زيارة مثيرة للعواطف

دفعتني الأشواق إلى زيارة ناحية “سيناي” من حي ورطيغلى، تلك المنطقة التي تعلق بها فؤادي وحن إليها آناء الليل وأطراف النهار وألفت نفسي أهلها وديارها، فهناك محطات لا تنساها ذاكرتي مدى الحياة.

قد حصلت في تلك المنطقة على نمو علمي وثقافي كبير، وكانت زيارتي إليها بعد أيام من انسحاب حركة الشباب من معظم أحياء العاصمة مقديشو، وكانت قبل تلك الفترة ميدان قتال بين الحكومة الصومالية المدعومة بالقوات الإفريقية وبين حركة الشباب.

فلما نزلت إلى ساحاتها رأيت أن ديارها طالها دمار هائل بفعل المدافع الثقيلة، وظلت طرقها الفسيحة وعرة لا تجد فيها موطئ قدم إلا وتخز أقدامك أشواك لكثرة التين الشوكي التي ظهرت في كل مكان، فكأنها ظلت غابة مهجورة بعد أن كانت منطقة معمورة، إنها مظاهر آثارت آلاما موجعة في جناني.

لم أعرف أين أنا؟ هل أنني في المنطفة التي يهواها الفواد وهل أنا أنا؟ مثل ذلك الرجل الذي قطع فيفاء طويلة لأداء فريضة الحج وزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما وصل إلى بطحاء مكة تساءل عن ذلك المكان الذي تراه عيناه وتساءل أيضا عن وجوده، وذلك لشدة الغرام قائلا:

أبطحاء مكة هذا الذي ** أراه عيانا وهذا أنا

بدأت أجوب في طرقاتها فإذ أجد بين فينة وأخرى أشخاصا لهم حب وفير في صميم قلبي تآلفت أرواحنا سابقا غير أن صروف القضاء فرقت اشباحنا، ولعل الحنين حملهم أيضا إلى زيارة تلك المنطقة، فالكل محب ومحبوب في نفس الوقت.

مأ أجمل تلك الساعات التي قضيتها في تلك المنطقة، كانت نسمات البهجة والفرح تهب إلينا من ذات اليمين وذات الشمال، ورغم ما تعرضت له من خراب ودمار، فإن النفس لم تقدر على مفارقتها في تلك اللحظات.
كانت مشاعري هياجة كأنها أمواج بحر تتلاطم، ولم أتمالك حتى نظمت في وصفها هذه الأبيات:

هذي المنازل تشتكي *** من جور دهر قد رمى
وفراق أهل قد حصلْ *** في اثنين عاما قد مضى
شجرات أشواك بدت *** في كل صقع يا فتى
فتماسكت غاباتها *** فكأنها موج طما
فتغيرت ومحا طرا *** ئقها زمان قد بغى
لا تعرف الآثار في *** ساحاتها يا ذا الهوى
فأرق دموعا إذ ترى *** ربعا تنكر بالبلى

ليست منطقتي هي الوحيدة التي تأثرت بالحروب التي دارت في مقديشو خلال السنوات الماضية حيث طال الدمار معظم أحياء العاصمة حتى المساجد والمدارس مما يؤلم كل مخلص يحمل في فؤاده حبا لوطنه الغالي.

ورغم المحن والآلام التي تمر بها البلاد فلا تزال الآمال تلوح في الأفق ولولاها لكادت الأنفس تزهق من شدة الحزن وقديما قال الطغرائي في لاميته:

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

نأمل أن يتجاوز الصومال محنته ويستعيد عافيته.

%d مدونون معجبون بهذه: