فن الرسم و فقه البداوة (١)

(1)

كسمايو 1986

سيمبا[1] مُوالِيْمُو[2]، شاب من أهل كسمايو، وزميل حسين أحمد فى بعض مراحل الدراسة العليا فى مدرسة جمال عبد الناصرالثانوية فى المدينة أعلأه.

شاب خُلق ليبدع! وحَباه الله موهبة الرسم بالفطرة! دون تدريب أو تدريس!
لا يفهم أبداً ما هى الرياضيات، ولا يُضَيِعُ وقتاً في ألغاز الفيزياء ورموز الكيمياء، أوحتى فى الجغرافيا!.
يَسْخَرُ من العربى وبلاغته! لأنه بليغ بريشته، وفصيح بألوانه، يضحك من الطليانى والإنجليزى ولا يحترم أي واجب مدرسى، أياً كان !
وما هو الواجب المدرسى بالنسبة لسيمبا أساساً؟ لا شىء، لاشىء على الإطلاق!
لكنه مواظب على الحضور، ولا يَمِل من متابعة الدروس لأمر ربما فى نفس يعقوب!
لا يُهمه أين وصلنا فى الاجتماعيات و لا يدرى ماذا قال مدرس الدين.
إنه إستثناء شاذ، كأي عبقرى، لكنه زميلى، وصديقى، ولا يحلو له الجلوس فى الفصل إلا إلى جوارى!
لماذا؟ لأنى ببساطة غريب فى المدرسة. تلميذ ترك أهله ومدينتة وجاء إلى كسمايو ليزامل سيمبا. قَدَرُ مكتوب.

زميلى هذا لم يكن من اختياري. بل هو الذى اختار زمالتى ليدفن أسراره فى صدرى.
سيمبا قبل كل شىء فنان. والفنان كما نعلم غريب الأطوار. يحب المختلف والغريب، يتعاطف مع الغرباء. يجد نفسه فيهم. ويلجاء إليهم. غريب مثلهم فى الدنيا، ,الإغتراب المشترك يجعل من اللامعقول معقولاً!
ألهدف هو تقاسم أحاسيس الشعور بالوحدة، والتوحد ضد الأخر الذى لا يعرف للإغتراب طعما. ولا يحلم فى اليقظة.
من يقتنع فى الدنيا كلها إن كتاب الدين يمكن أن يتحول إلى كراسةٌ يُرْسَمُ على غلافها صورة راعى بقر أمريكى على صهوة جواد!.
ومن يوافق مع سيمبا فى أن مقرر هذا العام يزيد من غبائنا غباءً، إلا غريب يحاول أن يضرب جذوره فى عمق المدينة.
كل المقررات عند سيمبا سواء، أو كما يقول هو ساخراً (كل شىء عند العرب صابون!).
وما هى أهمية المقرارت الغبية بالمناسبة! وهل تزيد هذه عن مجرد حشو كل ما هب و دب فى ذهن التلميذ بدلاً من إطلاق شرارة الإبداع فى مكامن عقله؟ أليس سيمبا على حق؟
قد تجد فى شنطة زميلى كتبا تجاوزناها من سنين، إلى جوار كتب أحد إخوانه فى الصف السابق لصفنا!
كيف وصلت هذا الكتب إلى عندك يا سيمبا ؟ لا أحد يدرى، المهم أن تكون الشنطة المدرسية ثقيلة. هذا هو الهدف والغاية!
بعد انتهاء اليوم الدراسى، نذهب جميعاً لنشبع بطوننا الخاوية، أما سيمبا فيذهب إلا وسط المدينة لإعلان موهبته أما الملأ!
أبواب معرضه مفتوحة للناس، كل الناس، آناء الليل وأطراف النهار، بلا مقابل!
يرسم سيمبا على جدار الجامع المطُلَى حديثاً، كما يرسم أروع لوحاته على حائط الكنيسة الذى لا يُطلى أبَداً!
كل جدار فى كسمايو بالنسبة له لوحة للإبداع، سيان عنده حائط الكنيسة والجامع. جدار مكتب المحافظ ومكتب البلدية، و جدار مركز الشرطة أو جدران محلات الهنود والطليان.

ولسيمبا فريق من الأتباع، وتلاميذ مجتهدون. شبانٌ محرومون، أطفال خانهم المجتمع، وأنكر عليهم حقهم فى التَعَلُم، حقهم كبشر. أطفال شبوا عن الطوق فى الشوارع.

عندما تقف الشمس فى كبد السماء ويختفى ظل الناس بين أرجلهم، وتقل الحركة فى المدينة يهرع أتباع سيمبا إلى ظلال أشجار الحديقة المركزية الوارفة فى اتنظار إطلالة معلمهم التى لا بد وأن تظهر بين سراب الظهيرة بعد انتظار قد لا يطول، فيهبون لاصطحابه لأقرب جدار نظيف أينما كان فى المدينة لتبدأ ساعة الإبداع عند القيلولة.

يرسم سيمبا على الجدار بكل براعة صورة طبق الأصل لغابات جوز الهند والمانجو عند مصب نهر جوبا. أو يرسم طائرات مغيرة على هدف أرضى، ومضادات تتصدى لها بوابل من صواريخ أرض جو. أو قارب شراعى يصارع الموج فى عمق المحيط . ويلون الشبان من خلفه، ثم يأتى عليهم الدور ليرسموا وعَلَى سيمبا أن يلون ليُظهر المكنون والأبعاد، و ليقدموا سوياً لمجتمع كسمايو فناً راقياً و بدون مقابل! وكأن لسان حالهم يقول: بلادنا وإن جارت علينا عزيزة .. وأهلنا وإن ضنوا علينا كرام.

أليس من حقهم أن يقولوا ذلك! بعد أن أخذوا على عاتقهم تجميل مدينتهم دون مقابل!
قد يكتشف أتباع سيمبا يوماً جزءا صالحا للرسم فى جدار مكتب البريد القديم، أو جدران المستشفى والمصرف أو أحد المطاعم فيتحول ذلك الجدار الأصم فى دقائق معدودات إلى لوحة رائعة تنعش النفس وتسر الناظر.

وفن فريق سيمبا لا يحتاج إلى فرشاة، أو ألوان زيتية أو حتى مائية، تلك ألأشياء بالنسبة لهم ترف وكماليات لا يحلمون باقتنائها.
قليل من الفحم النباتى من مطبخ اُم سيمبا، وقليل من طباشير المدرسة الأبيض، أما الطباشير الملونة فتأتى من عند شبان الشوارع.
من أين لهم هذا؟ لا أحد يدرى! ولكن قد يكون من دكان القرطاسية أمام الجامع الكبير. دكان العجوز الطليانية الرؤفة، التى لا تفرق بين أغنياء المدينة والملمعين لأحذيتهم من شبان الشوارع وتبتسم للجميع.

عقب اليوم الدارسى لا تكون غايتنا إلا فى إشباع بطوننا، أما غاية سيمبا فهى إشباع آدميته!. يدرب أجيالا من المحرومين فى شوارع المدينة ليشعل فى قلوبهم حب الفن و فن الحياة! هذا هو الفرق بيننا وبينه. كيف نستوى إذاً! ونفهم لغة فنان يحمل رسالة إنسانية. سيمبا، خُلِقَ مبدعاً، أما نحن، فما نحن سوى أشرطة تسجيل صماء ينقش عليها كلام المدرسين ولا تبدع!
تماماً كما كان أجدادنا الأولين! إنا وجد آبائنا كذلك يفعلون! وإنا على آثارهم للتخلف مهتدون!

عندما يحين موعد حصص الرسم لدينا، ويقرع اُستاذ شفيق باب فصلنا، تعمل كل خلايا جسم سيمبا بانسجام غير معهود، ويبدء التناغم بينه وبين مريده مدرس الرسم، وندخل سريعاً فى تجليات التصوف فى أسمى معانيه، ويتحول الفصل إلى معبد بوذى يعبق بالعطر والشذى وتفوح منه رائحة بخور الشرق، وتَهْدأُ الأنفاس ليبدأ التسبيح ويقلب السحرة سبورتنا فى طرفة عين إلى “نار جهنم”، تتدفق منها ألسنة اللهب كجلاميد صخر حطه السيل من علٍ، وجلود بدلت بجلود، وزهيق وزفير ويسرع الجميع للاستغفارخوفاً من الثعبان الأقرع، وعذاب القبر.

وفى طرفة عين اُخري تقلب سبورتنا إلى فردوس مفقود، قطوفه دانية، وحورعينٌ كاسيات وغير كاسيات، سندس و إستبرق وولدان مخلدون، وأنهار من عسل، وأنهار من خمر، وأكواب مملؤة لذة للشاربين، ويسيل لعاب أفواهنا، هذا ما كنتم توعدون، أدخلوها بسلام آمنين. نشهق جميعاً، ولا أحد يفيق!

وفى لمحة بصر أو أقل نري على سبورتنا أكبر شارع فى مدينتنا، هذا الدكان نعرفه وهذه الزاوية نعرفها وهذه العمارة يعرفها الجميع ونعود إلى دنيانا رويداً رويداً، وترانا سكارى وما نحن بسكارى ولكن للفن أثر شديد!

ورافق سيمبا شيخة حولين كاملين، أخد منه اُصول الرسم، وفقه الألوان، ومنهج الخطوط، وأحكام الأبعاد وإشتد ساعده فى قوافى الرسم فلم تعد كسمايو له ذات معنى فشد الرحال إلى حَمَرْ[3].

فتح سيمبا مرسمه فى عمق حى “شنغانى” العتيق ، وطغت شهرته أفاق المدينة فى أيام معدودات، فمن شهد منهم لوحاته عاد إليه من جديد. وبدء التعامل مع الفنادق والمطاعم والمقاهى ومحلات التجارة والمسارح والوزارات والمدارس ووظف سيمبا العشرات من أتباعه فى كسمايو وإنهالت عليهم العقود وأصبحت لديهم سكرتيرات، ومدير أعمال وتوقيع معروف، وماركة مسجلة وسيارات و منازل وذهبوا إلي الحج والعمرة، وتزوج الجميع وأنجبوا وأصبحوا قوماً صالحين.

———————————————————————————–

تابعوا الحلقة الثانية غدا..

---------------- هوامش -----------------------
  1. سيمبا هو أحد أكثر الأسماء التى تطلق على الذكور شعبية فى مدينة كسمايو قبل تدميرها وتغيير تركيبتها السكانية من قبل القبائل الغازية من الأقاليم الوسطى عقب سقوط الحكومة المركزية فى باكورة 1991. وهي كلمة سواحلية تعني “أسد”، ولا زالت تطلق على الكثير من أبناء براوة []
  2. مواليمو: تعني بالسواحيلية “المعلم” وهو لقب يطلق على معلم القرءان كما يطلق على مدرس المدارس النظامية، وقد تستخدم بنفس المعنى الذي تستخدم كلمة “المعلم” عند إخواننا المصريين []
  3. حَمًرْ: الإسم المحلى لمدينة مقديشو عاصمة الصومال []

4 تعليقات

  1. الله يهديك يا سيدي شو هذاالقلاقل والفتن التي تزرع بها في صدور القراءاعني foot note الذي كتبته تحت سطورك المسمومة
    واعلم انني ناقد الفاظ كما انت ناقد اجتماعي

    وشكرا للك

  2. أولا أشيد قلمك وتجهاتك المسببة للخلاف والشقاق، وكذا طريقة تفخيخك للكلام بغية العبور إلى بؤرة الجدال (المقصد الأصلي لنصوصك) في غفلة من القراء، محدثا بذلك فانتاسيا النقاش المحتدم المشبع بحاماض الكبريتيك، يتقيا خلالها الضعفاء العاجزون عن التبرير على أروقة التعليقات دما.

    أعتقد أنني وجدت لب القصة في الفقرة الأولى والآخيرة. وليش شرطا أن يكون الأمر متعلقا من قريب أوبعيد بفن الرسم أو ألوان الريشة، وتلك غاية كل ناقد ينتمي إلى أرض الصراعات والقتال السرمدي.

    • عزيزى/ عبدالله عيسى قم
      المقال الإجتماعى يكون فاشلاً فشلاً ذريعاً ما لم يحرك المياه الآسنة، ويزلزل قواعد الثوابت الأزلية، ويحث الناس على الثورة و قلب الطاولة على الواقع المعاش، من أجل غد أكثر شفافية وأكثر عدلاً.
      ما أكتبه يثير الجدل، ويحتدم حوله النقاش وذلك لأنى أضغط على الجرح المتقيح طلباً للعلاج.
      عند الضغط على الجرح المتقيح وإستخدام المطهرات الحارقة لعلاجه، يتذمر المريض، وقد يوجه عدوانية شديده، وكلمات نابية نحو معالجه! هذه قضية معروفه.
      على المعالج أن يدفع الثمن، بتحمل عدوانية المريض والإستمر فى علاجه إلى حين الشفاء، لأن علاج المريض واجب إنسانى مقدس بصرف النظر الثمن المدفوع فيه.
      على كاتب المقالات المعالجة للأزمات الإجتماعية أيضاً دفع الثمن بتحمل عدوانية الشرائح الإجتماعية المتلقية لمطهراته الحارقة، والإستمرار فى علاجة للإزمة، لأنه إن لم يفعل ذلك يكون خائناً لضميره الشخصى والمجتمع الذى أنسنه.
      تفخيخ الكلام لا ينطلى على أحد! ولكى تكون ناجحاً فى حياتك يجب أن تنطلق من موقف أنك لست أذكى الناس، وأن الكل أذكى منك!
      شكراً على المشاركة.
      دمتم بخير.

%d مدونون معجبون بهذه: