إنما أشكوا بثِّي وحزني إلي الله

الليل جنَّ، والظلام بسط جناحيه علي السماء، الساعة تشير إلي الثانية ليلا، وأنا ميمِّم وجهي شطر بيتي آتياً من المدينة ومعي صديق لي، الوقت متأخر ولم أعتَدْ علي السير ليلا، إلا أنَّ هذه المرة تأخرت لسبب.

نسير علي أقدامنا لأنه ليست لدينا سيارة ، في أحد شوارع مدينة الخرطوم عاصمة السودان، كل شيء سكن، الكل خلد إلي النوم، الهدوء يسود المدينة، لا أحد يتحرك سوانا، لا أصوات تعلوا فوق حفيف الشجر، لاطلقات رصاص نسمع، لا دوي إنفجارات ولا قصف ولاقذائف تفزعنا ولا تفزع النائمين. هدوء تام وطمأنينة، وأنا أسير علي الطريق يتغلب عليَّ الإطمئنان ، لا أخاف من مراقب يراقبني إلا الله ، ليس هناك رقابة ولا تقييد، لست خائفاً من معتد يعتدي علينا فينهبنا مثلا، أسير في الطريق وليس في قلبي شيء غير حديث نفسي من تدبر بهذه الحالة،لا أتكلم مع صديقي، من المستبعد في نفسي أن يسئلني أحد إلي أين أنت ذاهب؟ ومن اين آت أنت؟ ولم التأخر؟.

لا نشعر بأننا في بلد غير بلدنا، كأننا بين ظهراني أهلينا، ففكرت لِلَحظة رجعت إلي ذاكرتي فنقرت الماوس على ملف ليال في الوطن، فانفتحت الذكريات، حين كنت مع الأهل وما أجمل هذه اللحظات حيث كنا نتجاذب أطراف الحديث، حتي موعد إقلاع رحلة الأنفس إلي بارئها، ليمسك التي قضي عليها الموت ويرسل الأخري إلي أجل مسمي، كان موعدنا مع النوم الساعة التاسعة مساء بتوقيت مقديشو، ذلك لأن الظروف كانت تؤدِّي إلي النوم المبكر، حيث لا يمكن السير بعد هذه الساعة بالطريقة التي ذكرتها آنفاً، ولاننا تعودنا علي ذلك.

فمرت الذكريات عليَّ واحدة تلو الأخري سريعاً حتي توقفت عند ليالٍ كانت معنونة بليالٍ سوداء، كان من المشاهد التي استوقفتني حين كان العدوُّ الإثيوبي جاثما علي صدورنا، كان يضربنا بقذائف الهاون والبِيْئمْ والناس نيام، فنقوم من نومنا فزعين، كانوا يضربون البيوت عن عمدٍ رداً علي قصف القصر الرئاسي الصومالي والميناء الصومالي من قبل المقاومة آنذاك، وفي الغالب كان الوقت في الثلث الأخير من الليل، حين ما نكون في قمة لذة النوم، كم من ليلة قمت وأهلي من النوم بهذه الطريقة، نجلس في أماكن متفرقة من البيت خوفاً من أن تصيبنا إحدي القذائف فنموت مرة واحدة، أبي كان يجلس فناء البيت حتي تهدأ الأمور، كنت أخاف عليه دوماً ، خوف وفزع وترقب، كم كنت أحزن عندما تقع قذيفة علي أطفال أبرياء وأمهات وأباء، وأحيانا كنا نفزع من النوم بسب طلقات الرصاص المتبادلة حينما تحدث اشتباكات، فنفعل كما كنا نفعل كالعادة، جلوس في أركان البيت، وخوف علي الأهل والنفس والشعب، وترقب لما سيحدث، حتي تهدأ الإشتبكات ثم عودة إلي النوم، وفي الصباح تفشيش في الشوارع، وبعض الأحيان في البيوت، لا تستطيع السير في الشوارع عند التفشتيش دون السؤال عن الوجهة التي جئت منها والتي تريدها، نهبٌ لأموال الشعب، موبايلات، وشلنات وما إلي ذلك، قارنت بين هذه المشاهد وبين المشهد الذي أعاصره، فاتضح ليَ الفرق، عندها قررت أن لا أسترسل في هذه الذكريات لانها كانت ليال قد مضت، وأنا لم أعش مثل هذه اللحظات منذ سنوات، إلا أنَّ ما آلمني وأحزنني هو أنَّ أهلي وأبناء بلدي يعانون من عدم الأمن وعدم الإستقرار، لا ينامون قريرِيْ الأعين مثلي، إنهم لم يرتاحوا منذ أن فارقتهم، قذائف في الثلث الأخير،طلقات رصاص، انفجارات في الصباح، لم يشعروا لذة الأمن، إنهم حقاً في حاجة عاجلة إلي الإستراحة من هذه المشاكل.

أما أناأعيش في هذه البيئة الهادئة الآمنة المستقرة، التي لا أفزع ليلة واحدة من نومي، ففكرت في الأمر، فقلت في نفسي: إن هذا الوطن الذي تعيش فيه لم يصبح هكذا صدفة، وإنما ضحَّي من أجله الكثيرون، وساهر آخرون من أجل أن ينام أهله بسلام، وفكَّر آخرون للحفاظ عليه، حتي اشتعلت رؤوسهم شيباً، ومازال هناك من يضحِّي بنفسه، من يساهر ومن يفكر ومن يخطط.ثم قلت في نفسي: من لبلدي المنكوب؟ فقلت مصبراً نفسي: الله، ولم أخبر حزني وألمي أحداً إلا الله، ثم دخلت بيتي وآويت إلي فراشي مستغرقاً في نومتي.

6 تعليقات

  1. عبد الله عثمان علي

    تصحيح
    شكرا لك أخي العزيز جابر سعد الجابري علي تعليقك هذاوالذي هو أغلي بالنسبة لي من الاصفر والابيض(الذهب والفضة)، لأنه يعطيني مزيداً من الطاقة، سيدي الكريم قل لي ما شئت وابدأ من أين شئت،وخاطبني كيفما شئت. وأيم الله أنا أيضاً فرحت عندما قرأت كلماتك، كم هي تدفعني إلي الامام، لاأعرف كيف أشكرك إلا أن أقول لك شكراً لك عدد خلق رب السموات والارض

  2. جابر سعد الجابري

    إنما أشكوابثي وحزني الي الله.ماذا اقول لك يا استاذ عبدالله عثمان علي؟وكيف ابدأ معك الحديث؟وكيف اخاطبك؟فعلا لا اعرف كيف اعبر لك عن فرحي وبهجتي بعد قراءتي لمقالك الرائع؛وكأنني أقرأ لروائي محترف في عالم الرواية.الكاتب الموهوب هو الذي يجذب انتباه القراء؛هو الذي يختار لمقالاته عناوين جذابة
    تفرض نفسها علي القراء؛لغتك رصينة وجميلة تصلح لكتابة الرواية او القصة.
    اتمني لك كل التوفيق والنجاح

    • عبد الله عثمان علي

      شكرا لك أخي العزيز جابر سعد الجابري علي تعليقك هذاوالذي هو أغلي مني من الاصفر والابيض(الذهب والفضة)، لأنه يعطيني مزيداً من الطاقة، سيدي الكريم قل لي ما شئت وابدأ من أين شئت،وخاطبني كيفما شئت. وأيم الله أنا أيضاً فرحت عندما قرأت كلماتك، كم هي تدفعني إلي الامام، لاأعرف كيف أشكرك إلا أن أقول لك شكراً لك عدد خلق رب السموات والارض.

  3. عبد الله عثمان علي

    شكراً لكما مصطفي و إبراهيم علي التعليق والتفاعل، أما بالنسية إلي كلام الاخ إبراهيم فإنه حقاًكما قلت،وأنني صورت صورة واحدة من صور المأساة والمشاهد المحزنة، والماساة أكبر من وأكثر أن توصف. وكم أنت ذو بصيرة فقد أصبت ما كنت اقصد من هذه المقالة أو القصة القصيرة، سيدي الكريم لقد فهمت ما كنت أريد ان أقوله وأسمح لي أن أسأل نفس السؤال الذي سألته لكل مواطن فيه أدني حد من الوطنية.
    إذا تهرب كل واحد منا من مسؤليته وواجبه تجاه وطننا الحبيب فمن لهذا الوطن؟.

  4. شكرا جزيلا لك أخي/عبد الله عثمان :مقال رائع جدا وكلام في غاية الأهمية ,سيدي االكريم لا شك أن من عاش في مقدشو في السنوات الأخيرة يحمل معه ذكرات أليمة تجعله يتذكر دائما ,وأنا شخصيا تجرعت كأس الخوف والرعب مع أسرتي وأهلي عند ما كنا في العاصمة ,وكانت المدافع والقدائف تنهال علينا ليل نهار ,وكان لا يمر علينا يوم لا نسمع فيه صوت الرصاص حتى أصبح الأمر عاديا وكأن شيئا لم يحدث ,ومن المشاهد والذكريات الأليمة التي يصعب علي أن أنساها في حياتي ذلك المشهد |:كنت أنا وصديقي نشرب الشاى في إحدى المقاهي بمحافظة بارأبح(Barubax)بينما حافلات نقل الركاب المدنية تروح وتأتي من…. وإلى …أمام المقاهى المطلة على الشارع المعروف بتقاطع بار ابح ,وبعد لحظات يسيرة نسمع عدة طلقات الرصاص من مكان قريب وإذا الناس يتدفقون إلى مكان الحدث ونحن بدورنا هرولنا إلى مكان الحدث ,وإذا نحن أمام مشهد رهيب ,جثمة شاب نحيل الجسم متلطخ بالدم إغتالته عصابة ما لغرض ما ؟؟؟ لا أحد يعرفه ولا من قتله ,يا الله يا الله يا الله ,لمن لهذا الوطن؟ .
    أخي العزيز إذا تهرب كل واحد منا من مسؤليته وواجبه تجاه وطننا الحبيب فلمن لهذا الوطن؟؟؟؟؟؟؟؟ بالله عليكم يا من يحمل في قلبه مثقال ذرة من الوطنية أهكذا نتفرج القنوات الإخبارية وهي تنقل صباح مساء مأساة الوطن بدون أن نحرك ساكنا؟؟؟؟

%d مدونون معجبون بهذه: