لحن الحداد..!

كأني أسمع صوتي قريبي ، في عرض البحر منادياً ، مناجياً ، مصدوماً ، مغلوباً على أمره ، يموت غريقاً ، غريباً ، جائعا ، وحيداً ، يائساً ، تائهاً ، حزيناً ، مكسور الفؤاد ، بعد ما عاش تسعة أيام ولياليها على ظهر سفينة متهالكة ، مكتظة بالأرواح ، تحاور الموت في حركاتها العبثية ، وقيادتها المتهورة ؛ فكان قريبي يبكي بصمت، ويأمِّل نفسه بالنجاة ، وانتهت هذه المعاناة ، ولكن صرخته الأخيرة قطعت الشك باليقين ، و مات وهو لا يعلم.. كيف ستُروى قصته ولا من سوف يواري جثته ، ولا من سوف يقيم له مجلساً للعزاء .

 آهٍ .. ما أقسى ذاك الصوت ، وما أغدر موج البحر ، وما أوجع منظراً لجثة الصومالي الباردة الملاقاة هنا وهناك ، بدون اسم ، ولا وثيقة ، ولا صورة شخصية ، فقط هي رقم في قائمة الجثث ، مجرد رقم يُضاف إلى ضحايا الوطن ، ويذاع على منابر وفي نشرات الأخبار ، ويهز العالم رأسه متأسفاً لذلك الرقم المهول ، وتنتهي القصة بالبحر كما بدأت فصولها في البحر .

البحر هو الآخر أصبح مقبرة جماعية لأبنائنا ، وبيدو بأن الصومالي مهما حاول أن يرتبط بالأماكن ، ويصادق تلك الأماكن ، تُدير ظهرها له ؛ فتصبح تلك الأماكن عليه بدل أن تكون معه ، وتنتهي بأن تكون أشياء لا تشبهه ، لا تعرفه ، تتنكر له ، تبتلعه ، وترميه للغريب غريباً .

 هم محمد ، وأحمد ، وعبد الرزاق ، و جامع ، و أمنة ، وفاطمة ، وحفصة ، وعنب ، و سغل ، و كثيرون يحملون اسماً يختلف عن تلك الأسماء ، وأوصافا قد تشبه بعضهم وتغاير بعضهم ، كانوا طلابا وأزواجا ، وآباء ، وأمهات ، وأطفالا ، وأخوة ، وأصدقاء ، وعلى الرغم من الجنون كانوا جمعياً حالمين طامحين أن ينفتح لهم باب من السعادة على مصراعيه ، و لكنهم رحلوا جميعاً ، و رحل جزء منا معهم يرافقهم للأبد .

 الموت لا يأتي وحدة أبداً ، يأتي ومعه أجراس المحاسبة ، التي تدق بصمت على ضمائر الأحياء ، وفوق ذاكرة التاريخ ، وتفتح باباً للنقاش السياسي ، والاقتصادي ، والديني، والمجتمعي ، وتبحث عن مكامن الخلل ، وتطرح أسئلة بسيطة وعميقة في ذات الوقت ، و إن موتا جماعياً مثل موت أبنائنا في البحر الأبيض المتوسط يحتاج إلى إجابات منطقية ، ومقنعة وسريعة لا تقبل التأخير ، و حلول واقعية تغلق ذلك الجرح المفتوح منذ سنوات ، من خلال عقد جلسات محاسبة للمسؤولين عن هذه الفاجعة الكبرى وغيرها من الفاجعات في الداخل والخارج ، والسماح – بلا عرقلة – بأن تأخذ العدالة مجراها ، وأن تستقبل ساحات المحاكم أحكاما قضائية مشددة .

 وأخيراً؛ عزائي الصادق لكل بيوت الصومال التي غاب عنها نورها ، وأُستدل الستار على وجه حبيبها ، وتورات البسمة أمام حرارة بكائها ، مع تلك البيوت أصلي حزناً خلف وطن كان أماً وحضناً لأبناء رحلوا وهم قد خاصموه أو خاصمتهم ظروفهم ، وطن يبكي مقهوراً عاجراً بلا دموع ، بلا نواح ، يرتمي على مد البصر بحزن يعزف لحن الحداد ، يطلب من الله المداد ، والعون ، والقوة والصبر في هذا المصاب الجلل ، يارب هون علينا هذا الفراق ، فأنت تعلم ما في قلوبنا من غصة ، وما في أرواحنا من حرقة ، وما في نفوسنا من كسرة ، منْ غيرك يجبر الخواطر ، ويرمم المشاعر ، ويرحم ذلك المهاجر الغريق .

%d مدونون معجبون بهذه: