رحلة مغترب.. قصة قصيرة !

كان مشتعلا بالأمل والطموح والحماس ، عُرف بمبادراته وجهوده في حث الشباب على البقاء في الوطن والتشبث بالأرض ، وتوعيتهم حول التغيرات السلبية التي تطرأ على الفرد فور وصوله إلى بلاد الغربة والاغتراب ، برز في مجالات متنوعة تبدأ بتأليف القصص الغرامية والكتيبات الخاصة بشؤون الأسرة وحضانة الأطفال ، ولا تنتهي بتنظيم الأندية الثقافية وتنسيق الندوات الفكرية التي يحضرها – عادة – زمرة مختارة من أرباب القلم والرأي والمشورة ، وفجأة ، بدأت أحاديث ” عبده ” وأحاسيسه تأخذان منحى آخر ، فأخذ يتحدث في كل لقاءاته وجلساته – بمناسبة وغير مناسبة – عن تفهمه للأسباب التي تدفع الشباب لترك البلد ومغادرة مسقط الرأس ومرتع الصبا والطفولة وامتطاء مركب الانتقال والارتحال ، وبدأ يستعرض مع كل قريب وبعيد النعم المتكاثرة والمنن المتناثرة التي حبا الله ” دول الغرب ” ، وعن النقلات النوعية التي ستشهدها حياة كل من يتخذ منها بلدا وموطنا !!

لاحظت الحاجة برني – والدة عبده – على ابنها شرودا ذهنيا مستفحلا ونحولا جسديا متفاقما ، فسألته عما به ، فأجابها بنبرة حزينة وصوت متقطع : (أنا مصاب بصداع نصفي مزمن يا أمي ، وتعتريني نوبات أرق وانعدام نوم ليلا ، وتنخفض شهيتي للطعام بشكل مستمر ، وأحب إطالة المكث في المنزل وعدم مغادرته إلا للضرورة القصوى ) ! ..

اقتربت الحاجة برني من ” عبده ” وقالت له بلهجة واثقة يملأها الإيمان والتوكل : ” الطبيب هو الله ، ولن نتضجر أو نتذمر مما قضى وقدر ، ونترك أمر العلاج والشفاء لله ؛ لأنه – هو – وحده الشافي والمعافي ” ، ونفثت على كفيها بعض التعاويذ القرآنية والابتهالات النبوية ، ومسحتها على رأسه وأنحاء واسعة من صدره ! ، وفجأة ، استجمع ” عبده ” قواه الخائرة واستعاد عافيته الغائرة ، وتلفظ بكلمات خافتة وخفيضة ينقصها التركيز : ( معظم أصدقائي ساعدهم أهلهم وذووهم للوصول إلى أمريكا ، وتحقيق الحلم الأمريكي المتمثل في الترفه والتنعم والتنزه هنا وهناك ، وتمكنوا من تأمين وظائف مرموقة ، ويمشون الآن بسيارات فارهة ، ويأكلون من أفخر المطاعم ، ويلبسون أحدث الصيحات من الملابس ، ويمطرون على كل من يحبهم ويحبونه بصنوف العملات من دولار ودينار ودرهم .. آه .. يا لحظي العاثر دوما ) !!

أدركت الحاجة برني أن ” عدوى ” الهجرة المنتشرة في أوساط شباب بلدتها قد تسللت إلى ابنها – على حين غفلة منها ، وأنها لو لم تأخذ خطوات جادة وعاجلة فإن حال ” عبده ” سيصبح أكثر سوءا وكارثيا ، وفعلا ، اجتمعت ” برني ” مع أفراد العائلة ، ودخلت معهم في نقاشات طويلة وعميقة حول سبل إخراج ابنها الوحيد من دوامة البؤس والإحباط وقلة الحيلة التي وجد نقسه فيها ، وأخيرا ، اتفقت كلمة الجميع على بيع بيت العائلة الوحيد وقطعة أرض لها ، وذلك لتحقيق حلم ” عبده ” بالانتقال إلى بلاد العم سام للحصول على غد أفضل ومستقبل أزهر !

اتصلت الحاجة برني بمدير أكبر مكاتب التهريب في مدينتها ، وأخبرته عن رغبتها في بعث ابنها ضمن قوافل الشباب الذين يتم تهريبهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية عبر عشرات الدول في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في رحلة محفوفة. بالمخاطر ، وعبرت له عن استعدادها لدفع كل ما تملك لتحقيق هذا الهدف ، وفعلا ، دفعت ” برني ” – بشق الأنفس – المبالغ الخيالية التي طلب منها المهرب لتسفير ” عبده.. ” !

ودّع ” عبده ” أمه المكلومة وأفراد عائلته والبقية الباقية من أصدقائه في المدينة ، وحزم أمتعته وحقائبه ودخل في رحلة شاقة وقاسية مع 48 من خِيرة شباب وشابات بلدته ، استغرقت الرحلة 67 يوما ، وانتقلت عبر 13 بلدا ، وأخيرا استقر به الحال في الولايات المتحدة !

أصيب ” عبده ” بـ ” ذهول ثقافي ” مستحكِم فور وصوله إلى أمريكا ، وذلك لاختلاف المجتمع الأمريكي عن مجتمعه في العادات والتقاليد والأعراف واللغة والديانة ونمط الحياة ، ووجد صعوبة بالغة في التكيف مع الإيقاع السريع الذي تتصف به الحياة في أمريكا ، كما أنه لم يتمكن من تأمين فرصة عمل مناسبة ، وهو ما دفعه – مؤخرا – للاتصال بوالدته وإخبارها بأنه يكاد يكفر بـ ” الحلم الأمريكي ” – الذي لطالما داعب خياله – ، وبأنه يفكر- جديا – بالدخول في رحلة عكسية نحو الوطن لو وجد إلى ذلك سبيلا – تاركا أمريكا وأحلامها وراءه !!

%d مدونون معجبون بهذه: