عندما تتزن قواك تداهمك الراحة

قررت أن أكتبني في دفترك صمتا لا يقرأه أحد سواك، و سأتركني على سطورك حروفاً مشفرة تعيد ذاكرة القارئ إلى زمن الحرب الباردة وحرب النجوم وزمن الآذان المجندة والجنود المنصتة، لا توجد وسيلة لتفكيك تلك الشيفرة إلا إذا تساقط عليها لآلئ أدمعك الغالية ، هذا ليس إمعاناً في استنزاف مشاعرك ولا لجر ذيول شهب ونيازك أحزانك،كلا وإنما كي لا تغرورق حبيبتيك عندما يمتطي النقاء والصدق راحتيك كحمامة تخفق في الطيران وترفض تقليد الدواجن ..

أتدري..؟
أعلم بكل صدق بأن دموعك ثروة وطنية ولو كنت أنت من الذين يسرفون في أخطائهم ويكررون أسفهم لكان الوطن اليوم يغط في ترف وبذخ ورفاهية حد الضياع، ولكن الحكمة في استخدام النفائس لهو أمر مرهون بمن خولت إليهم مسؤولية الحفاظ على الحياض وأنت أظنك مازلت كما كنت من هذا النمط ..

وأنا لا أتقن التظاهر بالضعف كي اقنع الطرف الآخر، بيد أني أعرف بأن عقارب الساعة لن تكذب الظل المتواري كما فعلت يوم اختبروا مسار الشمس وسقوط الظل لمعرفة الجهات كذلك ستعيد الأيام نفسها كما كانت وستأتي لنا بالهارب من بين أنظارنا خلسة بينما كان كل منا مشغول باتهام الآخر وكم سرق لص الوقت من ذرات الحقائق التي تُرى بالعين المجردة وتكبر تحت مجهر الوقت فتتنامى لتفصل بين الظالم والمظلوم ولو أن تقادم الزمن يجعل كلا الأطراف أقل إحساسا بتلك الوخزة إلا إن تذوق طعم الحقيقة لن يتقادم أمام حاسة الانتظار المحترقة على جمر الانتصار على الأقل من جانب الطرف الذي تضرر أكثر وتجرع كبسولات الإحتضار، ثمة زمن لا نعترف به لأنه مربوط بالصبر ونحن من أين سنأتي بصبر يقشر بطن برتقالة الحقيقة حتى نعترف لبعضنا بأننا كم أخطأنا في السابق وكانت الحقيقة مظلتنا التي ضللنا عنها ولأننا لا نريد مجرد النظر لمسافة أبعد من ظنوننا، لن أرتكب أي خطأ يحسب علي لأني لا أحب استعراض أوراقي أمام الرياح كزجاجة عطر بلا عطاء تراق في العراء ورائحتها محفوفة بعيون تندس في جيوب الطرقات ..

لذا سأظل حروفاً تتحصن بالوفاء لعيون تتقن قراءة صدقها كما أنا دائما، سواء أكنت منتصرة أم كنت مهزومة ولو أن الهزيمة تزيدني بجرعات الشجاعة عكس الانتصار الذي يجعلني أبدو اقل احتواءا لـــ أعبائه ومسؤولياته، ألا تدري بأن الانتصار يحتاج إلى قوة تحميه و ان انتصرت لا أملك من يحمي هذا الانتصار ؟

لم نفهم المغزى عندما قالوا لنا ..
when power is balanced you have peace

ربما هناك خيانة لغوية نحتاج الى قراءتها من حيث انتهت الجملة ..ربما..

لهذا أخاف من آفة انتصار تخفي الحقيقة و تقود إلى التكاسل والتواكل والنعاس القسري حد الأرق، أما الهزيمة تسلب من يديك ما لم تكن أميناً عليها فهي تعري فقط مستواك العسكري ومستواك الاستنفاري ومحتواك الفكري ومعاييرك الذهني والى آخره وهي في النهاية تجعلك تعيد حساباتك في كل الأمور وتتأهل لدورك المقبل،لهذا لا تتعجب عندما أرفض أن تتراقص دموع الأنثى على أهدابي وكم أمقت رقة أهدابي عندما تذوب تحت وطأة دموع ساخنة وكم أخلع عني رقطاء الأنوثة عندما يرسم الظل على الجدار الجانبي جانبا من محياي ويرسم صورة ظلية جميلة كم هي جميلة الصورة الجانبية حتى أكاد أجزم بأنها لامراة أخرى، وأنصح ان تُلتقط لأي شخص صورة جانبية لأنها تظهر لك الجانب الأجمل وما خفي من معنى ..

إلا أن تلك الصورة تذوب مع حركة بسيطة مني لمجرد ان انسحب من مكاني تتعرض صورتي لاغتسال الذاكرة وظهور وجه جديد يسمى بــ النسيان، دعك من كل الظنون فالظنون أقسى من الهزيمة لأنها الشهادة الوحيدة على صاحبها وان كان بريئا من أي ذنب لأن الظن وحده ذنب …

10 تعليقات

  1. الأخ المبدع محمد شاكر عرب
    يسعدني رايك في كتاباتي وأسلوبي وخاصة ان تجد لديك ما اخطه هنا او هناك صدى , ذلك موضع غبطتي وحبوري
    اما بالنسبة للروابط فاغلبها يمكنك الوصول اليها من خلال محرك قوقل , لقد اصبح وصيا علينا حتى صرت ابحث عن كتاباتي من خلاله عندما اعود بعد غياب قصير ..
    تقديري وجل احترامي.

  2. الزميل والاخ المبدع فارح عوفلة
    مرحبا بك دائما وابدا فالنصوص اخي لا تستغني عن قرائها فهم وقودها وسبب وجودها بعد الله
    كن دائما بقرب هذا الحرف
    تمنياتي لك الصحة والعافية
    تحياتي.

  3. الاستاذ المبهر عبدالله عيسى آدم
    بدا القارئ يلامس بحاسته السادسة مدى انهمار شلالات الإبداع التي تنطلق من منقار قلمك كلما نشر لي نصا في الشاهد وذلك من دواعي سروري وملهم للابداع ..
    وكما قال الاخ محمد الأمين الهادي بأن ردك هنا كان نصا مكتملا من كل جوانبه ويستحق ان ينزل مستقلا ولو انه اثرى نصي ايضا ..اشكرك كثيرا على هذا العزف المدرار الثري كما اتمنى ان تدوم عليك هذه النعمة بجانب نعمة العافية والعمر المديد

    تحياتي ووافر تقديري .

  4. الأستاذ عبد الباسط هيبة
    شكرا لقراءتك وبذل جهودك للوصول الى فحوى الموضوع ..ولكن البطن لا تتذكر اللقمة السهلة ولا تستلذة به اللسان
    سعدت جدا بمرورك .

  5. استدراك ، لكن غير موقع ( المعهد العربي للدراسات الاستراتيجية) فإنه عندي .

  6. شكراً للأخت شريفة العلوي ، على هذا المقال الأدبي الجميل ، الذي لا يصدر إلا عن أديبٍ ، ذي قلم سيال ، و ذهن وقاد يمكنه التلاعب بالألفاظ كيفما أراد ليسخرها لتقديم أفكاره ، في الحقيقة أنا من محبي الأدب ، و قد جذبني أسلوبك ، فلو أعطيتني رابطاً أصل من خلاله على الأعمال الأدبية التي أنجزتها ، أو مواقع أخرى تنشر من خلالها أعمالك ، ومواقع أدبية مفيدة…و شكراً .

  7. نطل متفرجين ما يحدث من جمال الأدبيات من الأستادة الشريفة شريفه علوي وتعليقات الأستاد عبدالله عيسى أدم
    ‘لى الأمام تحياتي

  8. عبدالله عيسى آدم

    ماذا أقول عمن لم يسمع أنّ للهجران وجعاً ..! وجهل أنّ للخجل دمعاً.. فلا يشاهد الحزن في فلسفة الأحزان وسط زمن الصمت الرهيب!
    أتيحت لكم لغة دمع جديدة.. غير اللغة السائدة من دموع الحزن وقهقهة الحبور الرخيمة،.. يسمح لك أن تبكي فيه ندماً وخجلاً .. من دون أن يكون في أعينكم دمع العتاب!

    سلني عن دموع اللقاء إن كنت مهجوراً، وكيف تطير الذكريات مرفرفة في خاطركَ عن أصحابكَ أولئك، تلحّ عليكَ أن تبحث عنهم، وتحبهم، وتكون وفياً .. ولو بذكرى مليحة!

    أمّا إذا كنتَ هاجراً .. فلن تأبه كثيراً أثناء الهجرة، فأنتَ حينها تركض وتركض دون أن تلتفتَ لمن حولكَ .. ولمن خلفكَ .. ولمن أمامكَ .. لن تحاول حتى النظر إليهم، سيهمكَ فقط أن تزيد من سرعتكَ لتصل .. ستتبلد حينها مشاعركَ، ويتصلب قلبكَ، وتبهت ذكرياتكَ! لكن .. يجب أن تعرف أنّ الأمر سيختلف حين اللقاء ..بشرط !

    أن يكون في قلبكَ بقية من رحمات تشقق منه الأنهار .. خاصة بعد هجران السنين .. لذلك .. كان عناقاً شجياً .. وحزناً أبديا .. ولقاء ظرفياً !

    هل حضرت في مأتم الأمة ممثلة بالأم الحبيبة… رائحتها عبقة، وابتسامتها تلوح، وفي الزوايا بقايا من بقاياها ..هل ظننتُ يوماً أن سيكون اللقاء هكذا؟.. وهنّ متوشحات بطرح سوداء، والحزن يضفي على وجوههن الصبيحة غلالة قاتمة تصيب قلبك بنصل حاد .. أغمض عيونك قليلا وأجلس باسترخاء إلى الوراء .. فهل عهدتْ هذا البيتَ حزيناً من قبل؟ أمعن النظر في الجدران وأسألها إن كانت تذكرك! أرجم أن اسمك منحوت خلف الستار يندى ورد الربيع .فإن لم تجد فذلك فعل الزمن فلا يجوز أن تقول بانكسار: كيف مات؟ خيارك الوحيد أن تحضن الستار بوجع .. فتأتيك إجابة قاسية كقسوة الهجر: كنت مريضا .. وكنت اسأل عنكِ كثيراً حتى مماتي !

    رغم أنّك تنادي دوماً أن نبحث عن وطن الأحباب .. تفعل ذلك من باب الترف الفكري .. الذي لا نعيشه حقيقة .. لقد كان درساً قاسياً .. أيقظ فيّ ذاكرتي وشائج قديمة ذهبتْ بها الأيام، فما عادت تلقى سكناً بين دقائقي الصاخبة !

    لقد جعلني الدرس أفتح درجاً مهجوراً .. وأنظر في دفتر الهواتف القديم .. التقيتُ فيه بأسماء كثيرة غابتْ عن أيامي .. أو غبتُ عنها .. وثار في داخلي جيش من الحنين .. !أغلقتُ دفتري .. شعرتُ بعزيمة .. وهتفَ في داخلي هاتف الأخوّة .. حينها .. قررتُ صادقا مع الله .. ومع نفسي.. بأنني وإن كثرتْ هموم الحياة .. سأسعى بإخلاص نحو منابر النور بفكر القلم والأسطر المليئة بفلسفة الأحزان دوما.

  9. عبد الباسط هيبة

    مقا ل رائع وممتع لكن تفهم المعني بعد لف ودوران في االقراءة وشكرا للأخت الفاضلة

%d مدونون معجبون بهذه: