وطني ما زال ملقى

في ليلةٍ دامسةٍ تلتفُ حولُها أغضان الكآبة وبالتحديدِ في منزل ِشيخ حسن علي سيدي كانوا يحومونَ حولهُ وينتظرون احتضارهُ وهم في حالةِ هستريا ، يجهشون بموسيقيا البكاء كانوا يتأملون تاريخ والدهم في خدمةِ وطنهِ الصومال خمسين عاما ، لم يُبقِ من عمرهِ إلا القليلُ لعائلتهِ وأبنائهِ فلقد كان همّه الأول والأخير وطنهُ الصومال ، كان ينتظر وابلُ المنيّةِ أن يأتي حتى يفارق الدنيا بعد سنين من الشقاء، وقبل أن يفارقُ الحياة كان ينظرُ في أعين ِ أبنائهِ عبد القادر وعلي وأحمد ، والموتُ والحسرةُ يبزغان ِ من أهدابهِ كبدر ٍ في تمامهِ، وهو مستسلمٌ لقضاءِ اللهِ وقدره ، ثم بدأ يشربُ كأسا من الماءِ وربما كانت آخر جرعة تمرَ من ريقهِ ، وكانت سعاد زوجتهِ تسندهُ في شرب الماء ثم تنهّد قليلا وقال : يا أبنائي أني قضيتُ عمري كله من أجل تحرير الوطن من الاستعمار ولقد ضحينا بكل ِ مانملك لأجل ِ الوطن وكان هناك رجال لايعرفون الخوف ولم تتسلل الرهبة في أغوارهم لأجل الوطن، ياأبنائي هذهِ الأرضُ تحتاجكم جدا لتحررها من الإستعبادِ والكبتِ والقهر ، ياأبنائي أني لأرجو منكم أن تكونوا أوفياء فلقد باعنا الكثيرُ من أجل المال ِ وعدنا من جديد ٍ في عالم الاستعمار ، وأثناء حديثهِ كان الكلّ منصتا وهو يلقي عليهم آخر كلماتهِ قبيل الرحيل ، وفجأة ًتوقفَ صوت والدهم وانقطع الصوت ولم يبقَ إلا صوت الحشرجات تتناثرُ بين فيهِ، وبدأ الجميع في دخول حالة ٍ بكائيةٌ جدا والدموعُ تخرقُ الخدَّ ، لينطقَ أبوهم الشهادة ويفارق الحياة ، تحسّر الجميعُ لموتهِ وهو لم يكمل بوحهُ ، وكان علي أكثرهم حزننا على والده ، فلقد كان علي أقرب الأبناء لوالدهِ وكان يعرف الكثير والكثير عن الثورة الصومالية واستقلالها ، ولقد كان يقول في نفسهِ هل سوف أكون مثل أبي ؟؟.

لم يعرف طعم النوم أحد في تلك الليله ، فلقد اتفق الكل رغم اختلاف أحجامهم وعقولهم على البكاء والنياح ، كثيرا ما كان يسود الصراخ وتتعالى الأصوات الضجيج والأنين …!

أنين الألم يكاد يستحوذ المكان ، لم تصدق الأم رغم قوة إيمانها بالله أن شريك الدرب قد ترك الدنيا بما فيها ، وانه سيأتي عليها ليال عجاف دون ان تسمع صوت الحبيب ..!

ودون أن تمتد إليها يد الحبيب فيداعبها ويضاحكها ويسامرها عند اكتمال البدر..
فلقد عودها السمر تحت ضوء القمر …!

ولقد عودها أمور كثيرة لا يمكن وصفها ببضع كلمات ..

آه ما أقسى الحياة .!!

هكذا كانت تردد الأم تارة وتارة تجهش بالبكاء.

ثم تفوق من غيبوبتها في الثالثة لتردد سنفونية الحزن والألم ..

وترتل تراتيل الحسرة والندم .

في الصباح وعند بدء الشمس ممارسة طقوسها بإرسال أشعتها الذهبية.

فتحت العائلة أبواب بيتها كأنها تريد بذلك أن يشاركها أهلها وجيرانها وأحبتها الحزن..

ولأن إكرام الميت دفنه ، يذهب أحمد وعبد القادر ليستعينوا بالأهل والأقرباء .

وليجهزوا القبر ، تلك الحفرة التي سوف تحتضن أو بالأحرى تبتلع أباهم ..

أما علي لم يستطع أن يفارق أباه ، فلقد كان كثير الصمت ، كثير التفكير ، كأنه يعد أباه دون أن يخبر أحدا بذلك ، ظل علي برهة من الزمن يستطرد ويبحر برفقة أفكاره ، إلا أن أتى أحمد برفقة النعش الذي سيخفي جسد أباه عن الأعين ويقاطع خلوة أخاه علي….!

عبد القادر ظل في المقبرة مع بعض الأقرباء ليجهزوا تلك الحفرة اللعينة التي ستبتلع أباهم
وبعجالة وضعوا الجسد الطاهر في النعش بعد أن لفوه بخرقة بيضاء بإتقان ، أخذت السيارة تسارع الزمن بعجلاتها الأربع ، وصلوا المقبرة التي لم تكن بعيده عن الدار ، وبرفق وضعوا النعش على الأرض ، ثم بعد دقائق وضعوا الميت في الحفرة ، وانهالت عليه التراب والأحجار من كل صوب ، يا الله هكذا هي الدنيا …!

وحِّدوه …..

لا اله إلا الله ..

وحِّدوه …

لا اله إلا الله محمد رسول الله …!

كل ألسن الحضور كانت تلهج بالأدعيه المأثوره ، كل على قدر حفظه ، أنتهى ذلك اليوم المأساوي ، وطويت صفحة ناصعة البياض ، ولأن الحياة لا تخلو منها الأفراح والأتراح ، بدأت العائلة تمارس حياتها كالمعتاد ، علي اعتصم في غرفة أبيه فانهالت علية الأحزان من كل صوب … لم يتخيل يوما أن أباه ستبتلعه الأرض مع آماله وأحلامه ، كان يعتقد أنه سيتزوج وينجب بوجود أبيه ، وسيربي أبنائه جدهم النعيق ، ظل لأكثر من شهور مسلوب الإرادة ، خائف ، غير مستوعب الحقيقة .

وبعد سنة ونيف خرج من معمعته إلى خضم الحياة ليتزوج ويبني مملكته العائلية في وسط القذائف وتعانق الرصاص وليعيش مع أمه في بيت أبيه .

عبد القادر انخرط في الجماعات الإسلاميه معتقدا أنها الحل في بناء أمة إسلامية قوية ، وظل يجري وراء حلمه متنقلا من بقعة إلى بقعة ، والسلاح بيده .

أحمد كالعادة يركب دراجته الهوائية ويتجول في سوق بكاره ، وفي أزقة الشوارع وبين الحارات ، يبحث عن أحد المنخرطين في السياسة عله يكون سلما يرتقي به المجد ، إلا أن ذلك اليوم الذي يجد ضالته لن يكون طويلا ، وفي أثناء تجولا ته كالعادة يتعرف بسياسي محنك ، سياسي تائه ، عاشق ، وطامح ، وباحث مع الباحثين عن الأمن والسلام ، الحالمين لبناة وطنهم ، وبعد تعارف ساخن وطويل ، يتعاهدان على بيع الغالي والرخيص لأجل تلك الغاية المنشودة ، فيفارق صديقه والحلم يتوجه ملك القلوب ، والإبتسامه لا تفارق شفاه ، والأمل يحي خلايا جسده المنهك لتحقيق المستقبل الرغيد لوطنه ولأبناه .

وهو يردد قصيدة للشاعر الثائر أحمد مطر :

وطني طفل كفيف ..
وضعيف ..

كان يمشي آخر الليل ..

وفي حوزته :

ماء وزيت ورغيف ..

فرآه لصا وانهال بسكين عليه..

وتوارى ..

بعدما استولى على ما في يديه .

وطني مازال ملقى ..

مهملا فوق الرصيف ..

غارقا في سكرات الموت ..

والوالي هو السكين ..

والشعب نزيف .

%d مدونون معجبون بهذه: