قصص صغيرة (دراما واقعية)

نوفمبر تشرين الثانى الساعة الثامنة تقريبا، كنت فى داخل غرفة صغيرة تحت الطابق الأرضى لاتزيد مساحتها عن ثلاثة أمتار مربعة لاتوجد فيها شبابيك للهواء ولاسرر مرفوعة كل مافيها ثلاجة قديمة وموقد غازى مصدئ وفراش متواضع ومخدة من الصوف البالى عليها رقع متعددة وعمود أباجورة مكسر ليس فيه مصباح وأكياس سوداء جهلت ماتحويها.
رن جرس موبايلى …”لسه ماصحيت؟” كان أول ماسمعت بهّ!
“نعم نعم اناصاح” … رددت عليه.
“الساعة الثامنة صباحا أنت نائم لسه؟… حجزت لك مقعدا من السفينة التى تنطلق عند الخامسة مساء وعليك مقابلتى قبل العاشرة لتستلم التذكرة … ولا تنسى عدم إبلاغ سفرك لاحد حتى عشيقتك! حتى عشيقتكّ! معاك الله.”
تمتمت لكن الاتصال انقطع وانتهت المكالمة.
دخلت الحمام فمعجون الأسنان لم يكن فى المكان لأن العشيقة رمته فى القمامة بعد أن فني، استحممت وخرجت مسرعا.
“لاتبلغ سفرك لاحد حتى عشيقتك!!” إلهى العشيقة!! تركتنى البارحة وهى تبكى.. لا ادري !!
وصلت المكان المحدد قبل الزمن الموعود.
أشعر بالجوع، “اءه انه وقت الفطور” همست بصوت خفى.
بعد مرور لحظات فاجأنى الرجل بقوله:
“ياراجل! تعال هيا بنا إلى زاوية ….هذه تذكرتك، الباخرة تنطلق عند الخامسة تماما أرجوك الوصول إلى مرفأ (برايوس) قبلها بنصف ساعة عندها أزودك بمعلومات إضافية لأننى بانتطارك هناك مع السلامة.”
“اسمع ياراجل انا مافهمتيش ولاحاجة باللهجة المصرية!!”.. قلت للرجل.
“التعليمات التى وصلتنى تشير هكذا بدون تفاصيل” قالها الرجل مضيفا “شد حيلك يازلمة”.
اختفى ذلك الرجل وفى جسمى كله برودة كبرودة سفوح جبال الألب فى شتاء أوروبا القارس، الصداع فى رأسي مسيطر والدوران أشد.
كالعادة كانت العشيقة التى تسكن في شقة لاتبعد عن غرفتى سوى عشرات الامتار تزورنى فى الصباح الباكر وتفرش تلك الغرفة العنكبوتية وتحضر لى القهوة الايطالية ثم الفطور إلا انها اليوم لم تحضر وحتى لم احصل منها على مكالمة.
ازداد الالم… والحرقة فى داخلى لم تزل.
بعثت اليها برسالة نصية قلت فيها (صباح الخير ياملكة النساء منذ البارحة وحشتنى قوى تعالى عندي بسرعة)
كنت ملقى على الفراش المتواضغ وراسي يدور فى الأفق.
دخلت العشيقة لان الباب كان نصف مغلق ومعها شاب نحيف أسود يلبس سروالا قصيرا وفانلة سوداء عرفته فيما بعد، فعلا أحد أقربائها.
قابلتنى وجها لوجه لم تتمالك نفسها فالدموع سالت على الخدين!!
مابك؟ قل لى ماذا حصل؟ انا معاك دائما معاك …هكذ تفوهت وكانت ملتصقة إلى صدرى، والشاب الاسود متفرج على الموقف.
تقهقر الشاب النحيف خطوات الى الوراء وجلس صامتا على رجليه.
تملكت نفسها بعد لحظات عديدة …..”أرجوك سامحنى” ….”ايه ايه خير انشاء الله،” اعترضتها.
“بس خلاص سامحنى ارجوك” …قالتها ثانية.
كنت منهكا تماما والعرق ينصب فى جنبات وجهى كالمصاب بحمى الملاريا فى غابات جوبا السفلى وكانت مستلقية إلى جانبى فى الفراش المتواضع كعصفورة مذعورة من الريح والعاصفة والموت.
نهضت واقفا ثم جلست وقلت بصوت غريب:
“اذ اننى اليوم مسافر…أريد أن أفارقك لأننى أعانى من مشاكل وآلام لا أستطيع التخلص منها مادمت معاك.
كانت على وشك البكاء حين رفعت رأسها لكى تنظر إلي نظرة جريحة منكسرة قالت تحت تأثير حالة مفاجئة:
“لست مرتاحة فى أعماق نفسى لأن الأمر لا ينطوى على خدعة أو خطورة لقد شاهدت بنفسى أننى لا اناسبك تماما”.
“أعرف هذا . ومن أجل ذلك قررت أن أفارقك.”
ارجوك ان تسامحنى وكن على علم بان ذاكرتى لن تنساك… قالتها باسمة “كثيرا”
هل تعانى من أعراض اخرى ؟
كل شيئ ممكن ليس الآن.
تسمح لى أن أحتفظ ببعض من صورك؟
على العكس احتفظ بالكل.
جهزت حقيبتى التى هى الأخري تبدو عليها آثار البساطة وعانقتها برفقة وحنان وخرجت من الباب صوب المدنية.
كان الجو شبه ضبابي وكتل من السحب والغمام تظلل سماء العاصمة القديمة بلاد الفلاسفة الاغريق افلاطون واورسطو وسحابة سوداء تلاحقنى فى كل مكان.
تقاطع امونيا حيث مترو الانفاق المتوجهة نحو الميناء العريق ركبت المركبة الاولى وجلست بمقعد ثلاثى قبالة الباب.
اسمع همسات وضجات فى بعض الاحيان الكل يتحدث مع الاخر ويضحك وترتفع الاصوات والقهقهة البعض يحمل ورودا وازهارا والاخر اكياسا من الهدايا، وجمع من الشبان والشابات يتبادلون القبل الحارة.
تعجبت فى ذلك المنظر الرائع ….الله انه عيد الاسبوع! طرأ فى تفكيري.
“مرحبا بكم فى ميناء برايوس التجارى آخر محظة للمركبة، المنفذ الرئيسى عند الجانب الأيسر بعد الصعود الى السلم الكهربائي، المزيد من المعلومات عند الطابق الأرضى للمحطة يوم سعيد” كانت تلك المعلومات تصدر من قمرة قيادة المركبة.
خرجت من إحدي بوابات المحطة الرئيسية فإذا بأفريقى أسود مجعد يصرخ بصوته الجهوري (معاك حشيشة….مرجوانية، افيون…ايه؟ قل لى ماذا عندك ماتخاف مافى بوليس)
“عفوا انا لست تاجر مخدرات” أجبته.
الميناء مزدحم ومكتظ بعشرات البواخر وناقلات النفط وسفن السياح وقوارب الصيد التى تشبه الذرة الشامية لقربها معا.
جذبنى الرجل : “تبدو وكانك سائح !!” قالها مازحا… تلك هى السفينة (فأشار إلى إحدى سفن السياحة العملاقة) مباشرة عند وصولك إلى الجزيرة فجر الغد سيقابلك واحد لأننا مهتمون بسلامتك.
زودنى ذلك الرجل بأرقام هواتف محمولة قال لى “يمكنك الاتصال بها فى الاوقات الملحة”.
على البوابة الرئيسية للسفينة كان أفراد المراقبة يقومون بتفتيشات للتدقيق على هويات المسافرين ومافى حوزتهم من متاعب وأدوات وكنت الاخر ألفت النظر على المسافرين لعلى أجد فيهم من تجمعنى بهم قرينة.
انطلقت السفينة من الميناء القديم والسياح فى الطابق العلوى للسفينة ملوحين الأيادى للرفاق الذين ودعوهم من العاصمة التاريخية اتجهت بنا السفينة نحو الجزر الجنوبية إلى حيث وصلت الفتوحات الإسلامية.
بعد مضى ساعتين تقريبا كان السياح ورجال الاعمال من أصحاب الدرجة الاولى قد نزلو منازلهم وكنت الاخر أبحث لنفسي مضجعا فى القاعة العامة، على مقرية من الكراسى الخلفية حيث كانت السائحة الالمانية انجلينا تفترش مع كلبها الاسود.
اهلا.. هل المكان محجوز؟
لا لا … يمكنك النزول إن أردت.
أشكرك على المساعدة!
افترشت الى جانبها، تظاهرت بتأمل الصور واللافتات المعلقة فوق وعلى جوانب القاعة وعلى جدرانها العالية سمعتها تقول بالانكليزية :
من أي بلد أنت، لو تسمح؟
قلت مازحا:
النرويج.
ضحكت هى:
لماذا تضحكين؟
شعرك الاسود بشرتك السمراء، هل ضايقك السوال؟
ابدا صومالى لكنى مقيم فى النرويج!
الآن فهمت.
أعلن طاقم الاستعلامات بافتتاح المطعم والمقهى والملهى الليلى للسفينة لتناول العشاء، فكنت أول المجيبين للنداء لأننى كنت أفضل البداية قبل الزحام الشديد الذي يشهده المطعم، على بعد عدة أمتار منى كانت الفتاة الصومالية الأصل ومعها عشيقها الذى كانت فى يده زجاجة الفودكا يرقصان تارة ويتبادلان القبل تارة أخري، جلست مبتسما على أحد الكراسى الجانبة قبالة الفتاة.
جلست تأكل بسكينة وهدوء وبين وقت وآخر ترفع رأسها إلى باسمة. قالت:
هل أعجبك الطعام؟
كثيرا..
بعد أن انتهينا الطعام ونظفت المائدة جلست فى كرسيها السابق طلبت منى أن أسمح لها بالتذحين
قلت لك تصرفى وكانك في بيتك
شكرا…ادخن دائما بعد الوجبة
هل يمكننى ان اسالك؟
نعم تستطيع ان تسالنى بدون اذن منى بعد الان.
اشكرك على هذا هل لك علاقة برجل؟
نعم كنت لكننى منفصلة عنه، الآن هل يضايقك هذا الامر؟
لا لا أردت أن أعرف….. إننى متعب جدا
يمكنك أن تنام فى أى وقت تريد
ألا يضايقك أن أتركك وأنام؟ ألا تعتبر ذلك قلة ذوق؟
كلا إننى أعرف جديا أنك مرهق جدا أكثر مما تتصور إن وجهك منهك وشاحب.
أعرف عندما أنتهى من هذا الكاس سأذهب لانام.
سنتحدث كثيرا اذهب الآن ونم لأنك منهك تماما.
أنت شخص طيب الآن عرفت أنك أطيب مما تصورت، الى اللقاء مؤقتا..
إلى اللقاء

ترقبو القسم الثانى

3 تعليقات

  1. لاحظت انك رددت كثيرا عبارة ( العشيق والعشيقه ) .. وانا متاكد انك تتعمد ان تثير هذه المسألة .. والتي تعني ان الصوماليين الذين ذهبوا الى الغرب والدول الاربية تغيرت طبائعم وتقاليدهم … واخذوا من البلدان المهجر .. صحيح … لا يصح الا الصحيح وهذا يعني ان التعميم دوما غلط وجرم ..
    لهذا .. حسيت انك ترسل رسائل ربما تكون غير مباشرة .. ولا تنسى انك قلت او وصفت بقصصك بأنها ( واقعية ) …
    المهم ننتظر الاجزاء القادمة ..
    تقبل ودي .

  2. اولا أشكر ياخليل لكن لماذا ودعت صديقتك وتركت وحدها وهي تعاني آلام الغربة والوحد مسكين وحدها ؟وهل رحعت مرة أخري أم تركت أبديا ولن ترحع ؟لماذا هذا العقاب لكن ما ننتظره هو المشهد الثاني للمسرحية وشكرا .

    حسن عبدالله حاج عثمان

  3. يهمني ان اعرف المزيد ..
    منتظر منكم البقية ..
    لك تحياتي ايها الكاتب ..

%d مدونون معجبون بهذه: