حب في محكمة البشر [1-2]

لم أكن يوماً شاباً عاطفياً أو يدعي الرومانسية ، لا، لم أكن كذلك ، ولا أذكر أني تساءلت عن العشق ولا أحواله بطريقة جدية ، ليس لأني في عراك مع الحب ، لا ، ولكني كنت آخذ كل أمور الحياة بروح المرح والنكتة ، فقد كنت دائما صاحب حضور لطيف وأنيق، ورغم مرحي الشديد كنت أراعي مشاعر الآخرين ، وفي نهاية يومي أنام ملء جفوني نوماً عميقاً خالياً من الأحلام الوردية.

 انتهيت من سنواتي الجامعية الأربعة والتحقت ببرنامج الماجستير في تخصصي الهندسي ، وبذلك أطلت سنوات غربتي عن حضن الأهل ولكن أصبِّر نفسي بحلم؛ بأن كل شيء سوف ينتهي يوماً ، وأني سوف أعود محلقاً إلى عشي الدافئ وأنا مهندس محترم ، وتقف لي الدنيا ، وأجعل والداي يفخراني بي ، وأحلم واستغرق في الأحلام، هكذا هي الأحلام دائماً جميلة ، ومغرية ، ومثيرة ، وتعطي الروح نشوة ، والنفس سلوان ، تغيّبنا للحظات عن الواقع أي ما كان ذلك الحاضر.

 في واقعي كان كل شيء يسير على وتيرة هادئة ، وعلى نفس الروتين المعتاد ، الذي يحمل التكرار الحياتي ، حتى جاء ذلك النهار المفصلي في حياتي ، والذي غيّر حالي وقلبني رأسا على عقب ، وكان ذلك اليوم يوم إجازة ولكني فضلت قضائه في المكتبة ، وأنا خارج من مكتبة الجامعة صادفت فتاة جميلة سمراء في وضع فوضوي تحمل كتبا كثيرة وتناضل بيدها اليمني لتلتقط شيئا من الأرض واليد الأخرى تحاول بها أن تُبقى الحجاب فوق رأسها ثابتا ، وتتعثر من شدة الرياح التي تهب ، وعلى ظهرها حقيبة صفراء ، استوقفتني تلك الفتاة ، وظللت أراقبها حتى تمكنت من مسك الشيء الذي جاهدت على الإمساك به، لا أعلم ما هو ولكني أعلم بأن تلك الفتاة آسرتني، كانت مثل الشمس التي فتحت نوافذها علي ، وقفت أنا أمام تلك النوافذ مشدوهاً ، مبعثراً ، أحاول أن استعيد رباطة جأشي ، وأتساءل يا إلهي ماذا جرى لي ، ماذا حدث لي ، قدماي عجزتا عن الحِراك ، هل هذه كذبة الحب ، أم أسطورة العشق من أول مرة ، يا إلهي كيف أفسر ما لا يفسر ، مشت فتاتي حتى تجاوزتني في الباب ودخلت المكتبه وأخذت معها ذلك اليوم راحة البال التي كنت أتمتع بها .

طوى المغيب شمس ذلك اليوم وهو غريب عني لا أعرفه ليس كباقي الأيام تركني ناقصا ، جعلني لا أعرف نفسي ، وأخطئ في بعض عناويني ، ونبض قلبي يزداد بشكل يُخيفني ، أنا غارق أريد من ينقذني ، من يشبهني ، من يرسمني بألوانه ، من يعيد إليّ خريطة روحي ، وياليتني أستطيع أن أعود بالتاريخ إلى الوراء وأنزع ورقة ذلك اليوم من التقويم الزمني، وأمحو من مخيلتي طيف صاحبة الحقيبة الصفراء المزعج ـ ولكن ذلك لم يحدث بل أصبحت كل نهايات فكري تقودني إليها من حيث لا أشعر .

 بحثت عنها كثيراً ، وأنا لا أعرف لها اسماً ولا عنواناً ، وبعد مرور شهرين من ذلك اليوم دعُيت إلى حفل نظمته السفارة الصومالية بمناسبة اليوم الوطني ، صادفتها هي، لم أشك للحظة بأنها هي نفسها – فتاتي- صاحبة الحقيبة الصفراء، وكانت تتحدث مع إحدى قريباتي ، ومرة أخرى قدماي خذلاني بدل ما تقوداني إليها هربا هروب المجرم الذي يتنصل من مكان جريمته ، ذهبت مسرعاً إلى أقرب مقعد، ورميت جسدي عليه ، مقطوع النفَس ، مرتعشا مرتجفا ، وبعدها بفترة رأيت نفسي وأنا ابتسم وأهز رأسي مؤكداً لصدق رسول الأرواح محمد صلى الله عليه وسلم ، هذه الأنثى خطفت لبي بغفلة ، حتى أصبحت حياتي بدونها خالية ، وأخيراً انتهى الحفل، ولم أر في حياتي حفلاً بهذه المدة الطويلة .

 ما أن حصلت فرصة للاختلاء بنفسي حتى سارعت وهاتفت قريبتي والتي استغربت اتصالي.

  • علي، معقول.. المهندس علي يكلمني ، ما الذي حدث، هل الشمس أشرقت غرباً حتى تهاتفني ؟

فعلاً أنا مذنب في حقها فأنا أنسيت وجودها تماماً في الفترة السابقة ، شعرت بتقصيري تجاهها واعتذرت لها، وكررت الاعتذار وكررت، ما هذا، لماذا تحتاج المرأة إلى هذا الكم الهائل من الكلمات حتى تفكر في أن تقتنع ، وبعد ما لطفت الأجواء سألتها – على خجل – عن تلك الفتاة التي كانت برفقتها ..كم أكره هذه اللحظة، أخشى أن تتهكم عليّ، وفعلاً لم تخيب ظني؛ أسمعتني ضحكة عالية، وخاطبتني بلومها..! علي.. ماذا هناك ، لم أعهد بك تبحث عن فتاة ، أم هذه بداية مرحلة جديدة.

  • لا ، يا سميرة ، قررت فقط أن أجهز نفسي للارتباط ، كما تعرفين أنا.. كم شهر وأكون قد انتهيت ، ولذلك أستعد للصفحة القادمة من حياتي .

فرحت سميرة لهذا الكلام، وشجعتني أن أخطو هذه الخطوه ، وقالت إن أمَلْ فتاة تقدر بالذهب ، آه .. قلت في نفسي [حقا هي أملي.. اسم على مسمى ] ، وفي سياق المعلومات الكثيرة التي قُدمت إليّ بسهولة عرفت بأن صاحبة الحقيبة الصفراء من نفس المدينة الخليجية التي قدمتُ منها ، ووعدتني سميرة بأنها سوف تأتيني بالخبر الأكيد من طرفها بخصوص مشاعري تجاهها.

وبعد فترة وجيزة أخبرتني بأنها أي أمَلْ موافقة ولكنها ترفض الخوض في هذا الموضوع الآن؛ لأنها في مرحلة الدراسة ، لم أقتنع بهذا الكلام، فأنا أيضا طالب ، ومن جانبي هاتفت والدي متسرعا .أسابق الزمن البطيء كي أظفر بها ، وأخبرته بأني أريد أن أخطب بنت فلان ، ففرح والدي كثيراً بهذا الكلام وقال بأن أباها إنسان فاضل، وهي من عائلة محترمة ومكافحة ، وقال بأنه سوف يتحدث مع والدها..!

%d مدونون معجبون بهذه: