حال الوطن، ورأيت أن بيتنا – الصومال – يشبه بيت الثعلب من حيث كثرة المنافذ، وأننا نقول دائماً إنه إستراتيجي كما قال الثعلب، ونتنبؤ كما فعل، لكن الفارق يأتي من أن العدو الذي كان يتنبؤ به كان سيهاجمه من باب واحد، أما اليوم فإن العدو يهاجم بيت الصومال من كل باب أو منفذ، وفرص النجاة معدومة، وهنا نشبه بيت صديق الثعلب، وما كان الثعلب يصور أنه نعمة أصبح نقمة علي الصديق، عندما غمرت المياه بيته ، كذلك أصبحت عندنا، وأيضاً نشبه صديق الثعلب حيث أنه طرق عليه لاجئاً، فسمح له بعد رفض، وكذا نطرق الأبواب علي بلاد الغرب لاجئين، فيسمحون لنا بعد رفض وطول ترقب، والسؤال الذي أتساءله هل سنشبه صديق الثعلب عندما أخذ معه ما استطاع أن يأخذ عندما كان يهرب؟ وأيضا من أوجه الشبه أن الثعلب لم يكن يراهن على من يسانده ويقف إلي جانبه؛ لان البيئة التي كان يعيش فيها يحكمه قانون الغابات، حيث أن القوي يأكل الضعيف، وكذلك نحن لا نرجو المساعدة والمناصرة من أحد؛ لأن عالمنا اليوم أصبح يُحكَم بقانون الغابات، قتأكل الدول القوية الدول الضعيفة، وأقرب الأقربين إلينا – أعني المسلمين والعرب – لا يحركون ساكناً، بل هم يخافون علي أنفسهم، والعدوُّ يعتدي على حدود بلدي المسلم العربي، ولا أحد يكترث ساكتين كلهم، والغريب هذه المرة أنهم لم يستطيعوا أن يقولوا مقولتهم الشهيرة: نشجب، ونستنكر، وندين، هكذا أصبحنا يعبث بنا العدو ويفعل بنا ما بدي له أن يفعل، يقتل من يريد ويأسر من يريد، لا يخاف من محاسبة محاسب ولا مسائلة سائل، وأبناء بلدي لا يستيطعون حمايته، إلا محاولات لا تفي المطلوب، لكن لكي لا نيئس نقول إن لهذا البلد رب يحميه من مكر الماكرين، وهو ناصرنا ومولانا فإنه نعم المولي ونعم النصير.

6 تعليقات

  1. ههههههههههههههههههههه الثعلب الو بيت

  2. عبد الله عثمان علي

    العفو سيدي إبراهيم، وأشكرك أيضا علي التفاعل والتعليق، وكذلك أشكرك علي التلخيص، وايضا الشكر موصول إلي الاستاذ وأخي العزيز محمد الحمراوي علي التفاعل ، واجابة سؤالك أترك للمعلقين، وأشكر كل من قرأ هذا المقال أو القصة المتواصعةوالذين أعطوا من وقتهم النفيس نصيبالقراءتها، وفي مقدمتهم الاخ أبو مالك البرعي. شكرالكم حتي يتجدد لقاءنا مرة ثانية مع مقال قادم إن شاء الله.

  3. حفاظا على حقوق الشعر ومن باب إسناد المعروف إلى فاعله أود ان أنبه إلى أن الأبيات التي تحكي قصة الثعلب والتي قدمها الأخ محمود الحمراوي هي لأمير الشعراء ومقدمة البلغاء وباعث الروح إلى شعر العرب وديوان الأدب أحمد الشوقي رحمة الله عليه رحمة واسعة وغفر ذنبه وستر (من ذا الذي ما ساء قط * ومن له الحسنى فقط)
    وما ضر الأخ لو أسند القول إلى قائله أو سأل عن المتخصصين إذا لم يحضره اسم القائل ولكن نشكره أيضا لأنه لم يتعسف ولم يتكلف ولم يسنده إلى غيره

  4. شكرا جزيلا لك سيدي الكريم/على عثمان على هذا المقال الأدبي الرفيع المستوى .
    نعم سيدي الكريم ,الصومال بلد ليس له سند ولا معين ,بلد له حدود مفتوحة بلا حارس ولا مراقب ,بلد تداعت عليه الأمم لتنهب ثرواته وخيراته في واضح النهار وأمام مرآ ومسمع العالم ,بلد تخلى عنه علماءه ومثقفوه تاركين وراءهم الطبقة الضعيفة المستضعفة التي لا تستطيع أن توفر لنفسها لغمة عيش ناهيك أن تدافع هذا البلد المنكوب ,فآثرت الهجرة إلى الغرب بحثا عن حياة أفضل عبر قوارب متهالكة بدأ من مدينة بصاصو ثم مرورا بالسودان وليبيا عبر الصحراء إلى شواطئ إيطاليا ومالطا ,وكم من شاب ياعف كان يتطلع إلى المستقبل أجبرته الظروف إلى الهجرة قصرا ثم هلك في الصحراء عطشا وجوعا .؟ من المسؤل عن أرواح هؤلاء الشباب ومن أجربهم على هذه الهجرة المحفوفة بالمخاطر ؟ .

  5. تصحيح :
    قصة طريفة في قالب تحليلي ، وليس في قالب ( فكاهي )
    وشكرا.

  6. قصة طريفة في قالب فكاهي ، لكن تحوي في طياتها الكثير الكثير من العبر ، ولكن لمن .. ؟! أترك الإجابة لك ولبقية المعلقين ..
    سيدي وأخي العزيز كلامك في منتهى الصراحة ، وقد وصفت لنا المشهد الحالي بحكايات شعبية علّنا نستوعب الحدث هذه المرة بهذه الطريقة .
    نفتخر دوما بأننا في موقع ( استراتيجي ) وهذا صحيح لالبس فيه ؛ ولكن استراتيجية في ميزان الثعلب! تغمره المياه في كل ركن من الموقع ( الاستراتيجي ) فنصبح مافعلنا نادمين !!
    وأنا أعزّز كلامك هذا بأبيات لأحد الشعراء العرب ، بين مكر الثعلب ( الذي يمثله قادة الشعب بمختلف توجهاتهم ) وبين يقظة الدّيك ( الذي يمثله الشعب ) قائلا:
    برز الثعلب يوماً في ثياب الواعظينا
    فمشى في الأرض يُهذي ويسبّ الماكرينا
    ويقول : الحمدلله إلـه العالمينا
    ياعباد الله توبوا فهو كهف التائبينا
    وازهـــدوا في الــــطير إن الــــــ
    عـــــــيش عيش الــزاهـــدينا
    واطلبوا الديك يؤذن لصلاة الصبح فينا
    فأتى الديك رسول من إمام الناسكينا
    عرض الأمر عليه وهو يرجو أن يلينا
    فأجاب الديك : عُذراً يا أضلّ المهتدينا
    بلّغ الثعلب عني عن جدودي الصّالحينا
    أنهم قالوا وخير القول قول العارفينا
    مخطئٌ من ظنّ يوماً أنّ للثعلب دينا

%d مدونون معجبون بهذه: