التقطت أنفاسها الأخيرة في أحضان طفلها الغارق “بدمه”

في  صبا ح مدمج بالخوف , والسكون , ومخيم بالحزن والألم وسماء ملبدة بالطائرات , وغبار يخطف الأنظار فالذبابات تطلق النيران , وتجرف الرمال الصفراء , لتسكت كل متحرك , فالجميع في مخبئه, وفي يوم من أيام الحرب علي غزة, كانت عائلة البابا في المنطقة الشرقية من بيت لاهيا شمال قطاع غزة يعدون طعامهم علي نيران الحطب , فكانت أنعام البابا تعد الطعام ويلهو حولها أطفالها , رغم الخوف الذي يعتلي قلوبهم , وطالبت الأم أولادها بالاحتماء داخل حجر المنزل , ولم يبقي سوي ابنها محمد اثني عشر عاما والذي رفض تركها تواجه الخوف وحدها , وفجأة أطلق رجال المقاومة صاروخا علي البلدات الإسرائيلية المحادية , فأخذ الطفل يصرخ علي والدته , ويستعجلها للاحتماء لعلمه بقسوة الاحتلال في الرد لدفع المدنيين دمهم مقابل ذلك فبعد لحظات أطلقت آليات الاحتلال قذيفة لتسقط في فناء منزلهم , فاحتضنت طفلها المغرق بدمه والتقطت أخر أنفاسها لتودع الحياة , ونقل الطفل المصاب إصابة خطره في رأسه إلي المستشفي عدة أيام ليفارق الحياة بعدها وينتقل لوالدته التي رفض العيش بدونها ليسود منزلهم الهم والحزن , ويحرم الأطفال من نبع الحنان .
 وقالت ابنتها أسماء 14عاما ” لقد فقدت الرغبة بالحياة بعدما رأيت أمي وأخي يغرقون بدمائهم , ولم أستطع فعل شي لهم , وما زالت  تسيطر صورتهم علي عقلي ولم يعد لدي القدرة علي التحصيل الدراسي , فأثناء الحصة الدراسية أشرد بمخيلتي للذكريات الجميلة , مع والدتي وأخي الذي كان صديق لي , وأحلم أن أعود وأجدهم في المنزل ثم أعود إلي الواقع المرير , ليمتلأ قلبي هما وحزنا , ولم يعد لدي حلم سوي الموت والرحيل إلي والدتي , ولم يبقي لدي سوي إخوتي الصغار فانا الآن أم لهم , سأربيهم علي حب الوطن لينتقموا لأمي وأخي من الاحتلال عندما يكبروا , وهذا ما ربتني عليه والدتي , واحمرت عينيها لتقطر دمعا وتكمل حديثها كانت أمي حنونة جدا وصديقة للجميع , وبكي عليها كل الأطفال المقربين  حيث كانت تحنو عليهم جميعا وكانت تبكي كلما رأت الشهداء في نشرات الأخبار , وتقول اللهم أطعمنا الشهادة , وفي يوم استشهادها كانت تحتضننا وتحدق فينا بشكل غريب , وكأنها تودعنا , وفي يوم الاستشهاد أصيبت زوجة عمي مع والدتي , لكني أسعدت كثيرا لنجاتها فهي حنونة جدا علينا , وكانت كأخت لوالدتي فنحن نعيش في منزل مشترك , واتمني أن لا تحرم فتاة من والدتها لأنه أمر صعب جدا .
وقال زوجها يحيي البابا 38 عاما ” في يوم استشهادها كانت تلتحق بي أينما ذهبت , وفي أي مكان وتنظر إلي فاندهشت من الأمر وقالت لي ما يدريني ربما أحرم من رؤيتك بعد ذلك فتناولنا الفطور المكون من الزعتر والزيتون  وبعدها أشعلت لها نار من الحطب في فناء المنزل لإعداد الغذاء لعدم وجود غاز الطهي في قطاع غزة , وكنا خائفين كثرا حيث نسمع أصوات الصواريخ بشكل متواصل , ولم نعلم بالأخبار لانقطاع الكهرباء وكانت آليات الاحتلال قريبة من منزلنا , وفجاه سمعنا صوت صاروخ للمقاومة الفلسطينية , فاختبأنا جميعا وحاولنا إجبارها علي ذلك لكنها رفضت وبقي ابني محمد بجانبها ورفض الاختباء بدونها  , فالاحتلال معتاد علي إطلاق القذائف عل منازل المواطنين , ولحظات  شعرنا بزلزال اهتز بمنزلنا , فوقعنا راضا وامتلأ منزلنا بالدخان أخذ الأطفال بالصراخ , وخرجت وجدت زوجتي محتضنه ابني محمد وما زالت به الروح أما هي فاستشهدت علي الفور , ونقل محمد إلي مستشفي الشفاء وكانت ممتلئة بالشهداء والجرحى وبعد أربعة أيام فارق الحياة وأقمنا عزاء آخر وما زال الحزن يسيطر عليَ حتي هذه اللحظة فأنا فقدت اثنين في لحظة واحده وقد كانت زوجتي امرأة حنونة ومطيعة جدا , وما زال ابني الصغير امجد يسأني عنها , واعجز عن إجابته فيجب وحده بان والدته رحلت إلي الجنة , وحينما أري ابنتي أسماء حزينة اشعر بنار في قلبي من أجلها وأتساءل ماذا فعلنا للاحتلال ليحرم أولادي من أمهم و أخيهم .

تعليق واحد

  1. تحايا حارة للسبّدة احلام. تصوّر يعبّر عن واقع مؤلم. ولكنّي اطمئنك ومن تتحدّثين عنهم انّ الشهداء احياء عند ربهم يرزقون.
    وشكرا.

%d مدونون معجبون بهذه: