قصة مغترب!

في إحدى ليالي مقديشو ، وأنا متقلب في سريري في بيت هجرت منه الأسرة ، ومسرور بالإعلان عن النتائج الأخيرة من امتحان الشهادة الثانوية ، نعم فرحان لأني طلعت بالامتياز ودخلت في العشر الأوائل ، ولكن في البيت ليس فيه أحد يقتسم معي سروري، فأسرتي نزحت قبل شهر إلي إحدى المديريات التابعة للعاصمة مقديشو وذلك للمواجهات المستمرة بين مسلمَين لا يعرف كل منهما لماذا يَقتل أو يُقتل. ؟!!

إنها حرب ضروس يُستخدم فيها كافة أنواع الأسلحة والرشاشات ، وقذائف الهاون ، وكل دقيقة تنتظر أن تصيبك رصاصة طائشة أو تنزل عليك قذيفة هاون أو شظايا مدفع آر بي جي.

وفي الصباح أو بُعيد الفجر في وقت السحر بدأت المواجهات من جديد وأنا وحدي في البيت المهجور .. خوف على خوف .. لا لأني أخاف من الموت لكني لو أُصبت فلا أحد يسعفني،! وأهلي بعيدون عني…وبعد ثلاثين دقيقة هدأت المواجهات قليلا فعزمت على الخروج لألتحق بالفارين ممن كانوا مثلي .. تأخروا عن أهاليهم لحراسة بيوتهم من النهب.

وفي إحدي التقاطعات قبضتنا – أنا وآخرين من رفقاء الفرار- جماعة مسلحة … من أنتم؟؟ من أين جئتم؟؟ أنتم من الجهة الفلانية … نعرفكم. !!

وبعد تهديد وتخويف تبيّن لهم أننا لسنا من يقاتلهم….فأطلقوا سراحنا.

ومرة أخرى انضممت إلي أسرتي ، أمي اطمأنت … كادت أن تبحث عني من البيت، وبتّ اليلة الثانية من تخرجي من الثانوية…. ولكن بلا مستقبل … نعم بلا مستقبل .. لا تستطيع أن تحقق طموحاتك … حرب! …تفتيش! … رصاصة طائشة! …قذئف هاون … ومدافع أعمى .. ضاع المستقبل لأن الأمان والسلام أساس الحياة كلها.

الآن أمي في جنبي ولا أسمع صوت الرصاصات والمدافع إلا من بعيد ، ولكن نبيت في عراء نقتسم كلنا فراشا واحداً، فكَّرت في المستقبل … الجامعة … الحياة … لكني لم أسترسل الحُلم لأنه ليس هناك من يساعدني .. أبي افتقدته في الحروب الأهلية وأمي تكافح من أجلي وإخوتي حتي الثانوية ، ولا تقدر تسديد رسوم الجامعة ، وأنا الثاني في الأسرة بعد أختي المتزوجة. راجعت ذاكرتي وتذكرت أحد أصحابي أرسل لي إيميل يقول فيه : أنا في السويد … وتحسنت أحواله وهو الآن يعيل أمه … وآخر في إنجلترا .. كلهم هاجروا وسافروا إلي الخارج ، ولأنني من قبل لم أفكر بالسفر .. ولا الغربة…. ولكن الظروف أحيانا تجبرك .

الآن قررت أن أذهب الي السعودية ” التهريب عبر البحر” لأن هذا فقط هو الذي أقدر عليه ، جهزت حقيبتي وأمتعتي البسيطة وفي اليوم الأخير الذي أودع مقديشو الحبيبة كلّمت أمي بالهاتف لأنني لو ذكرت لها من قبل لمنعتني من السفر.. وتفوتني الحافلة .. عاتبتني .. وأخيرا دعت لي بالخير والسلامة.

في الطريق من مقديشو إلي مدينة بوصاصو الساحلية امتحان آخر فهناك قطّاع الطرق والمليشيات المسلحة ، يأخذون الأموال .. ويقتلون أحيانا … والحمد كله لله سلمنا منهم.

وفي بوصاصو عالم آخر ، فهي مدينة اقتصادية وبها الميناء الأكبر في ولاية بونتلاند أو في الصومال كلها ، حركة اقتصادية .. أناس من جنسيات مختلفة من دول الجوار ولهجات متنوعة كدت لا أفهم بعضها رغم كونها لهجات صومالية ، اتفقنا أنا ورفقائي مع سمسار ليحتجز لنا أول قارب تهريب يبحر إلى اليمن، وفي اليوم الثاني جئنا إلى المكان المحدد خُفية لأن التهريب ممنوع، ودفعت ما أملكه من النقود، والآن أنا مسرور لأني علي الأقل علي متن القارب .

البحر رهيب …. موجات تتلاطم ….وشعور بالقيء…وضيق شديد .. وظلمة حالكة..وهناك مسلحين في القارب ظننت أنهم مثلنا أو من القراصنة ، ولكني عرفت فيما بعد أنهم حراس القارب أو من مالكيه فزادنا الخوف وعندما اختفينا عن البر وأبحرنا يوما وليلة لم نأكل ولم نشرب الا الليلة الأولي، ألقى المسلحون رجلا في البحر ، كانت هناك ظلمة حالكة ولم نعرف من هو لأن العدد كثير ، ولأن كل من يتفوه بكلمة أو يشتكي يتعرض لمثل هذا المصير … وخفت وقلت يا إلهى .. أنت الثاني ولكني هادئ لا أتكلم.

بعد معاناة .. ورهبة وصلنا الساحل في الصباح ولكن لسنا قريبين من الشاطئ حيث يمكن النزول … فقط نرى البر من بعيد … وقلنا الحمد لله الذي نجانا من البحر، وقالوا أنزلوا .. فتلك الأرض هي اليمن الموعودة.

كل بحاله نزل … الذي يعرف السباحة والذي لا يعرف… سررت لأنني أعرف السباحة ، ولكن حزنت على كثير منا لا يعرفون السباحة .. ولا خيار فأصحاب القارب مسلحون ولا نجد من يسعفنا إذا غرقنا .
غرق من غرق، ونجا من كتبت له النجاة…و كنت من الناجين … إنها تجربتي الأولى.

اليمن الموعود هي في مخيلتنا… ولكنها غير الذي نعتقد…. وصلنا إلي مخيم للاجئين، فأعطونا ما نسد به رمقنا ، بعدها فكرنا التالي …. والطريق طويل … وهدفنا المملكة العربية السعودية … وخلصت نقودي .. فأنا مفلس وليس معي الآن إلا ما ألبسه .

مشينا رجالا من هناك .. الشدة .. التعب…الجوع .. وأخيرا وصلنا إلى عدن ، ومكثنا بها أياما ولياليها مع صوماليين آخرين.

في أيامي الأولى بالعالم الخارجي طفقت أنظر إلى كل من حواليّ … أناس غير اللون اللذي عرفته … ولسانا غير لساني .. رغم أنني أعرف العربية إلا إنهم يتحدثون بالعربية الدارجة (العامية) وهم يفهمون الفصحى التي أتحدث بها… لا تعجب من عجبي هذا لأنها هي أول مرة أسافر خارج وطني!.

شرعنا في الرحال من اليمن الي الحدود اليمنية السعودية فهذا هو مغزانا الأخير… وقالوا تشتغلون بالرعي أو الزراعة هناك ، والسعوديون عندهم أموال ويريدون الخدم.

الوصول إلى الحدود السعودية صعب للغاية لأنها مراقبة من البر والجو ، بالمروحيات والكلاب البوليسية وشرطة الحدود …. ليس من مدخل فكل الطرق تؤدي إلي هؤلاء.

أخيرا اجتزنا ودخلنا الحدود بعد شدة وتعب وتخفّي.. والرعب من سماع النباح والكشافة.

وبعد ثمانية أشهر وأنا أعمل لمواطن سعودي في الزراعة وأحيانا في الرعي … فكرت بأمي والوطن وحنيني إليه .. في تلك الفترة لم تسمح لي الفرصة بأن أتكلم مع أمي ، ولم أعرف حالها وكذلك لم تعرف حالي، وقررت أمشي إلي جدة، وبعد التخفِّي وصلت إليها، ولكن لا أعرف منها ولا شخص ، ولو قبضت علي الشرطة سترحلني إلي مقديشو لا محالة…. بحثت عن محل للإتصالات وأنا أمر في رصيف الشارع واجهت شرطي … يا إلـــهي …ملامحي واضحة.. فلا مفر وسألني إن كان لي من أوراق إقامة… لا أعرف ماذا قلت … ولكن حكايتي في السعودية انتهت.

إلي مقديشو مرة أخرى … تغيرت ملامحها .. نعم تغيرت ولكن إلي الأسوأ .. دمار .. وخراب.. فلان مات .. وفلان هاجر إلي نيربي .. وآخر ….هي ذاتها مقديشو التي أحببتها وعشت فيها لكن هذه المرة الناس الذين وجدتهم غير اللذين أعرفهم .. وأين الذين كنت أعرفهم … ماتوا .. أو نزحوا داخل البلاد أو إلي الدول الأوروبية.

قصة أخري ومسرحية لا تنتهي هذه المرة تستخدم في الحرب أسلحة لم أسمعها من قبل ، ودويها يكاد يُفقدك السمع ، لم أستطع المكوث أكثر ولم أحقق هدفي وهو إعالة أمي وإخواني الصغار ، حينها لملمت أغراضي واتجهت إلي وجهة أخري …. إلي الغرب… وما أدراك ما الغرب؟! فهو في مخيلتي النعيم الموعود حسب ما سمعت من أصحابي .

ذهبت عبر الطريق الطويل إثيوبيا … السودان .. ليبيا .. مالطا … إيطاليا أكثر من خمس دول إفريقية وأروبية رحلة طويلة استغرقت أكثر من ثلاثة أشهر.

دخلت النرويج في معسكر للاجئين وخضعت لفحوصات كثيرة .. قلت لنفسي يا تري ماذا سيقولون؟ هل سيجدونني مصاب بأمراض فتاكة لأنني كنت نحيفا جدا لشدة السفر والتفكير والخوف الطويل .
هنا أوروبا .. برد .. جو مغاير للجو اللذي اعتدت عليه …. الدِّين .. اللغة .. الهوية .. كلها لا بد أن تنساها وراءك ، نعم لأنني لو قلت أنا مسلم يقولون متخلف أو إرهابي ، ولو قلت أنا أعرف اللغة العربية أو الصومالية يقولون ليست عالمية ، ولا أحد يستخدمها ولا تنفعك . والثقافة مغايرة تماما لثقافتنا … يقولون أنت في القرن الواحد والعشرين .. كن متحضرا … بويفريند .. غيل فريند .. لا يُعرف الزواج إلا بعد ولادة الأولاد أو بعد سن الشيخوخة أحيانا .

هناك ستحصل على بعض من المساعدات المادية اذا أصبحت متحضرا ، ولكن في المقابل ستنسى كل ما يشكل كيانك من دين ، وثقافة ، ولغة.

بعدها فكرت في المستقبل ، والحياة ، والزواج ، والأولاد…هي لحياة دائرية .

أولادي يغدون للدراسة ويروحون كل يوم بأفكار جديدة فأقول لهم يا أولادي هذا صحيح وهذا غلط … فيردون يا با با الأستاذ يقول كذا وكذا … فأصبحت همومي أكثر و أكثر ، لا أستطيع الرجوع الي الوطن فالحرب لم تتوقف ، واذا نظرت إلى الشرق فالترحيل موعود … وهنا أنا وأولادي نكاد ننفصل … فيا لها من غربة أنا غريب في هنا وهناك … دنياي غربت عنها الشمس ، ولا أدري متى ستطلع ، أو أنها تنتظر الي مولود لم يولد والده …؟!!

ولكني أسترجع هويتي ( الإسلامية ) وأقول لا أقنط من رحمة الله ، فكم من بلد يشار إليه اليوم بالبنان، وكان يوما ذيل الأمم ، ومر بأصعب بما نحن فيه اليوم.

9 تعليقات

  1. تحيه كبيره للكاتب ..
    قصه مشابه لقصص صوماليين كثييرين ..
    تعذبو من اجل الحصول على حياه كريمه
    احسست بالمراره وانا اقراها ..
    وذاكرتي رجعت للوراء وانا اتذكر افراد عائلتي المتشتته في انحاء العالم ..
    ..
    نصيحه اهديها لكـ كاتبنا العظييم ..
    حاول ان تنسى الماضي
    وتسعى لبناء حاضر جميل
    ليكون ماض سعيد لاحفادكـ

  2. تسلم يديك يا السيد عرفات

  3. الأخ عمر محمد شكرا لك ، وأسإلتك في محلها ولكنها لم تجد حلا جذريا يصلح الواقع….وأرجوا أن نوافق علي الطريق الصحيح.

    أخي إبراهيم لك التقدير والإحترام.

    شكرا أختي راقية ، أوافقك علي أن المسئولبة تقع علي الصوماليين ولا ينفع إلقاء اللوم علي الآخرين فيجب علي الكل الشعور بالمسئولية.

    المواطن (somalia) تقبل الله لي و للوطن ولك أرجوا مثلها ، وجزاك الله خيرا.

  4. وأقول لا أقنط من رحمة الله ، فكم من بلد يشار إليه اليوم بالبنان، وكان يوما ذيل الأمم ، ومر بأصعب بما نحن فيه اليوم.

    أفصح الله لسانك … و صح لسانك …. بارك الله فيك .. و بارك في علمك … جعل الله بلدنا من اخير البلدان إنه ولي ذلك و قادر عليه ….

    اللهم يا من سمع دعاء يونس في دجى الليل و ظلمة البحر .. اللهم يا من نجى إبراهيم .. و أرسل إلينا نبينا محمدا .. أعد الامن لبلدنا و لا ترفع عنا لطفك يا أرحمن الرحيمن ………..

  5. المسول هو الشعب الصومال نفسهم

  6. تحية عطرة للكاتب القدير /عرفات ,سيدي المحترم مقالك هذا له أهمية خاصة لمن تجرع كأس الضياع والإغتراب والتهريب عبر السحراء,لمن حاول مرة تلو مرة أن يجد قاربا متهالكا يوصله إلى شواطىء إطاليا ومالطا ,\

  7. هل حدث لك هذا ؟ ام هي رواية ادبية ؟

  8. عمر محمد معلم حسن

    عفوا هناك خطأ في الكتابة فليس “ضمأ” كما هو المكتوب في النص وإنما الصحيح “ظمأ” والتي بمعنى العطش فاعذروني في ذلك

  9. عمر محمد معلم حسن

    يا سلام شكرا يا كاتبنا، وهنا أريد أن أوجه لجميع القراء الأسئلة الآتية:
    من المسؤول عن قتل أبرياء الوطن بغير سبب؟ ومن المسؤول عن إصابة المدنيين بالجروح وهم خارج ساحات الحرب؟ من المسؤول عن الاعتقال والسجن الغير الشرعي لغير المذنبين؟ ومن المسؤول عن تشرّد الملايين في داخل الوطن ونزوح الآلاف إلى دول الجوار؟ ومن المسؤول عن هجرة ولجوء الآخرين إلى بقية دول العالم شرقا وغربا شمالا وجنوبا، وسطا وطرفا؟ ومن الذي يتحمل مسؤولية المتوفين في البحار غرقا وفي الصحاري جوعا وضمأ؟ ومن الذي تسبب في أن يعاني الآباء والأمهات -ومن بينهم صاحبنا عرفات- من التغيّر الثقافي بل والديني الذي حصل لأبنائهم وبناتهم في المهجر؟ ومن الذي تسبب في ذلك؟ ومن الذي تسبب في أن يعاني المغتربين من وحشة الغربة؟ من الذي يتحمل مسؤولية الدمار الذي لحق بالعاصمة وبالوطن كله؟ وأخيرا من الذي يتحمل مسؤولية جميع أنواع الظلم التي حدثت في الوطن؟؟؟!!!

%d مدونون معجبون بهذه: