أوراق الماضي[1-2]

اعتاد سعيد أن يتجاهل الرد على أي مكالمة ترد إلى هاتفه من موطنه البعيد ، اعتاد هذا الأمر حتى يئس الكثيرون من الاتصال به لأي سبب كان؛ ولكن ذلك اليوم الضبابي المعتم أجاب على الهاتف بالمصادفة؛ وكأنه على موعد مع القدر حتى يتحدث إليه من جديد؛ ويكسر كل الحواجز التي بناها حول نفسه ، كان الاتصال من أخيه الأصغر يخبره بأن أمه مريضة جدا، وقد تفارق الحياة في أي لحظه، وأنه أتى بها إلى أديس أبابا للعلاج، صُدم كثيراً لهذا الخبر؛ ولكن الذي صدمه أكثر كلام أخيه القاسي، والذي وصفه بأنه العاق.. والعاق لا يرجى منه شيء، وأنه ما كان ليخبره لولا إلحاح أمه ورغباتها بأن تجتمع به ولو لحظة ، توقف الزمن بين يدي سعيد للحظات، ولم يشعر بتوقف المترو في محطة النزول ، نزل وهو شارد الذهن يمشي بلا هوادة تحت المطر، و صوت البرق والرعد غطى على كل المسامع ، وتقاسم مع ذلك صوت عواصف الماضي التي اجتاحت خلجات سعيد بقوة، وبدأ يدور فيها مع موجة من الأحاسيس التي اعتقد بأنه نسيها ودفنها مع ذاكرة الزمن؛ ولكنه اكتشف بأنه ضعيف أمام ذاكرته الصلبة.

 ظلت كلمة “العاق” تتردد على مسامعه طوال ذلك اليوم ، جرحته هذه الكلمة كثيراً وفتحت عليه جروح أُغلقت في دفاتر النسيان، كان يريد لو رجع به الزمن لدقائق فقط إلى الورى؛ حتى يتمكن من أن يصرخ في وجه أخيه قائلاً .. ” أنا لست عاقا يا سيدي؛ بل أنا أسقيها من كأس هي من وضع الشراب فيه، أنا من صنع يديها ، وذاكرتي ليست فيها سواء صورة طفل يبحث عن صدر أم يرتمي فيه ، أنا لست عاقا بل أنا طفل بصورة رجل ينتقم من عشرينية لم تتحمل نصيبها، واختارت أن ترحل وتترك زوجاً شيخاً وطفلاً يعاني أقسى أنواع الحرمان، ويعيش بعد ذلك مكسور الفؤاد لسنوات طويلة.

جافاه النوم تلك الليله، فالابن الراشد الذي غطى شعره الشيب عاد تلك الليله طفلاً صغيراً يحتضن مخدته من جديد، طالما سألته زوجته عن سر هذه المخدة التي يحتضنها في ليالي دون غيرها ، سألته لسنوات دون جواب منه، وكلما شاهدته على تلك الوضعيه لا تستطيع مقاومة فضولها وتسأله من جديد، ويختار سعيد الصمت؛ لأنه يجزم بأن دموعه سوف تسبق حروفه فيضعف، وهو لا يريد أن يضعف أمامها، فهي لم تكن في نظره إلا زوجة رضيت أن تكون خارج دائرة كهفه، ولم تكافح لتكون أنثى تحتوي كهف رجولته، و يبدو بأن قدره مع النساء يسير عكس هواه ، أخرج تنهيدة عميقة، وذكَّر نفسه بأنه ذلك الرجل الذي ينظر إليه الجميع بأن شخص مثالي من جميع الجهات، وليس لديه نقطة ضعف ، ولكن في تلك الليه ضعُف أمام نفسه ، وسمح لذاكرته أن ترسل صورا من الماضي ويقف على أقساها مع نفسه، وأتت على هذا الشكل ليلة مقدشية باردة آوى الجميع إلى مضاجعهم؛ فكلاً من زوجتي أبيه أخذت أطفالها وضمتهم تحت جناحيها تحميهم من لفحات البرد ، أما هو الذي كان ابن خمس سنوات الشقي – كما كانوا يسمونه – فقد بقى في الخارج وحيداً باردا، يضم أرجله ويحضن بقية جسده بيديه الصغيرتين، ويرتجف من شدة البرد ، وبقى على تلك الحاله حتى غشيه النوم، ولم يستيقظ إلا على صوت أبيه السبعيني؛ وهو يناديه بلطف ويضع شالا على جسده الضعيف، ويحاول أن يحمله فلا يستطيع؛ فيقرر الأب أن يضطجع بجواره بقلة حيلة.

وبعد فترة الزمن فقَد حتى ذلك الحضن الأبوي الدافئ الذي غيبه الموت…..!

……تابع الجزء الثاني …

%d مدونون معجبون بهذه: