ورطة الرحلة الأولى

من شتاتي أجمعه ومن مماتي أبث فيه ملامح الحياة لعله يتورق من كف الصمت ويتبرعم جمراً في مواقد الغياب على ضفاف الشتاء،،
أيها البحارة سوف أشعل كفي وسأنفث فيه لهيب أخباركم، لعل الذي وصل إلى سمعي سيمنحني حق العبور إلى ذاكرة الوطن،
بل إليكم لأن الحبر الذي كُتبت به مآسيكم لم يجف بعد ورفات من استلذ البحر بهيكله لم تقذف شعث خيوطه الأمواج المتناقضة مع وميض الملح على أقواس فقاعات الزبد، تلك الدوائر الحائرة حسب اتجاه الرياح سائرة ،
الوقت ممحاة لا تبقي ولا تذر، والبحر هادر هادئ لكنه لا يبعث على الملل ، سل سكان السواحل وسل البحارة إنهم منهمكون لإعداد العدة لــــ رحلاتهم الصيفية ، وبعودتهم تجد الفرق .
هناك من تخلف في بلد الوصول لعله لم يصل بعد ( ومن الذي يصل بعد كل هذا اللهاث المسافر صوب الأفق الممتد وكأن هذا الأفق أمتد على سواعد أحلامنا وأفترش سجاده من تنهيداتنا المحترقة المؤرقة ) ولم يستوعب مكان إقامته وليس له تبرير العودة إلى الوطن، وهل العودة إلى الوطن بحاجة إلى تبرير؟

أم هي ورطة الرحلة الأولى تنزلق بنا إلى رحلات واهية، رحلات أشبه ببيوت العناكب، وأصبحت اليد الطيبة ملوثة باقترافها بالامتداد نحو أمل شائك المعالم وأن الأمعاء تكفر بالخواء والحشا يمتلئ بنصف رغيف الحلم ولابد عند العودة أن يكون هناك تبريراً عن الرحلة الأولى ..
ليكون مقنعا لابد وان يكون معلبا وعليه ختم بارز عن ماركته .

أتدري أيها البحر ؟
الوطن كالأم، يغفر العقوق ومهما ابتعدت لا يحرمك الحقوق، مهما يمتد الإخفاق على خصلات سكان السواحل بخيبة التآلف مع الطقس إلا إنه يمنحهم صكا يرتق الشقوق ..
ويصبح الكل متماثلا في أعراف الألم  وثمة ما يوحد الألم حتى أصبحت هناك مملكة الألم / وإمبراطورية الألم / وديمقراطية الألم بل هناك / طوباوية الألم ومثاليته التي تعقد صلحاً مع كل السواحل، حتى انحصر التنوع الطبيعي البيئي في بوتقة العولمة وعولمة الألم كانت هناك سائدة وما الفائدة من كل هذه الولائم القائمة على رجرجرة الأحلام العائمة فوق الأزرق الشره.

14 تعليق

  1. الأستاذ عبدالقادر جمعر
    تحية كبيرة بحجم حضورك الطيب
    في البدء تبقى الرحلة حاملة موروثاتها التاريخية لاكتشاف معالم وملامح المساحة وفروق عوامل الكينونة صوب خريطة معلومة /مجهولة لربما تخبؤ في ثناياها وجه أقرب الى الحلم, حيث تشتاق تلك المساحة لرنين الخطوات ومسحها سيرا في الذهاب والاياب , وبعد ان تنزلق القدم في اخاديد المساحة الزمنية يمكث كي يعبأ زجاجة الصبر بمزيد من رمل الظفر ويبقى معلقا حتى يملأها ولكن العمر ينفلت والزجاجة تفرغ ذاتها كلما امتلأت فجدرانها لا تحتفظ بالرائحة , لأنها محكومة بالنسيان , هكذا يعانون منذ الرحلة الاولى يهربون الى مساحة هربوا منها في السابق ويفتشون عن أغراضهم التي اهترأت تحت سقف الشمس الحارقة وقد بهت لونها وفقدت جدواها لتصبح تمائم ذاكرة تنخرها اللحظة الآتية من أفق الحاضر , ويبقى رصيد الرحلة الاولى مرتع الخيبة ومخزن الخواء وتشرئب العيون صوب رحلة أخرى جديدة والجديد مقنع بوجه الماضي .

    تحياتي وتقديري

  2. تصحيح :

    اليوم اصبح الساحل قاحلا والبحر بات أزرقا لا ينتمي إلا للأقوى
    وقوة الله فوق كل شيء.

  3. الأستاذ محمد العقيلي
    استوقفني مرورك كثيرا عند محطة محددة وهي رحلات أبناء دنكاليا عبر الساحل الطويل على البحر الاحمر وهم يقومون بسلسلة من الابحار التجاري وكم ملاحم وقصص انطوت في اجندات تلك الرحلات وكم صفوف الانتطار تربص على الشواطي غارقا في تأمل نقطة صغيرة مقبلة من الأفق البعيد ,, وكم بحارة علقوا في تفاصيل المواني التالية وبعضهم تماهي مع بقعة الوصول بحثا عن العودة التي ستعود به الى بيته في الضفة الأخرى متأنقا بيد ان الغربة هي التي كانت تتأنق ..حكايات تتجيش في الذاكرة وصور تترئ للاعمى ..ولكن اليوم ما حاله ذلك الساحل الذي كان يرافق المسافر مندسا في حقائبه ليعيده اليه ..اليوم اصبح الساحل قاحل والبحر أزرق لاينتمي إلا الأقوى وقوة الله فوق كل شيء.

    تقديري واحترامي .

  4. قلوبنا في مسقط راسنا واجسادنا ضحية الرحلة الاولى وجذورنا تمتد عمقا في واقع الماساة، ونسال الله ان يكون في عوننا،،
    الاستاذة شريفة العلوي ، استاذتي قصائدك تهيم في كل واد ،،ومقالاتك ومعانيها تدب في كل قلب.
    ارجوا ان لايحرمنا الله منك ، ودمت فخر لامتك العفرية .

  5. عبدالقادر جمعر العفري

    قلوبنا في مسقط راسنا واجسادنا ضحية الرحلة الاولى وجذورنا تمتد عمقا في واقع الماساة، الله يكون في عوننا
    الاستاذة شريفة العلوي ، استاذتي قصائدك تهيم في كل واد ،،ومقالاتك ومعانيها تدب في كل قلب.
    ارجوا ان لاحرمنا الله منك ، ودمت فخر لامتك العفرية

  6. شكرا شريفة
    مقال رائع وقدرة هائلة على(حياكة) الوصف
    غصت مع وصفك الرائع للرحلة الاولى محاولا تذكر تلك اللحظات الممزوجة بالدموع والحنيين ونحن نودع البحارة في رحلاتهم الصيفية .
    وكما قلت ورطة الرحلة الاولى انزلقت بنا الى رحلات لا نرى لها نهاية الى الان ….. لكن دائما يبقى الوطن والحنيين اليه لايفارقنا وهو قدرنا المحتوم والذي نعيشة بنوع من اليقينالذي لا شك فيه

    دمتي ودامت ابدعاتك

  7. الأستاذ عبدالقادر عثمان
    أسعدني حضورك أيما اسعاد
    المقصد والمعنى أن يتماهي في الصياغة إلا انه حاضرا بقوة في السياقة , وهناك قول يؤكد بأن معظم المقروء يفهم من السياق وما السياق الا متن من متون الكلام ..نعود للموضوع الأصلي وهو ورطة الرحلة الأولى اذا هو واضح بأن النص هنا يتناول الرحلة بصفة عامة والرحلة الأولى بصفة خاصة سواء كانت هذه الرحلة إجبارية أم إنها اختيارية , إذ نظرنا الرحلة كسفر والسفر ضرورة حياتية وان كانت قسرية لضمان الأمن والاستقرار في مكان السكن وجب على المرء التنقل والارتحال ولكن : لكل رحلة ظروفها ودرجة أهميتها , من أقصاها لأدناها ..
    الآن تحضرني أغنية عفرية قديمة ..
    bariteyyo wakti yoo barsele .. kibi take wakti num barsma
    kaqi kulsa yassacakkeh yani cami fayla tassacakkiy tani
    بمعنى سأتعلم لأن الوقت سيعلمني ..الوقت الطويل يعلمك المزيد
    الضعف يعيب على القوة ..والقدح يعيب على المدح
    ولكن للأسف لا العفر تعلمت من الوقت ولا الصومال تعلمت
    وهذا قدر أمتنا التي لا يستقر لها الحال إلا برغبة هائلة لملء العيون التي لن يملأها سوى التراب من التراب , هذه مصيبة ابتليت بها امتنا لا تجد مساحة صغيرة تحتضن الأمان لأنهم يكرسون كل الطاقات للاستحواذ على مساحات كبيرة وليس من أولوياتهم أن يعمروا المساحة التي بحوزتهم بل يريدون أن شبعوا غرورهم بمساحات كبيرة ..أتذكر قصة قرأتها في احد كتب الأطفال لرجل قيل له خذ من الأرض القدر الذي تستطيع قياسه, لم يقنع إلا أن يستحوذ على اكبر مساحة ظل يركض يركض حتى مات عطشا وكمدا , لم يحصل على قطعة أرض ولم يحتفظ بحياته ..هكذا الحال في أفريقيا عموما ..أعاننا الله ..ولو كانوا يعرفون أن الاستقرار والقناعة هما عصب الحياة .
    علما كان لي هناك نصا آخرا عن الرحلة ولكن لن أتمكن من نشره هنا لأنه نص قديم ..وهو بعنوان (الرحيل بحيرة مقدسة )

    بالنسبة لرغبتك بالقيام برحلة من وجهة نظري السفر خارج الوطن أي كان الهدف منها لا يعتبر انتقاصا للوطن بل العكس الغربة وحدها تقربك عن الوطن الذي قد تعيش فيه الاغتراب , فمساحة الوطن تعيش في أعماقنا بكل تجلياتها ويبقى الوطن ممزوجا بدمائنا وفي الختام أتمنى للصومال الشقيقة الرخاء والاستقرار على أيادي أبنائها وان تنقى عن الآثام الخارجية كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ..
    شكرا جزيلا .

  8. العزيزة مريم عبدالله الحاج
    أولا : ارحب بحضورك الذي وضع باقة ورد على ناصية المقال
    ثانيا : في ظني المتواضع والذي لا يتصل بنهج معين قدر ما هو رؤية شخصية , اشعر دائما بأن هناك فرق كبير بين المقال الأبي والمقال الاعلامي ..الأول يتناول الموضوع من الناحية الإبداعية الفنية مدعوما بفكرة محددة او عدة افكار يرسمها بلغة غير تقريرية كما انه لا يضع في اعتباره مسألة تقييد الحدث في مسافة زمنية محددة حيث انه متى ما تم نشره يبقى حاملا بريقه الى مدى أبعد من زمن الحدث .والمقال الاعلامي يستمد وجوده من حدث محدد ومعالجة قضية موسمية ومتى ما انفصل الحدث عن الزمن وتطورت الوقائع فهو لا يعيد انتاجه مرة اخرى ولكنه دون شك استطاع ان يستقطب الاهتمام في حينه بمقتضى الحال .
    سعدت جداا بمرورك وحسن تذوقك
    دمت بكل هذا الوعي .

  9. العزيزة سمية محمود
    ابهجني جدا حضورك الرائع وقراءتك المتذوقة الرقيقة التي تتهادى كغدير يرمي خصلات موجه على ضفاف بتؤدة كي لا يحدث جلبة رقة وسموا
    بورك حضورك
    تقديري واحترامي.

  10. الأستاذ شافعي محمد
    أهلا ومرحبا بك قارئا يربت على أكتاف النص ومتوغلا في احراش المعنى
    أسعدني جدا بأن المقال استطاع ان يستلب منكم الرضا .
    تقديري واحترامي.

  11. عبدالقادر عثمان

    الأستاذة الفاضلة شريفة العلوي
    شكرا علي مقالاتك الرائعة فعلا أنتظر المقال تلو المقال .. صدقني أنا على وشك دخول “ورطة الرحلة الأولى” بلا شك نحب بلدنا لكن ابتلينا بتيه بني اسرائيل ، وأسفار أهل سبأ!!
    شكرا علي مستوى الأدبي الرفيع والبديع، التي يفقدنا مقصدك من المقال لإنبهارنا بروعته وعذوبته حيث يصعب علينا الرجوع الي المعني والمقصد من المقال.. شكرا ومزيد من الإبداع والتألق.
    والشكر موصول لموقع الشاهد والقائمين عليه الذين اتحفونا بمثل هذه الفرص النادرة ..ونسأل الله التوفيق في “الرحلة الأولي” وإن شاء الله نكون في خير “مازال يكتبني القلم »

    عبدالقادر عثمان
    مقديشو – الصومال

  12. مريم عبدالله الحاج

    شكرالله لك أختي العزيزة ,ففي الحقيقة كلامك محفوف في ظرف من البلاغة ويصعب علينا فتحهاو فهم بعض الكلمات التي فيهاوقد أتاك الله الحكمة بفضله فربنا يزيدك,وإن شاء الله سنتفيدبك,فواصلي مشوارك وربنا حيكون معك.

    ولك ألف تحية يا ابنة العلوي.وننتظر لك المزيد.

  13. العزيزة شريفة العلوي

    شجن كلماتك أثار كوامن الرّوح ….

    الوقت ممحاة لا تبقى ولا تذر…. هذا لو سمحنا للوقت أن يمحو الكدر

    والوطن كالأم يغفر العقوق ومهما ابتعدت لا يحرمك الحقوق

    كلمات تستحق أن تكتب بماء من ذهب وتخلّد

    سلمت ودمت

    سمية

  14. اختاه شريفة العلوي .. ألف رائع .. يبدو لي بعدما قرأت مقالك هذا .. فإنه في غاية الروعة رغم أنكِ تستخدم أدوات غيرمعروفة عندنا وعرض لم يسبق له مثيل بالنسبة لنا .. لأن الوصف البديعي بكل أنماطه هو من أساليبك لا أعرف كيف اخترت ولماذا اخترت ؟ .. ألف شكر .

%d مدونون معجبون بهذه: