أوراق الماضي [2-2]

… تتابعت عليه المشاهد حتى بزوغ ضوء الفجر، وكانت ليلة متعبة بحق، وعاتب فيها أمه بصمت في مخيلته ومن خلف البحار ، نعم ..عاتبها؛ لأنه اضطر إلى العمل وهو بعمر عشر سنين، وعاتبها بألم؛ لأنه خرج من مقديشو وحيداً خائفاً هارباً من شبح الحرب إلى كينيا، وهي كانت مع عائلة صنعتها بقلبها وبجوار رجل اختارته بجوارحها وتزوجت به؛ وأصبحت بعد ذلك أمّاً لأبناء آخرين يقاسمونها لحظاتها، عاتبها على كل لحظة عناء لم تكن هي بجواره، جرحه ذلك الفراق القسري، وتركت في نفسه ندوباً تحتاج إلى مداواة، وربما المداوي لتلك الجراح هي فقط أمه. بعد تفكير طويل اختار طريق المواجهه قبل فوات الأوان، وأن ينعتق من سلاسل الماضي.

في اليوم التالي وقبل موعد القطار بقليل أخبر زوجته وأبنائه الخمسة بأنه مسافر إلى أديس أبابا، ولم يوضح لهم لماذا، ومشى إلى الباب.. فتبعته زوجته التي أحست بالخطر بحسها الأنثوي وبغريزتها التملكية، وهي تستفسر..! وأصرت هذه المرة على الجواب، ولم تكتفِ بملازمة الصمت؛ فألحت عليه مراراً ، إلحاحاً أشعل في نفسه مشاعر طالما انتظرها منها ، تغار عليه، تحافظ عليه، تخشى أن يشاركها فيه أحد، يبدو مع طول السنين العشرة احتاجت مشاعره إلى هزات لتستيقظ من جديد، ربت على كتفها وهمس لها قائلاً: أنا لكِ لآخر رمق ، وتركها ذاهباً إلى مكتب السفريات، حجز وبعدها بأسبوع حط رحاله في مطار أديس أبابا .

كان المطار مليئا بأهالي المسافرين ، وكثير منهم يحمل باقة ورد يهديها للقادم مع كثير من دموع الفرحه ، و كم تمنى بأن تخطئ هذه الورود طريقها وتصل إليه مع ابتسامة رقيقة؛ وهو فعلاً يحتاج إلى ذلك، لكن ذلك لم يحدث، قرر – بما أنه أتى إلى إثيوبيا – أن يتمتع بطعم القهوة الأصيلة؛ فبحث عن مقهى (كوفي شوب) قريب؛ وما أن خطا سعيد بخطوات في طريقه حتى استوقفه رجل يناديه باسمه قائلا له : سعيد.. أهلا بك ، أنا أخوك الأصغر أحمد؛ فتفاجأ سعيد ونظر إليه نظرة مستفسر، ثم تدارك سعيد الموقف، وتبادل مع أخيه كلمات ترحيبية باردة ، وقاله له أخوه.. هل تريد أن تذهب لترتاح ؟

– أفضِّل ذلك؛ ولكن كيف حال أمك ؟

هز رأسه وابتسم ابتسامة جانبية، وأجاب أمُّنا جدا مريضة، وتركتها الآن وأنا كلِّي خوف من أن تفارق الحياة وأنا لست بجانبها، إذا كنت تريد الفندق سوف أجعلك ترافق التاكسي وأنا أعود إلى المستشفى. لا، لا، هز سعيد رأسه، وقال أنا سوف أذهب معك.

بعد نصف ساعة وصلا إلى غرفة أمِّهما؛ فتردد سعيد – أولا – في أن يدخل الغرفة ؛ ولكنه تشجَّع ودخل الغرفة، ووجد سيدة ضعيفة.. جدا واهنة ، مغطاة بكثير من الأجهزة، وتتنفس بعمق وبصعوبة؛ فارتبكت مشاعره أمام هذا المنظر، والصمت يعم الغرفة إلا من صوت الأجهزة المخيفة، ومن همهمات أخيه الذي بمجرد ما أن دخلا الغرفة انحنى فوق سريرها يناديها بهمس، تجاوبت معه بعد ذكر اسم سعيد ، ففتحت عينيها بصعوبة ، وأشار إلى أخيه بأن يتقدم لها ، فتقدَّم سعيد وهو متردد وخائف من ماذا سوف يقول لها.

وبعد أن وقف فوق رأسها ، طلبتْ أن يقترب منها، فدفعه أخوه لأن يقترب إليها ، ثم نطقت بصوت يخرج من مخارجها بصعوبة ” أنا سامحتُـك يا بنيّ سامحتُـك… سامحْ حتى تعيش ” وقف سعيد أمام تلك العبارة .. سامحتْني.. هي سامحتْني.. لكن من يسامح من ؟ أنا ضحية أم هي..! كان سعيد مصدوما، وزادت صدمته عند رنين الجهاز الموصول بجسد أمه معلنا توقف نبض المريضة، وبذلك دُونت ساعة وفاة أمه بساعة قدومه إليها. خرج من المستشفى وهو يحمل ذكرى موجعة من أمه الراحلة دائما، سقطت دمعة فمسحها قبل أن يراها أحد ..ثم سقطت أخرى.. فتتابعت العبرات.. ولا يعلم لماذا يبكي وعلى من يبكي.. على نفسه أم على أمه ، أم على الزمن الذي استعجل وأسدل الستار على الماضي. همس سعيد بكلمة “سامح ” وظل يرددها وهو يشد المعطف على جسده المرتعش، وبدأ يسرع في خطواته على غير هدى؛ وكأنه هارب.. يهرب من سلاسل قيَّدت روحه لسنين؛ خاصة بعد أن شعر بأن ذلك الطفل الخانق والغاضب على ماضيه قد خرج من داخله بسلام.

%d مدونون معجبون بهذه: