مفترق الموت..!

كنت أدلف في الشّارع الممتدّ ما بين مسجد حَريد والتقاطع المسمّى بَار أُبح في مقديشو متثاقلا، وكانت شمش الظّهيرة ضربت خيامها عليّ، تلاحقني من حدب وصوب، وكنت أتضوّع جوعا، فحاولت أن أبحث لقمة عيش لسدّ موجة الجوع الذي كان يبتزّ بأحشاء معدّتي، فدخلت مطعما كان مكتظا بالزّبائن ظناّ بأنه مطعم يجهّز أطعمة ووجبات عاليّة الجودة، فكما كانت العادة السائدة في المحيط  الاجتماعي قمت بغسل يديّ بصابون يستخدمها الجميع للنظافة فبل الأكل وبعد الأكل، فقعدت متلهّفا بالأكل الشهيّ.

فعندما حضر لي الجرسون وجبة الطعام، بدأت ألتهم ذلك الرّغيف مع حساء مخلوط بالغدد والأوردة، فعلا أكلت إلى حد التخمة، وبدأت المعدّة تتصارع بما فيها من الأضداد، دفعت ثمن الوجبة؛ وطلعت من المطعم باحثا استنشاق الهواء الطلق، وفي يدي اليسرى عود أتخلّل به لإزالة بقايا الطعام من أسناني.

فبينما ومضات الهشّة والبشّة تظهر من ملامح وجهي، وكنت في منتصف شارع بَارأُبح ، بصدفة تعرضت لطلقات ناريّة وقعقة الرّصاص، فانبطحت على الأرض ولم أعد.

أتمرّغ بها كأنني أداعب مع ملك الموت، يا للمفاجأة!!. تحوّل الجوّ المرِح إلى كآبة ومناخ تشوبه صيحات النّسوان وآهات المصابين وعويل كلاب السّوق، بالفعل قامت الدنيا ولم تقعد في تلك الظهيرة، وأشعة الشمس تلفح وجهي، والعرق يقطر من جبيني ومن إبطي كقطرات المطر الغزير، في تلك اللحظة الخانقة كلّ من هبّ ودبّ اختفى حاميا نفسه من شبح ذلك الموت المحدق، والمليشيات المأجورة من قبل أحد لوردات الحرب بدأت تقتل الجميع بدون أيّ تمييز لمن هو المستهدف ومن هو البريء.

فبينما أنا بين الكرّ والفرّ والرّصاص الطائش تدقّ مسامعي وجدت زقاّ فتسلّلت فيه هاربا من جحيم الموت، متناسيا بأن الموت يستطيع أن يلاحقني في أيّ مكان وزمان. فبعد وصولي إلى سوق بَكارى، جلست جنب الرّصيف طالبا من أحد المارّة جرعة ماء لسدّ الرّمق؛ فتجرّعت الماء جرعة تلو جرعة؛ فعقب تلك الجرعات المتصارعة حاولت الاتصال بالأسرة للعثور على آخر التّطورات الميدانية في تقاطع بارأُبح، ولكن للأسف الشديد ضاع الهاتف، وكان من الطّراز القديم، هاجت أعصابي بسبب هذه الورطة، فبعد برهة وجيزة استمعت النشرة الإخبارية التي بثتها إحدى الإذاعات المحلية المملوكة من قبل رجل أعمال قبلي، والعاصمة بقضّها وقضيضها كانت آنذاك تحت هيمنة قوى القبائل المتحالفة بالشرّ والخير والمتناطحة في كل شاردة وواردة، ملخص تلك النشرة الإذاعيّة كان يوحي بأنّ أحد مصّاصي الدّماء شن ّهجمة لاذعة على تقاطع بَارأُبح لأخذ الّثأر. بالذّات كانت هجمة بربرية وغوغائية بكل ما لهذه الكلمة من معنى. فبعد ذلك اليوم الكئيب تغيرت حياتي، وأصبحت لا أخاف من شبح الموت المطلّ علينا من زاوية من زوايا الحياة.

من المذهل أنّ هذه الحادثة الحالقة تركت بصماتها الواضحة على نفسي، وجعلتني أعاني من الصدمة النفسية والخوف الذي يلاحقني كالظّل، فدوما عندما أكتحل برؤية شاب مغرور مدجج بالبندقية كنت أتخيّل بأن لديه الضّوء الأخضر لقتلي، وبسبب الحادثة الرهيبة كنت أعيش في عالم مليء بالاضطراب النّفسي والفوبيا، مما أثّر تأثيرا سلبيا على سلوكي الاجتماعي، أدهى وأمرّ من ذلك  أنني لم أَروِ هذه الحادثة لوالديّ، لأنّني على علم بأن علاقتي معهما كانت مبنية على المدّ والجزر، كما هو الحال لدى السّواد الأعظم من أبناء جلدتي وأقراني؛ لذلك كنت أنظر الأمور بمنظار قاتم بسبب ذلك الإحباط الذي اجتاح نفسي، مما جعلني أجهش بالبكاء في كل مرّة أستمع أخبار الموت والاشتباكات.

يا الله!! كانت الإذاعات المحلية بمثابة بوق من أبواق الموت والإرهاب؛ لأنها كانت تبث خبر الموت والكراهيّة بدون أدنى مسؤولية واعية.

في نهاية المطاف، وبعد معاناة قاسية جدّا بدأت أتكّيف بذاك الجو الشيطانيّ المفعم بقوى الشرّ، بعد أن سئمت الخروج من هذا المأزق، وأوصلني الحال إلى طريق مسدود، فكنت أتخبّط خبط ناقة عشواء في استيعاب الأشياء والحوادث، فكل تارة أسمع أخبار الموت كانت تنتابني الضحكة، ويا لها من ضحكة فارغة!! فمضمون تلك الضحكة كان الهوس النّفسي المخيّم على القاصي والداني من المجتمع الصّومالي الغارق في بحار الكراهيّة والأنانيّة، وممّا يقضّ مضاجعي إلى يومنا هذا أن مقديشو [منبع حياتي ومنبت طفولتي] لا تزال تحت رحمة كلاب جهنم المتقمّصين برداء الإسلام، ممّا أدّى إلى أن تكون مقديشو وصمة عار يندى لها الجبين.

أخيرا، يمكني أن أقول بكل حزم وجزم  أنّ الدروس التي اقتبست من تلك الحادثة هي أنه أحيانا يتحتّم علينا اللّعبة مع الخطر القائم، لعلّنا نحصل السّعادة من حيث لا سعادة يُذكر، وأن نكون غرباء الأطوار، ونشقّ عصا هذه الطاعة العمياء، وكسر حاجز الخوف، وأن نمشي عكس اتجاه الرّكب، لعلّنا نجد ذوقا لا مثيل له في الحياة، فالمشي مع القافلة دائما يورث الخمولة والغباوة، وذلك لا يأتي إلّا بخرق التّصميم الاجتماعي المبنيّ على التّرهات، بدلا من التطبيل والتّصفيق لإراقة الدّم باسم القبيلة تارة وبسم الله تارة أخرى.

%d مدونون معجبون بهذه: