صياد أسماك التونة الزرقاء

أسرّ إلى حبيبته أنه سيغير ليس فقط حياتهما، بل حيوات كل أهل البلدة، أخبرها أنه لن يسمح – بعد اليوم – لأحد أن يدنّس مياه المحيط الشرقي المقدسّة، وأنه لن تمتد يد غريبة لسكانه ذوي الزعانف والخياشيم، نعم وعدها بأن الغرباء سيدفعون قرابين للبحر – كما كان يفعل الأجداد -، وسيؤدون ديات الضحايا وأثمان السمك، كل ذلك دفعة واحدة…

أخبرها أنها ستكون رحلة أو رحلتين، وسيصطاد الغرباء كأسماك التونة الزرقاء الجميلة، أو هكذا أخبره صديق طفولته الذي أصبح ثريًّا، صحيح أنه سيء السمعة لكنه فعلاً ثري….

للهفتها عليه أحبّت أن تثنيه عن تلك المغامرة، حاولت أن تجعله يعيد التفكير في الأمر، وأبقته لأيام…

نعم بقي أيّامًا فقط لأنه يحبها، لكنها أصبحت على يقين بأنه سيذهب قريبًا…

في ليلة رحلته البحرية تلك، ألقت بورقتها الأخيرة، ورقة السمعة واسم آبائه والعشيرة التي ينتمي إليها، أجابها بضحكة جذلى فقد أعجبته حيلتها الذكية، وأدرك أنه قد أفرغ – بنجاح – كل ما في جعبتها من أفكار، في محاولتها أن تبقيه على اليابسة، أو قريبًا من الشاطئ على الأقل، كما كان يفعل أيام الشظف.

عبارة قالها وهو يقبلها باقتضاب كأنه يعاني تشنجًا في أحشائه، وهو يتصنع ابتسامة تلتمع معها دمعة، لازالت معلقة تحوم حول حدقة عينه منذ سنين، سأعود حبيبتي إن شاء الله، وسنكفّ عن أن نبقى ظلالاً تقتحمها عيون هذا العالم التافه.

وفى بوعده لمرّة واحدة، وسدد ديون العائلة كلها، زوّج نصف بني عمومته، وبنى ثلاثة بيوت، حتى أنه اشترى قطيعًا من الإبل، وعهد به للفرع البدوي من العشيرة، وحفر بئرًا لمزرعة كبيرة أنشأها، فعل كل ذلك في ستة أشهر رغيدة، لكنه كان يخطط لرحلة أخرى، ليصطاد الغرباء كأسماك التونة الزرقاء…

لكن أسماك التونة الزرقاء تلك، شعرت بأن مرارة المياه تزداد حيث يبحر هذا الصياد وقاربه، فأوغلت في المحيط وأوغل خلفها، وأمعنت في الإيغال وأمعن خلفها، إلى حيث كان في انتظاره حوت أزرق كبير، والكل يخشى ذاك الحوت ويكرهه، لا لشيء سوى أنه يهلك البحارة للتسرية عن قلبه المترهّل، دون يكلّف نفسه حتى عناء أكلهم!

أقامت العائلة لحبيبته بيتًا من العريش، على شاطئ البحر بعد أن ساءت صحتها، من كثرة ما انتظرت أن يقبل عليها، منبثقًا من خط الأفق الدامي، المتأرجح بين المحيط والسماء الزرقاوين حزنًا وكآبة.

%d مدونون معجبون بهذه: