الحلم الضائع [1] “قصة قصيرة”

اشتد البكاء وتصاعد الأنين الممزوج بالألم في البيت المجاور، وأرخى الحزن ظلامه وغيومه السوداء على الأسرة التي أصبح بيتهم كهفا يسكنه الأشباح بعدما قادت الأمواج فلذة كبدهم بعيدا في غياهيب المحيطات، واغتال الموت أملهم في وسط البحار.

 يقطر القلب دما قانيا مع الدموع المنهمرة التي تزداد مع مسيرة الزمن بهستيريا غريبة ودراماتيكية عجيبة، اجتمع الناس حول البيت يتساءلون سبب البكاء في هذا الليل البهيم الذي أسدل الظلام خيوطه على الكون، بعضهم جاءوا لتأدية واجب العزاء وبعضهم قادهم الفضول وحب الاستطلاع، حاول الجميع مؤاساة الأسرة ونسيانهم ألم الفجيعة المهولة، وفي وسط الذهول والنحيب تقدمت مُسنّة تتكأ على عصاها وتسير ببطء شديد تتهادى يمنة ويسرة، قبلت الحضور بوجه مستدير وبخصلات بيضاء تحمل أصداء السنين، وذاكرة قوية وبريق عجيب يشع عن عينيها المغمورتين بحواجبها المرخية قائلة: (هنا وفي الوطن الملتهب والمدن الشاحبة الغارقة بالظلام الدامس والظلم المبين قوافل الفارين من قسوة الحياة وتقلبات السنين وجور الإنسان لا تنتهي أبدا، نملك وطنا معطاء وشواطئ نظيفة، وثروات اقتصادية كبيرة وموارد بشرية هائلة، وتقف مدننا بشموخ وكبرياء على الساحل الجميل والغابات الكثيفة لشرق أفزيفيا، ولكن لا نملك عقلية تدير الوطن، وتأنٍ نستفيد منه عنفوان الطبيعة والسواحل الطويلة والأراضي الزراعية الشاسعة، نتضور جوعا فوق البرك الملئية بالنفط والغاز الطبيعي، ونموت عطشا على ضفاف الأنهار الجارية والمياه الجوفية التي لا تقدر ولا تحصى، وتغمرنا المياه ونموت فوق عرض البحر بحثا عن حياة أفضل، وتتكسر أحلامنا على الضفة الأخرى للمحيطات، ونتلوى ألما ويزداد جرحنا عمقا يوما بعد يوم.

في بيوتنا العامرة بالمآسي والقصص العجيبة يافعون مهوسون بالهجرة إلى خارج الديار ولو في الدول المجاورة التي تهدر الكرامة وتلطخ صفحة الإنسانية المشرقة فوق تربتها، وفتيات كعمر الزهور يتلفعن ظلال الحيرة والجنون إلى السفر، وشيوخ همتهم الفرار من أدران الجحيم إلى بر الأمان وشاطئ السعادة مهما كان الثمن، وأولاد في مقتبل العمر يتسللون عبر الحدود والأسلاك الشائكة المكهربة والصحاري العتمور والفيافي والمفاوز إلى أرض الحلم والحدائق الغناء وحيث يجد الإنسان احتراما يليق به.

أفلاذ أكبادنا يواجهون الموت بصدور مفتوحة وأجسام عارية وعيون برئية، وابتسامة صفراء ماكرة في وسط البحار أو حافة الأدغال والأحراش المنتشرة فوق البسيطة، أو في خضم الأمواج المتلاطمة بإصرار محير وبلادة مقصودة بقدر ماهي غريبة. يهربون من سياج الحروب ومن بطش الأمراض وألم الفقر بأجسادهم النحيلة ونظراتهم الغارقة بالألم، ويضيع عمرهم بين أحلام شاخت وأوضاع مأساوية نام الجميع فوق نارها، ويموتون تحت برق الطمع وبريق الجشع، يقطعون الطريق والدروب الممتدة المتقاطعة والتي تطول فيها العبور ورفوف المشقة والأوقات الموحشة، ويشقون عباب الماء نحو ما وراء البحار وفي بلاد الضباب في موسم الهجرة إلى شتى الاتجاهات الجغرافية، ينشدون الحياة على أنياب المنية والحياة الكريمة في مخالب الموت!.)

تأثّر الجميع ورقرق الدمع عن عيونهم، وتذكر الحضور وَرْسَمِي الذي كان شابا قويا تتدفق فيه الحيوية، وبحر من الابتسامات يضج بالجمال كالورود المتفتحة في عز الربيع، وطموحا يحضن أحلاما تفوق الخيال بعدما أنهى دراسته وبتفوق كبير، ولكن أقرّ الجميع في لحظة صفاء نادر أن حظه كان سيئا جدا؛ لأنه تخرج في زمن تذوب فيه القيم والمفاهيم الصومالية المجيدة في خضم المعارك والصراعات العبثية. الوطن يلتهب من أقصاه إلى أقصاه، وأيام سوداء حزينة يمرها الشعب جعلت الحياة سيمفونية صراع متواصلة، لا أحد يستطيع أن يعيش حياة آمنة في ظل دولة صومالية قوية مهيبة الجانب توفر أساسيات الحياة لشعبها، فقدت الأمة بوصلة الحياة والتعايش السلمي والاحتواء العقلاني للأزمات، سادت الأنانية ومبدأ إلغاء الآخر والاستئثار التام للثروة والسلطة، قاد الجنون إلى إلغاء الشريك الذي أدى بدوره إلى انهيار كامل للدولة ومؤسساتها ونهب كبير للحضارة وحتى للتاريخ والجغرافيا.

انفجارات مدوية وأجسام مرتجفة وأشلاء متناثرة، وأصوات هادرة للرصاص و زخات للمدافع المرعبة، وأزيز الرشاشات الذي لا ينقطع في كل البلاد. قتلى وجرحى، أنين وصرخات، بؤر صراع ساخنة تتولد هندسيا في كل يوم بل في كل لحظة في طول البلاد وعرضها، سحائب من الحزن ورواسب من الأسى، هكذا كان أخبار الوطن قبيل تخرجه واحدة من الجامعات الوطنية المرموقة محليا بعد دراسة دامت نصف عقد من الجهد والمثابرة.

كان سَمَتَرْ يطيل التفكير، وحالة الوطن واللون الشاحب للحياة والتيه الذي أصاب أمته يشكل كتبا مفتوحة يستقي منها أن الوطن يسير بطريق مجهول وبوتيرة متسارعة جنونية كسرعة الضوء في الفضاء، وفي ظل وطن شعاره النهب وإبراز العضلات على المكلومين تبدو حياة البسطاء معادلة صفرية مع البقاء والتغلب على أشباح الأسعار الفلكية. قذفته الدنيا في الميدان العملي بعد الميادين النظرية التي تحتاج إلى صرير القلم ومداده، وحفيف الأوراق وعبقها العتيق والمذاكرة القوية. ببراءة الشباب وبحيوية المتخرج حديثا كانت أفكاره وتصوراته تأتي من الخيال وتعيش في وهم الشهادات وسراب الكفاءة، ولم يكن يدري أنه يعيش في وطن منهجه القطع والتفتيت، وأمة تغتال الأمل في رحم الغيب بحرفية كبيرة، وأن ميادين العمل والانخراط إلى سوق العمل تحتاج إلى أشياء أخرى غير الشهادات الجامعية مثل القرابة والمحسوبية والوساطة والرشوة والفساد، والخبرات المتراكمة في شخصيته لا تسعفه هنا. قلبت الدنيا له ظهر المجن، وتحولت حياته إلى درب من الأغنيات الحزينة، والحياة التي كانت تنتظره أصبحت رابية من الحرمان تشرف على سهول من المعاناة، كل الأبواب التي ولجها من أجل تحقيق الحلم لقي منها إما ابتسامة خبيثة أو برودة قاتلة أو ضحكة رمادية مائعة أو مزيجا من الدعابة والسخرية، ورغم ذلك لم يحبط بل ضاعف جهده وبحث عن العمل وهو يعتقد أنه سيحقق الحلم الذي أقام في القلب مهما طال ليل السكون والسواد.

وعندما يحاول اليأس التسلل إلى قلبه يقنع نفسه أنه مهندس وقريبا ستفتح الدنيا له أبوابها، وأن المعاناة ماهي إلا سحابة صيف عن قريب ستنقشع، طالت المدة وتكسرت أجنحة الأمل وزاد الإحباط وحمل كل يوم من حياته تفاصيل أشد مرارة من الماضي ومعرفة أعمق لسلوك الشعب المتدهور. لم يجد العمل في وطن رمال السياسة المتحركة أثرت توازنه وحولته إلى سجن ومنفى، صدمته الحقيقة والمأساة المتراكمة، وبدأ يدرس كل الاحتمالات والأفكار الجنونية تتصارع إلى عقله، كافح من أجل طرد الأفكار التي تقوده إلى متاهات وغربة قاتلة، ومن أجل التغلب على هذا الأفكار ولكي لا يقع في حبائلها كان يغدو كل يوم إلى المدينة ويقف في كل زاوية يقرأ جميع الملصقات والإعلانات لعله يجد عملا يحفظ له ماء وجهه، ولكن أنيّ يجد وهو ينتمي إلى الهامش والطبقات الكادحة. حاول سلك كل الطرق الممكنة التي تقوده إلى العمل وتحقيق أحلامه ولكن صدت الأبواب على وجهه.

 وفي صباح يوم بارد أسند ظهره إلى الجدار فتملكه شعور بالعتاب من نفسه ومن المجتمع، لماذا لم أجد عملا يناسبني؟ لماذا لا يقدر الشعب قدراتي العلمية وشهاداتي الدراسية؟، ولماذا لا أفكر تغير العقلية المتحجرة المتشبثة في الوطن؟ ولماذا لا أدرس خيار الهجرة إلى الخارج؟ ولماذا أخاف من المستقبل ومن كابوس الغربة.؟ انطلقت من عيونه نظرة تأمل في اللا شي،! نظر تجاعيد أمه أو بالأحرى تجاعيد الزمان على جبينها الذي أجهده المرض وأنهكه التعب، تجاعيدها تعني له ألف حكاية وحكاية، ورقة عظامها تذكره بكفاحها من أجل هذا اليوم، تُرى ماذا تقول إذا استيقظت على فجيعة الحقيقة؟ لطالما أنحنيت رأسي أمامها حبا وتقديرا. نظر متحملقا إلى جبين أخته الغارقة في عرقها ومصارعتها مع الوجبة الغذائية وتجهيزها للأسرة بإخلاص الأخت وحبها اللاحدودي، حاول الهروب من الواقع إلى سحيق الذكريات ولكنها أشد و أوجع، تذكر والده الذي فارق الحياة قبل عقد ونصف من الزمن قبل أن يكوّن لهم ثروة أو يترك لهم كنزا سوى نسب شريف متصل وطيبة يتذكره الجيران.

همس في أذن الزمن وراوده خيال جامح لإيجاد قطار الزمن السريع ولكن بإتجاه المعاكس، لم يجد قطارا متجها إلى الماضي ولم تسعفه المعجزات؛ لأن زمن المعجزات انتهى،! خانته الذاكرة وغابت الملامح وراء ضباب السنوات وخلف الدموع التي ملأت مقلتيه، قطع عن التفكير وعرف أنه يمر وقتا صعبا وظروفا مخيفة تتطلب شجاعة نادرة وتفكيرا عميقا. نام ليلته ولكن لم يتنعم بلذة الكرى إذ الأعمار الضائعة بين أحضان البطالة والوطن الذي لا يرسم على الجباه رسمة الحب، والليل الإفريقي الخانق والضباب اللطيف الذي يتدثر على ظلام المدينة الدامس حرك كوامن سَمَتَرْ، وأدخله في صمت كبير وفي حزن لا ضفاف له.

وفي الصباح حاول إصلاح ماكينات الأحلام التي تعطلت فوق ربى الواقع الأليم فلم يستطع، فقادته رنة التوجع إلى العزيمة القوية للهجرة، وحثه الوضع على تغيير الواقع وظهور شجاعة مبهرة في القرار، والتحمل بالنتائج ولو قادته المغامرة إلى مواجهة الموت في وسط عتمة البحار أو الصحراء المقفرة أو الحدود التي لا يستطع المرء مقاومتها ومجابهة أضرارها.

وفي محاولة أخيرة طاف كعادته جميع الشركات العامة والخاصة واشترى الجرائد النادرة التي تصدر في مدينته ولكن بدون جدوى، قصد ناحية البحر لتخفيف الهموم وسراب الإحباط الذي أحاط به كإحاطة السوار بالمعصم، وجلس أمام المحيط الهادر والأمواج التي ترتعد بقوة يتحدث مع زميله لِيْبَان عن مرارة الخيبات والأجفان التي لا تكتحل بالنعاس بسبب التفكير الدائم وطرق أبوب الأفكار التي تراوده بين فينة وأخرى. حاول زميله تخفيف حدة الإحباط ووطأة الخنق بأن الغد أفضل لا محالة، وليل الظلم لا يدوم وتباشير الصباح قد لاحت في الأفق، ولكن سَمَتَرْ لم تقنعه كلمات لِيْبَان بل يعض شفتيه بعدوانية ويراقب الأمواج الهائجة بإمعان يستحضر المستقبل والمحيطات التي يجتازها لتحقيق أحلامه. الثقة عندما تنهار لا تعود أبدا والإنسانية المعذبة في بلدانها التي تعتصرها الألم كآلات موسيقية تتكلم، وتتقاذفها أمواج الغربة الموحشة في داخل الوطن والشعور القوي للظلم أشد وأنكى من رحلة مجهولة العواقب ومحفوفة بالأخطار المحدقة مع الحيوانات الهلامية والقواقع وقرش البحر، ومواجهة المنية في وسط عاصفة بحرية وزوابع رعدية قاتمة كخرائط للأنين.

%d مدونون معجبون بهذه: