حوار مع زعيم حرب

أجريت حوارا ساخنا مع زعيم حرب، وكان يرتدي ملابس عسكرية، فى ليلة حالكة الظلام، كان السواد فيها يفوق الخيال، ويعجز عن تقييم أهواله أصحاب الحبر، البرد فيها قارس، وللرعد فيها دوّي، وهدير يصم الآذان، ويزعج الولدان، ويسقط الأجنّة فى أرحام النساء.

بينما أنا أتصفح فى كتاب حوى المآسي الصومالية، ودوّن مشكلات أفريقيا، لفتت أنظاري قائمة من الأسماء، كتبت بحبر أحمر فى صفحة سوداء، من دفتر التاريخ.

قلت لنفسى: يا ترى من هؤلاء؟!  فرد عليّ التاريخ بنفسه: هؤلاء هم الذين أدرج التاريخ أسماءهم فى هذه اللائحة، وسط مكتبة رفوفها مكتظة بالملفات الجنائية، وأكثر محتوياتها الإجرام، والتعدي على الآخرين.

فمضيت قدما إلى القراءة فى تلك الأسماء، فعرفت جلّهم فإذا هم أمراء الحرب، وزعماء الفصائل، والسفاكين لدماء الأبرياء، وأردف التاريخ قائلا: سأنقل هؤلاء الرويجلة (لا الرجال) إلى مزبلة التاريخ، وسلة المهملات.

فقلت: أريد أن أتحاور معكم، وأشارك معكم فى ذكرياتكم.
قال أحدهم: اطرح ما لديك – إن لم يكن مؤسفا ومحزنا -!
قلت: لابد للحزن، والأسف لمن اقتحم الشرف !
قال: ما هو سؤالك الأول؟
قلت : من أنت؟
قال: أنا ابن الذئب، ومقترف الذنب !!.
قلت على عجالة: أنت سياسي مخضرم وبطل، مجرّب…..فبماذا تشعر؟
قال: الشكر لمن زوّدني بالشجاعة، والصلابة (الله) والشكر لمن زودني التدريب، والتكتيك العسكري   (إيطاليا وروسيا) والجديرة بالذكر، والأولى بالشكر الدولة الحببية، والجارة القريبة (إثيوبيا)، هى التي منحتنى أعلى ما لدي وأنكى سلاح أتمتع به وهو العمالة، والإمّعية مع الأسف!!.

قلت : دعنا نعود إلى ترجمتك الشخصية، وسيرتك الذاتية، كيف ترعرعت؟
قال: ولدت أمام حظيرة الإبل، واحترفت حرفة رعي سفينة الصحراء (الإبل)، ونشأت فى حياة تستحق اللوم… لا أقول اللعنة!!.

قلت : أين بدأت مشوارك السياسي، الذي أنت فيه حاليا؟

قال: فى ريعان شبابى إلتحقت بجيوش الاستعمار وتدربّت في بلدان مختلفة، وتلقيتها من كليات عسكرية عديدة، وكانت غايتي المنشودة “متى ستمسك زمام الأمة، وزعامة الوطن؟!!.

قلت: أود أن أكون سياسيا يشار إليه بالبنان، وسط أقرانه، فى ساحة القيادة، وميدان السياسة، فبماذا توصينى؟

قال: التحلّى بالفساد، وترك المبادئ، وتعاطي الرشوة، والتخلّي عن روح الوطنية!

قلت: أليست هذه الأفعال شنيعة وذميمة بكل المقاييس؟!

قال: المقعد الرئاسي لاينال بالورع، وعروشنا مرصّعة بعظام البشر! والطرق المؤدية إلى قصورنا معبّدة بدماء الأبرياء!!!

قلت : هي فساد للآخرة، وخزي فى هذه الدار من اعتدى على الناس، وانتهك حقوق الجار !

قال: هذه هى الوسيلة الوحيدة، التى توصلك إلى الصدارة والإدارة !

قلت: كيف ترى أيام عمرك، هل تعتقد بأنك استفدت من وقتك؟

قال: أفتخر بشجاعتي، وبسالتي المنقطعة النظير، والفريدة من نوعها، وبكل التأكيد أنا مرتاح البال، ومطمئن الحال لأنني وصلت إلى سدة الحكم قبل فراقي من الدنيا، وهذا يكفيني والأخطاء التى ارتكبتها لا تعنينى !!!.

قلت: ماهي هوايتك المفضّلة، والألعاب المحببة لديك يا زعيم؟

قال: مشاهدة الأفلام، خاصة المصارعة، والملاكمة !.

قلت: لماذا اخترت هذا النوع من الأفلام –لوسمحت -؟

قال: لأنها تقوم على ثقافة التعالي، والتكبّر واستعراض العضلات.

قلت: ماهي الأصوات التى تروّح بها عن نفسك، وتتلذذ باستماعها؟

قال: هدير المدافع، ودوي الصواريخ، وعويل الثكالى!!!.

قلت: ماهى الأماكن التى تفضّل أن تقع عيناك عليها؟

قال: الأنقاض، والأماكن المهجورة، بعد أن كانت مأهولة !!.

قلت:  من هم أصدقاؤك المقرّبون فى العالم ؟

قال: الزعيم (معمّر القذّافي)، رغم أنّ هناك سوء في التفاهم بيني وبينه، لأنني لا أعرف اللغة العربية،ما عدا كلمتي (لا)، و(نعم)،- دعني أستغل هذه الفرصة، لأرسل إلى العقيد تحياتي، وأقول له: إنني معك قلبا، وقالبا، – وأسأل الله – أن يطفأ جذوة الثورة فى بلادك، وينعّم عليك السلطة مدى الحياة- آمين.

ومنهم رئيس وزراء إثيوبا “ملس” إلا أن حبال الصداقة قد تقطعت فى هذه الآونة .

قلت: ماذا تقرأ فى أوقات استراحتك وتملأ أزمنة الفراغ ؟

قال: أقرا الميثاق الوطني (دستور) فى عام 1960م .

قلت : هل تقرأ القرآن الكريم، الوحي السماوي، والدستور الربّاني؟

قال: نعم، أقرأ سورتي الأنفال والتوبة !!؟

قلت: لماذا اخترت هاتين السورتين دون السور الأخرى؟

قال: لأنهما تحرّضان على القتال، وتعززان الروح المعنوية للحرب !!

قلت: يا زعيم ذاك قتال إسلامي، وجهاد شريف ليس قتال الجبهات، وزهق أرواح الناس دون أي مبرر وإشعال لنارالفتنة بين الأشّّّّقاء!.

قال: نعم لكنني لست مدانا بإشعال نيران الفتن آماتعلم بأنني خضت حرب 1977م ضد الأحباش؟

قلت: مارأيك فى أديس أبابا (عاصمة إثيوبيا) ما الذي تستطيع أن تصفهابه؟

قال: كانت منفذ قراراتي، ومرجع أرائي، وصارت أخيرا مدفن آمالي !

قلت: سلّط ضوءك على جالكعيو (عاصمة إقليم مدق) صفها لي؟

قال: هى ملتقى الشعوب، ومثلث خطير، ومفترق التعايش السلمي، أهلها ليسوا على السلم،ولا على الحرب، إغتيالاتها مخططة، وطلقاتها موجعة بيد أنها أحب البقاع إليّ.

قلت: ماهي الأوصاف التى تحب أن يتصف بها الأمراء، والرؤساء حسب تعبيرك؟

قال:  الغلاظة، والفظاظة، والبشاعة، وإن زدت: العلمانية، والأنانية، فبها ونعمت !

قلت: ماذا تتكهّن حول مستقبل الصومال؟الى أين تؤول الأمور، بعد هذه الفترة العصيبة، التى هبّت فيها رياح الفرقة، والإقتتال؟

قال: بالحقيقة الأوضاع  غامضة، ومعقّدة، ولا يفهمها إلا من كانت لديه خبرة عسكرية فائقة، وأنا أشرت لحل مشكلة الصومال قبل سنوات، لكن مع الأسف لم أجد آذانا صاغية لما أدليت به من معلومات مهمة، وقليل من يفهم الحقائق.

قلت:  ذكّرني بهذا الحل، والدواء الناجع التى أشرت إليها ؟
قال: الحل هو: استئصال جذور الإسلاميين، وإخماد جذوة الصحوة المتوقدة، وتصفية ثلثي الشعب الصومالى.

قلت: هل حاولت تنفيذ هذه الخطوات؟ أم أن كلامك مجرد أحلام، لا يمكن أن يكون فى حيز التنفيذ؟ومن أجهض محاولتك هذه إن هى أجهضت ؟

قال: هناك سببان أدّيا إلى إجهاض تخطيطي، وإفشال سياستي  وهما :

أ: عدم موافقة دولية إلى بسط النظام الفيدرالي فى ربوع الصومال، وبالتأكيد كان هناك إزدواجية المعايير وسط المجتمع الدولي حول أزمة بلدنا، منهم صديق حميم، وعدو لدود، يضع الملح فوق الجرح.

ب: المقاومة الباسلة، التى لا تعرف الهزيمة، شباب يهتفون” إما النصر، وإما الشهادة” أستطيع أن أصفهم  ب( القنابل البشرية) حيّروني بالعمليات الإنتحارية، ورسموا صفعة شديدة فى خد أقوى دول أفريقيا!

قلت: أسألك سؤالي الأخير: ما هو أعذب بيت من الشعر الصومالي، الذي تتغنى به دائما ؟

قال: بيتا يقوّي معنى البطش، ويحث التسلّط على رقاب الغير، وكان أقرب إلى بيت زهير بن أبي سلمى:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه
يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم

ملاحطة: هذا المقال لا يخص شخصا دون آخر وددت أن أعبّر عن منطق زعماء الحرب، الذين لا يبالون دائما إلا إشباع غرائزهم الرئاسية، وتنفيذ أطماعهم السلطوية”ليس إلا”وينطبق على من توفرت لديه هذه الأوصاف، وما أكثرهم فى قطري العربي والإسلامي…

8 تعليقات

  1. الأستاذ آدم أقدم لك تحياتي القلبية على هذا المقال الأكثر من رائع وتمنينت لو تمت محاكمة مجرم الحرب في نهاية الحوار لعنا نصل إلى ذلك اليوم حقيقة.
    نحن نتولى الظاهر والله يتولى السرائر لقد قال الرجل بأنه لايقصد أحد بهذا المقال فالكلام واضح لماذا التأويل؟؟؟
    ياحبذا لو اهتميت بالنص وزدت فيه حتى تجعله كتاب لكي يستفاد منه وترجمته إلى الصومالية.
    شكر

  2. أرحبكم بذراعين مفتوحتين أيها السادة، وأشكركم بإقتراح آرائكم وتعليقاتكم.
    أخي حسن عبدالله عثمان حينما أحاور مع زعيم الحرب وضعت نفسي فى كفي أو ما يسمى (إنكار الذات) مجرد حوار يعتبر مغامرة خطرة ناهيك عن الصفع أو اللطم في خد ذئب بشري شرس، أمراءالحروب وجناة الشر لا يقيمون للأرواح وزنا!!!.
    الأخ عبدالناصر أردفت كلمتى ملاحظة تفادياعن الإشارة إلى شخص معين أصبع التهم والكرة موضوعة فى ملعب الزعماء جميعا، هناك ضباط كثر خاضوا حرب 1977 وساهموا عن دفاع الوطن وبعد انهيار الحكومة انخرطوا فى سلك القبلية وتلطخوا بالدماء.
    أعتقد ليس مهما أن أقول أعني فلان المهم هو أن نفهم معا أوصاف زعماء الحرب وكيف يفكرون!! نعرف حفنة من أمراء الفوضى والدمار كلهم مؤهّلون أن نقلّد هذا الوسام حول أعناقهم إن كان فى حسبانك شخص واحد هم أكثر وأكثر .
    أما جالكعيو أستاذي والله لا أبغض تلك المدينة يمكن أنني من أبناءها، لكن اخترت من بين المدن الأخرى : هى تلعب دائما دورا فوضويا وغالبا ما تشتعل فيها مصباح الفتن لموقعهاالحغرافي الحساس —–.. زميلى الغالي عبد الوهاب أقول لك ما قلت لأخ عبد الناصر لأنكمارضيعا لبان فى الفكر تجاه مقالى ولكم الشكر الفائق والتقدير…

  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    رغم ملاحظتك أخي الكريم إلا أن البراهين والتي استنبطتها من صميم نصك تشير إلى شخص معين دون غيره ، ولو صرّحت به لكان أفضل وأنسب وإن لمحت فالبيب بالإشارة يفهم ، بيد أن زعماء الحرب يمتلكون نفس الصفات ونفس الشيم وقد ينطبق هذا المقال على جميعهم .

    من ناحية الصياغ يعجبني أسلوبك أيها الكاتب فهو أسلوب جاحظي “أعني كتابات من الطراز القديم ” وأنا إلى ذلك أميل .

    تحياتي القلبية ومحض ودي أيها الفاضل.

  4. أستاذآدم.التحيةلك.
    سألت ضيفك الكريم “قلت: سلّط ضوءك على جالكعيو (عاصمة إقليم مدق) صفها لي؟”
    وقبل هذاقال لك” آماتعلم بأنني خضت حرب 1977م ضد الأحباش؟…،ثم تقول لنا
    “ملاحطة: هذا المقال لا يخص شخصا دون آخر وددت أن أعبّر عن منطق زعماء الحرب، الذين لا يبالون دائما إلا إشباع غرائزهم الرئاسية، وتنفيذ أطماعهم السلطوية”ليس إلا”وينطبق على من توفرت لديه هذه الأوصاف، وما أكثرهم فى قطري العربي والإسلامي…!
    بإمكانك أن تحذف هذه الملاحظة . لتؤكدلنا مصداقيةقلمك . كذلك أن تقول لنا أقصد بشخصيةالفلانية . الآن يبدولي بأنك كاتب جرءي وفي نفس الوقت مداهم!

    أن تبرز لنا أخبار المرتوقة-حسب لغة ليبيين- هي مهنتك ككاتب . ولكن دون الآخرين شيء غريب .,, أستاذ آدم .. نحن أصدقاء..فرقتنا الدنياء ..أرجواأنتنظرهذهالصداقة.قبل مداخلتي .لتربط مقصد الكتابة .دون ..،

    يحياتي لك.

  5. شكرا يا سعادة الكاتب لكن يا أخي ضيعت الفرصة لأنك تتحاول مع أمير الحرب لماذا لم تضرب ولو مرة إنتقاما للأبرياء أوتلطمه حتي تهدأ العصابنات ويعلم أن في الصومال رجال سيحاسبون ولو مرة لأنني أظن أن هذه الحوار وقع بدون وجود الحراس وتلك هي فرصة أخري وهذا من باب أظهار القوة في داحل الحوار شكرا علي كل حال

  6. أنتم أولى بالشكر أيهاالإخوةالكرام،وبتعليقاتكم تتجدد المعنويات.

  7. أحمد شيخو - جدة

    مقال جميل وحوار غريب بعض الشيء , هولاء هم المرتزقة ( موريان )

  8. عبدالله السعدي

    صياغة عجيبة ولغة جذابة، أشكر صاحب المقال على جهده الرائع.

%d مدونون معجبون بهذه: