أنا امرأة وحيدة

تعودت قبل أن أنام في كل ليله من ليالي الباردة أن أكتب بعض ما يستوقفني في نهاري؛ فأجد بين الأوراق الأنس والأنيس الذي أفتقده في حياتي فبعد وفاة أخي وشريكي في السكن والحياة، ومن قبل والداي وهجرة أبنائي وانشغال صديقاتي وقريباتي بحياتهن أصبحت هذه العادة تلازمني وتشاطرني ليلي و تقاسمني أحداث يومي، واقتل فيها شعوري الذي يراودني بأن حياتي أصبحت على الهامش، وإني وصلت إلى نقطة النهاية ، ولكن؛ هل أنا فعلاً وصلت إلى نقطة النهاية كما قال لي ابني البكر في زيارته الأخيرة، والتي كانت قبل سبعه سنوات ” أمي لازمي السجادة و المسبحة فلم يبق لك من عمرك شيء حتى تنهيه بزواج يُلحق بنا ما يلحق ” .

و ها أنا ذا يا ابني وقد مرت عليَّ سبعه سنوات ومازلت أترنح في مكاني، ولم أصل بعد إلى صفر النهاية، ولم ألحق بك وبأخيك ما كنت تخشاه ، وها إنا أرفض الزواج مرة أخرى من أجلكم، و لكنه يابني رفض من غير اقتناع، و أشعر بأن الامتثال هذه المرة أيضا إلى رغباتكم فيه كثير من الظلم لي، وإذا اخترت في السابق العزوبية بعد وفاة والدكم ؛ فأنا اخترت تلك الحالة في ذلك الوقت لأني رأيت من حبي لكم الارتباط بعالمكم ، وأن اجري من أجل توفير الحياة الكريمة لكم ، والآن يابني العزيز الحياة اختارت نهاية مهماتي العملية معكم، ودار الزمن، وجاء دور من كانوا صغارا ليستلموا مهام الكبار؛ فرأيتم أن تستلموا المهام وتقوموا بواجبكم، ولكن من بعيد من خلال اتصال أسبوعي وأحيانا شهري وحوالة نقدية على رأس كل شهر، وزيارة لبضع أيام في كل نصف عقد أو ربما أكثر، وبذلك تعتقد بأنك قمت بواجبك وتنام قرير العين مرتاحا، و إذا اشتكيت من شبح الوحدة ، وألم الغربة داخل بيتي تتغير ملامح وجهك، وتقول ما الذي ينقصك ؟ يابني ينقصني مما يفترض بأنه لي من حقوق الإنسان في الوجود ، فأنا إنسانة من لحم ودم، أريد أن أسمع في منزلي أصوات غير صوت خادمتي، وخشخشات غير تلك التي تصدرها كعب حذائي ، أريد من يشاركني فطور الصباح عندما أستيقظ وحيدة ، وشاي المساء عندما يتفرق مني الجيران، وأريد سماع قهقهة حفيد وضحكة ابن ، ومناجرة كنه، أريد أن أختبر ذاك الشعور الذي يقول ” ما أحب من الولد إلا ولد الولد ” أنا أريد هذا الولد ملاعبة ذلك الحفيد .

 اعتدت يا ابني أن أترى أمك سيدة قوية قادرة على حل كل إشكاليات الحياة ، و لا تهزها العواصف ، سيدةً تحدت أقسى الظروف من أجل الحفاظ عليكم ، سيدة بقلب ألف رجل ، تحارب لتحقق لكم كل أمل، ولكن هذا الآن أصبح من سجل الماضي ، وأصبحت أمك الآن كبيرة في السن؛ ولكن يابني لا تتصور بأني قد كبرت عن كل شيء أولا ينقصني أي شيء، و في الحقيقة هذه السيدة الكبيرة التي تراها ما هي إلا أنثى بداخلها شابة يافعة تبض بالحياة ، ولا تستغرب إن قلت لك بأن لي أحلام و مخططات للمستقبل ومشاريع أسعى إلى تنفيذها ، ولذلك لا تسألني لمن ابني هذا البيت أو لمن اشتري هذه القطعة من الأرض، أو ما الفائدة من وراء تربية الأغنام؛ فهي من أحلام تلك الشابة العتيدة التي في داخلي ، والتي تحاول أن تجعل هذه الأحلام عوضاً للبديل المفقود .

فعلاً أنتم يا أبنائي الفاقد في حياتي؛ فأمهما حاولت أن أتنفس بهواء لا يحتوى وجودكم، بصراحة أختنق ، و أي مكالمة خارجية تأتي على هاتفي أقلق ، فأنا لا أعرف الوجود الحقيقي إلا بكم ، ولم أذق الحب الصادق إلا معكم ، فمهما حاولت أن أرسم ملامح عالم جديد خاص بي بدونكم تكون اللوحة في قمة البشاعة ، و قد تخونني أحياناً الشجاعة فلا أستطيع أن أصرح بكلمات بما أشعر به؛ لأني لم أعتد على ذلك، ولكن يا أبنائي ارحموا دموعي؛ فالوحدة قاتلة، ولا تقولوا لي بأن الحل هو أن آتي إلى عالم الثلج الذي أنتم فيه، لا تلموني؛ فأنا لا استطيع أن أكون جزءا من عالم الثلج؛ لأني أحمل معي كل ما هو ساخن من مشاعر الصادقة الحارة ، والطباع الأصيلة الحية، والعادات القوية متناقضة، و التي لا يمكن أن أجعلها تتجمد؛ لأن بتجمدها أتجمد معها ، وينتهي وجودي بذوبانيها .

لا أعلم يا أبنائي.. ما الذي جعل مصيرنا هكذا، وجعلنا متفرقين بين القارات، هل هي لعنه أُصبنا بها ، أم قدر يختبر صبرنا ، لا أعلم، ولكن كل ما أعلم أن هذه الورقة سوف أضعها في صندوق مغلق ، حتى لا تصل إليها أي عين..!

7 تعليقات

  1. هدى علي دعر يوسف

    تلك هي الانثى بكل معنى الكلمة و تلك هى الأم التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم ، هي العطاء و الصبر و التضحية والوفاء الغير متناهي ، ترغب في اسعاد أبنائها وارضائهم حتى على حساب نفسها ورغباتها ، ويالأنانية الأولاد الذين نسوا كل ما قامت به من اجلهم في صغرهم ويطالبونها الآن بعد ان كبروا واعتمدوا على أنفسم ان تجلس وحيدة وتنتظر الموت.
    يا لقسوة هذه الحياة و يالقسوة تلك القلوب التي باتت متحجرة و غير نابضة بالحياة البته.
    أختى أرجو لك من الله كل خير و أرجو أن تحن قلوب أبنائك عليك و أن يلتم شملك بابنائك وأحفادك في القريب العاجل اشاء الله.

  2. شكرا يا أختي، رسالة موجهة الى العقلاء من الأبناء والمجتمع ، فإن المرأة وان تقدم بها العمر ، ستبقى أنثى تريد بأن تشبع غريزتها المفطورة فيها ،وتبحث انيسها المفقود، فلا يجوز أن يحرم ما أباح لها الشرع بحجة أن القرين الجديد سوف يلتهم البيت ومن فيه أو يسيء إلى الاولاد .

  3. ما شاء الله ما اروعه من مقال ، هكذا الكلمات تعمل سحرها في القلوب والنفوس والمساعر عند ما تخرج عن قلب صادق او تخبر عن مشاعر صادقة ، فيالها من ام حنونة ، ووالدة عظيمة تستحق كل الاجلال والاكبار، لا اقول الا انها مباركة ومشحونة بمشاعر الامومة ، واحساس الوالدة ، بارك الله لها من ام توقظ الهمم وتحيي المشاهر ، انها تستحق لقب الام الصومالية، وملكة الامهات في العالم.

  4. عبد الرحمن عيسى

    مقال رائع يصور الحالة الإجتماعية التي يعيشها الشعب الصومالي ويعبر عما يدور في بيت كل عائلة صومالية تقريبا من ويلات الغربة وآهات غربة الأوطان واندلاع الحروب التي تركت الأمهات أرامل وثكالى والأولاد أيتاما، إذا كان حال الأمهات الأرامل والثكالى في داخل الوطن هكذا فإن الوضع أدهي في أمهات المهجر، أما بقية الأمهات فليسوا أسعد حظا من الأمهات الثكلى لأنهم يعاونون من حالة اللا زواج ولا الطلاق لأن معظم الأزواج يصارعون في تأمين لقمة العيش في المهجر مما تسبب في تفكك أسري كبير وضياع النشء لفقدانهم رعاية الأب الغائب …فلك الله ياشعب الصومال ، وشكري أختي على إثارك لهذا الموضوع الذي مشاعر كل أم وأب وأخت وأخ.

%d مدونون معجبون بهذه: