فتاة تحت الاختبار..!

أخذت من اسمي الكثير؛ وإني اسم على مسمَّى- كما يقولون – فأُدعى جميلة، وهذه ليست شهادتي بل شهادات الكثيرين ممن حولي، فأنا خريجة إحدى الجامعات التطبيقية، ولدي وظيفية هي حلم الكثير، محبوبة جداً، وأين ما أتواجد أزرع ابتسامة وأخلق أجواء تنطق بسعادة.

نهاري عالم ممتع و جميل، وليلي عالم آخر؛ ولكنه معتم وغريب وطويل، أشعر بأني أعيش في عالمين مختلفين وغريبين عن بعضهما البعض، ولكني أحب عتمة الليل؛ لأني أتقاسمه مع أعز الناس على قلبي وعلى روحي؛ مع أمي الحبيبة وجدتي الغالية، فهما يعيشان في عتمة دائمة وفي ظلام متواصل لا نهاية له، يفتقدان لنور العينين، ولكنهما يمتلكان نور الحياة؛ فشاءت الأقدار أن يكون من نصيب عائلتي مرض عمى وراثي، مع ذلك فهما سيدتان رائعتان، وبالنسبة لي هما الصمام الأمان، ووجودهما مصدر قوة لي ، ولا شيء يزعجني إلا هاجس الأمومة الذي كان يتملكني في ساعات متأخرة من الليل أو عند مرور طفل أمامي، أو مع سماع نغمة ضحك تنطلق من فم صغير، وكان يكسوني الألم عندما كنت أشعر بأني غير مرغوبة للزواج ، فأي راغب في الزواج بي عندما كان يعلم بمرض عائلتي يخرج ولا يعود.

عشت في هذه الدوامة حتى بلغت سن الثلاثين، و في يوم من الأيام صادفني في الطريق رجل قرر أن يقتحم حياتي ، وفتح علي بوابة الحب من كل مكان، غيَّر عالمي ، شتَّت أفكاري، أحبني حتى شعرت بأن الكون كله يشاركني هذا الحب، أهداني الورد، وعاملني بالود، وعشقني بالصمت، فاتحني بالزواج ووافقت، رغم رفض عائلته لهذا الزواج ، وتحذير عائلتي مما قد يكون، ولكنني كنت واقعة في غرام هذا الرجل حتى أخمس قدمي، وأصبح فارسي وبطلي وحبيبي وزوجي.

عارضت الإنجاب في بادئ الأمر؛ لأني كنت أخاف أن يكون في خبايا القدر ما قد يبعد حبيبي عني ، لا تلمونني فأنا حديثة عهد بدنيا الحب ، مع ذلك وعدني زوجي بأنه مستعد لأن يتقاسم معي الضراء قبل السراء، و بأنه أحبني رغم كل شيء .

أخبرت زوجي بأن هناك روح تتقاسم معي الأنفاس، وأن هناك جسداً داخل أحشائي، شعرت بأني فاجأته بهذا الخبر، رأيته يرتبك كثيراً ، وقرأت في عينيه كلاماً لم ينطق به؛ ولكنه تدارك وأظهر الفرح بخبر الحمل، في تلك اللحظة تلخبطت مشاعري وشعرت بالقلق، وحاولت أن أقنع نفسي بأني أتخيل وإن زوجي ينتظر المولود مثلي بفارق الصبر، ولكن القلق لم يفارقني ويزداد قلقي مع صمت زوجي المخيف.

مرت الأيام، وأتى يوم الولادة، وكان يوماً استثنائيا ناديت فيه بأعلى صوتي.. يا الله فوضت أمري إليك، يا الله ارزقني الرضاء بكل أقدارك؛ فشعرت بسكينة عجيبة وهدوء لم أشعر به منذ زمن، وبين ثنايا الألم سمعت أصوات عديدة؛ ولكنني استطعت تمييز صوت رضيع يبكي، وصوت يقول.. مبروك جميلة.. مبروك المولود ذكر؛ ولكن….ولم أستطع سماع المزيد؛ لأنني غبت عن الوعي.

لم أعرف ماذا كان بعد كلمة ” لكن” إلا بعد ساعات من الولادة؛ فابني ولد أعمى، الخبر كان قاسيا جداً، ولكن الأقسى كان موقف زوجي الذي آثر الانسحاب والهروب؛ فهو كما يقول لم يستطع مواجهة الأمر، ويشعر بأنه مذنب؛ لأنه أقدم على شيء وهو يعرف بأنه من الممكن أن يأتي بنتيجة كهذه، حاولت التماسات قدر الإمكان، وأيقنت بأني أمام أصعب اختبار .

اخترت لابني اسم عبد الله ، وحاولت أن أكون له الأم والأب والمعلم في ذات الوقت، وجدت صعوبة بالغة في بداية الأمر؛ ولكن مع مرور الأيام كان من اليسير التعامل مع وجه ابني الضاحك وروحه المرحة، والاستماع إلى نغمة صوته العذبة، أحببته وأحببت حالته ، وأصبحت أستيقظ في الليل عدة مرات؛ لكي أتأكد من تنفسه وأستمعَ إلى نبضات قلبه، ولكي أصلي لله شكراً على هذه النعمة، فحياتي غدت أجمل بقدومه؛ لا أطيق مفارقته ولو لحظة، ومعه أيقنت بأن أقدار الله هدايا.

4 تعليقات

  1. الشكر موصول للفاضلة والكاتبة القديرة هل هي قصة خيالية ام واقعية؟ كنت اسأل نفسي حتي انهيت القراءة وتيقنت أنها قصة مستوحاة من واقعنا الاليم
    سيري علي بركة الله في كتاباتك المرتبة والمشوقة دائما

  2. شكرا لمن اخذ من وقته ووقف أمام كلماتي وقرأ و شكرا لمن أجاد بقلمه وعلق. ولكم مني جزيل الشكر

  3. عبد الرحمن عيسى

    اكثر ما اعجبني نهاية القصة … أيقنت بأن أقدار الله هدايا؛ فالقناعة كنز لا يفني ولله في خلقه شؤون
    فشكرا لأختي على مقالاتها التي تمس الشأن الاجتماعي الذي قلما اجد أقلاما تجيده لشعب تجري السياسة في عروقه رجالا ونساء
    شكرًا على مقالاتك التي هي بمثابة استراحة عن السياسة وهمها الذي لا ينتهي

  4. حسن مودي عبد الله

    قصة رائعة جدا، في ألفاظها ومعانيها، ومراميها، فشكرا لكاتبتها المبدعة…ونتمنى لها التوفيق دائما.

%d مدونون معجبون بهذه: