يا علي…

كنّا واقفين مساءًا في موقفٍ متّفَقٍ عليه بشارع الثورة بدمشق، أنا وهو قريبًا من عربات الفول، بانتظار السيارة التي ستقلّه إلى مرحلة جديدة من رحلته، حين طرقت أسماعنا أغنية أردنية شهيرة، أدخلتني في حالة من الضحك جعلت الدموع تسيل على خدي، حتى آلمتني ضلوعي في ذلك الجو الشتوي…

سألني ما الذي يضحكني، نظرت إليه فتسارع في ذاكرتي، ما حكاه لي خلال الأسابيع التي قضاها في ضيافتي، فصاحبنا (علي سماله Ali Samaale/) هذا هو ابن بطوطة صومالي بامتياز، انطلق من بلدتنا في ناحية (لاس غيل)[1]، حيث كان يرعى الماعز، بين كهوفها الأثرية، حتى ورث ثلاثين ناقة من أحد أعمامه، الذي أوصى له بها، بعد أن قتلت قوات الحكومة أباه في نهاية الثمانينات.

وبعد أن تشاور مع أمه وأخواله، قرر أن يبيع عددًا من النوق، ويذهب إلى (أديس أبابا)، محاولاً الحصول على فرصة للهجرة، فقضى سنتين هناك، تعلّم خلالها اللغة (الأمهرية)، لكنه لم يدرك غايته، فقفل راجعًا وباع عددًا آخر من النوق، عازمًا المسير إلى (نيروبي)، وهناك بقي لمدة سنة ونصف، استطاع أن يتدبّر أموره، فلم ينفق الكثير من المال، وتعلّم (السواحيلية) و(الإنجليزية) بلكنة شبه كينية مضحكة، وكذلك فشل في مسعاه للهجرة، فعاد بما بقي معه من مال، واندفع محمولاً على قوارب الأمل، لينزل في (اليمن) و هناك ليتعلم مبادئ اللغة العربية، وتكتمل معرفته بتلك اللغة، وهو ينزل بجواز من نوع (مشي حالك!) في مطار (دمشق)، بعد أن قضى بين (عدن) و(الشام) سنة أخرى في (الحجاز).

وقد أسعفني الحظ – حين كان مقيمًا لدي -، بأن أسمع حوارًا هاتفيًا دار بينه وبين خاله، وقد تملكته حالة من الذعر، حين علم من خاله أنه لم يبق من كل تركته ونتاجها سوى جمل واحدٌ، وهو يحتاج لعدد من الإبل ليتمكن من العبور من (دمشق) و(إسطنبول) إلى (أثينا)، ومنها ليلقى حبيبته العجوز (أوروبا).

في خضم ذلك توقفت سيارة (متسوبيشي لانسر موديل 87) ذات نوافذ مظللة، و نزل سائق سوري وصاح (وريا!)[2]، وعلمت أنه يقصد صاحبنا، فأخبرته في عجالة أن الأغنية تقول (بيع الجمل يا علي…)، فضحك وضربني على كتفي محتجًا على سخرتي منه، وسألني من يغنيها فقلت له (سميرة توفيق) .. فضحك وقال (تلك العجوز)…فهززت رأسي بالإيجاب، وذلف إلى داخل السيارة وحقيبة الظهر الصغيرة في حضنه، هزَّ رأسه وبدا عليه أن الموقف أعاده إلى ذكريات الثروة، والسنين التي أهدرت، لكنه أنزل زجاج النافذة وقال في عتب ساخر: (قل لي بالتوفيق)، تحركت السيارة وهو ينظر إلي مبتسمًا، وكأنه قد انطلق لتوه، من بلدته النائمة في أحضان تلال وكهوف (لاس غيل).

أمّا أنا فقد عدت إلى حيث عربة الفول تلك، وطلبت من صاحبها أن يغرف لي صحن فول ساخن، وأن يعيد عليّ الأغنية الأخيرة، ففعل ذلك عن طيب خاطر، وأخذت أتلذذ بالفول الذي تصاعد منه بخار شهي، مبهّرًا بالكمون ومطيّبًا بحامض الليمون، وأنا أستمتع بالأغنية وصوت (سميرة) الصادح يقول:

بيع الجمل يا علي

واشتري مهرٍ إلي

---------------- هوامش -----------------------
  1. (لاس غيل) ناحية تابعة لمحافظة هرجيسا، في أرض الصومال شمال غرب الصومال، مشهورة لآثارها وكهوفها من العصر الحجري. []
  2. (وريا!) لفظة للنداء يستعملها الصومالي لنداء الرجل أو الصبي من أبناء بلده. []
%d مدونون معجبون بهذه: