حب في محكمة البشر [2-2]

….. نمت تلك الليلة وأنا مصحوب بمشاعر ممزوجة بين الفرح والانتظار وكذا الخوف من الرد الذي قد يكون سلبياً، أستيقطت على رنين متواصل للهاتف؛ وما أن رفعته حتى أتاني صوت والدتي الغاضبة جدا ، ولم أستطع في بداية الأمر معرفة السبب إلا بعد ما طلبت منها أن تُفهمني بهدوء  عن ماذا تتحدث ؟

  • علي ؛ ما هذا الجنون الذي سمعته من والدك، ووالدك موافق أيضا على هذا الجنون ..
  • أمي.. ما الجنون في أن أخطب وأتزوج ؟
  • لا شيء؛ ولكنك نسيت من أنت ومن هي ؟
  • لم أفهمك يا أمي، ماذا تقصدين بمن أنا ؟
  • ابني.. لا أريد أن أخوض في هذا الموضوع فقط أريد منك أن تنسى تلك الفتاة ، امسحها من داخلك أوعدني بذلك..! .
  • أمي.. لا أستطيع أن أعدك بشيء دون أن أعرف السبب .

لم تخبرني أمي ما السبب في غضبها من الخطبة وأنا لم أخطب بعدُ بشكل رسمي ، حاولت أن أتواصل مع أمي حتى أقنعها لمدة شهر، وبعدها وافقت على أن لا يكون لها يد بهذا الزواج ، آلـمني ذلك بشدة ، ولكن كنت أُؤملِ النفس بأنها سوف ترضى مع مرور الزمن .

مرت الأيام وتخرجت وعدت إلى بيتي ، وشرعت في البحث عن وظيفة ، وفعلاً حصلت على وظيفة هي كانت بمثابة حلم الكثيرين ، شعرت بأن الدنيا ابتسمت لي، ولم يبق إلا أن أكمل نفسي بالزواج ، خاصة بعد أن اقتربت من ” أمل ” كثيراً، شعرت بأنه ليس هناك داعٍ لكي أتردد ، خطبت فتاتي وتمت الموافقة بشرط أن يتم الزواج بعد تنتهى فتاتي من الدراسة ، لكن ذلك الوضع لم يرق لي كنت أخشى أن تطير عصفورتي الجميلة من عشي لذلك طلبت أن أعقد قراني بها ، والحمد لله تمت الموافقة وشرعت أنا بتسريع الإجراءات ، وأمي صامتة لا تشارك بشيء فقط تنظر ، شعرت بالقلق من صمت أمي فصمتها يحيرني ، واستعجال والدي الذي يفوق استعجالي يربكني.

أتى يوم العقد ، وكنت أشعر بأن فرحي ناقص، لا أعلم لماذا؛ ربما لأن أمي ليست فرحة بفرحتي ، جلسنا أمام الشيخ لكي نبدأ ، وبدون سابق إنذار سمعنا صوت يطلب منا أن نتوقف ، خفت ، شعرت بأني بارد مثل الثلج ، دخل صاحب هذا الصوت ، عرفت فيما بعد بأنه أبن عم أمل ، ضج بصوته المكان ، ولا أفهم عن ماذا يتحدث ، لحقه صوت آخر .. وآخر ، الكل يطلب رحيلنا من المكان فورا مع كم هائل من الشتائم ، ويتهمونا بالخداع والتدليس ، وأنهم اكتشفوا حقيقتنا ، نظرت وجه والدي أطلب منه أي توضيح ؛ لكنه كان في عراك مع الدخلاء ، كان الوضع مشوشا غربياً يملأه الحوار العدائي ، ماذا يقصدون بأنني لست أهل لهم ، لماذا يطعنون في بنسبي ألا نتشارك نفس القبيلة ، وبعد فترة رحلنا دون أن نحصل على أي نتيجة .

كان والدي يغلي غضباً ، لم أساله عن السبب ، فلم أستطيع لأنه كان في وضع مخيف ، عدنا إلى المنزل واستقبلتنا والدتي التي لم ترافقنا منذ البداية ، لم تكن متفاجئة بل هادئه و كانها كانت تتوقع هذه النتيجة ، كل ما فعلته بأنها اقتربت مني وربتت على كتفي وقالت سوف أزوجك بملكة البنات ، لا تحزن ، وأخذتني بيدي إلى غرفتي وهي تشرح لي ، بأن جدي الأكبر قام بفعل …. واستمرت أمي بالحديث وقد كنت أنا في وادي آخر ، وكل ما قالته أمي هو عبارة عن طلاسم لا أفهم معانيها ، نظرت أمي بعيون دامعة، وقلت لها أمي كلامك معقد لا أفهمه، ولا أفهم أي كلام سوى إني أحب أمل ، أنا أحب أمل ، هي سهلة يا أمي لا تحتاج إلى شروحات ولا إلى تفسيرات ، أنا لا أفهمكم .

مر عامان على ذلك اليوم الذي رفضتني فيه صاحبة الحقيبة الصفراء ، من دون نقاش ، وقطعت معي كل خطوط التواصل، حاولت أن أراها كثيراً ولكنها رفضت مقابلتي بشدة، صممت على رؤيتها مهما كلف الأمر ، كنت أريد أن أخبرها بأني أنا “علي” الذي عرفته لم أتغير ، لم أخدعها أنا مثلها وليد الغربة، لا أعرف النسب الأصلي ولا المزيف ، لا تربطني بماضي الخرافة والحجر ، وقفت أمام بيتها لساعات ، ولأيام ، ولم يتغير شيء، سمعت فيما بعد بأنها سافرت إلى الدراسة، ضاقت علي الدنيا وكرهت مدينتي وشوارعها الفارهة ، ورغم ازدحامها أصبحت تشعرني بأنها فارغة ، قررت الهجرة إلى القاهرة وترك كل شبر يذكرني بها .

تغيرت كثيرا ، لم يعد ذلك الوجه البشوش يعرفني ، نسيت روحي المرحة ، كنت مثل الرجل الذي يُقتل ويظل على قيد الحياة ، لم تقتلني أمل بقدر ما قتلني كذب البشر، وظلم البشر ، وحكم البشر ، فهم جعلوني نصف إنسان ، ومهما حاولت أن أكون إنسانا حقيقيا أظل بنظرهم شبه إنسان ، ويذكروني دائماً بأنني شبه إنسان ، ما أقسى حكم الإنسان .

%d مدونون معجبون بهذه: