جلسة شعرية مع عالِم صومالي

في هذا الأسبوع شاركت مؤتمرا أقيم في عاصمة الدولة النوروجية “أسلو” مع كوكبة من العلماء والدعاة، وكان منهم الشيخ الدكتور أحمد طاهر أويس، فجمَعنا نحن وإياه مجلسُ استفادة وتجاذب أطراف الحديث، فاكتشفتُ بأن الدكتور يتمتع بذوق شعري رقراق راق، فطفتُ معه في عباب بحور عدة من الشعر، فكلما اشتط في البحر، وأمعن في أمواجه، إزداد شعره عذوبة وبهاء، ورونقا وصفاء، ثم تعرجتُ معه إلى تنوع المجالات فاكتشفتُ بأنَّ له سهما في كل مجال، فهو يجيد المدح كما يجيد الذم، فهو يتقن الرثاء كما يتقن المزاح، حتى طلبت منه أن ينشد لنا أبياتا من الغزل بالشرط أن تكون من بحر المتقارب، وكنتُ أضمر في نفسي بأن العلماء بعيدون عن ولوج في مثل هذه المعمعة، وعن ممارسة في مثل هذه المجالات، لكنه انبرى ففاجأني بأبيات حسان، وذوق سام، وعاطفة فياضة.

ومن أبياته:

وَغَانِيةٍ كَالسَّهْمِ مُمْشُوقَةٍ … حَسْنَاءُ كَالبَيْضِ فِي عُشِّهَا

مُكَلَّلَةٌ بِأنْوَاعِ الجَمَالِ … مُزَيَّنَةٌ بِخِصَالِ الحِسَانِ

يَكَادُ الحَيَاءُ يُقَطِّعُهَا … وَيُعْوِجُ مِشْيَهَا المُتَّزِنِ

فقلتُ: إن الشعر الصومالي حديثه وقديمه لم يحظ دراسة كاملة في كلماته، وبناء جمله، وتنقيب تماسكه، وعرض بنائه على محك القواعد اللغوية، والمحكمات النحوية، والقواعد الصرفية، والمحسنات البديعية، ولم تحلل أسسه للوقوف على مدى تماسك بنائه وترابط مفاصله، وتناسق أجزائه. كما أنه لم تُحلب أشطر شعرائنا، ولم تُستدر منهم ضروع إنتاجهم الشعرية، ولم ُتثر خيالاتهم الخصبة.

 وسدُّ هذا الثلم الشاغر من أهم حاجة الناس في هذا العصر، وإيجاد جواد يقتحم في معمعته، ويسلّ سيف قلمه عن غمده لمن فرض الكفايات، ولو آثر أحدنا أن يلج في لجج غماره، ويصارع مع عباب بحاره لكان مجاهدا في معارفه.

ونحن قوم فينا ما يكفينا من العور التي تعوقنا عن الغوص في عمق لجج شعر شعرائنا، وتناول درر جواهره المتناثرة في قعر ألفاظه ومعانيه، إلا أنه لا مانع من أن سيتجمع واحد منا همتّه ويتوكل على ربه ويجعل منهجه – تحليل الجمل ودراستها- المنهج الوصفي سائرا في ضوء علمي النحو والمعاني إذ بهما تتعانق المعاني مع القالب، والصيغة مع الدلالة، والجسد مع الروح؛ فيضع نصب أحد عينيه على البناء والأخرى على المعنى، ولولا المعنى لاستوى الفصيح بالعي، واللسن باللكن، والحساس بالمتبلد، والمدح بالذم. فالألفاظ ليست لوحدها الهدف بل لا تفيد شيئا حتى تصفّ على نمط معين تحكمه قواعد خاصة أو كما يقول: الجرجاني ([1]) وليس المقصد ” ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتّفق” ([2])

وعليه؛ فإن قانون اللغة هو المسطرة التي تقاس بها الشعر، و ينسج الكلام على منوالها، وهو الميزان الذي لا يجور، والمعين الذي لا ينضب، والإرث الذي لا يشق له غبار، فهو الحاكم ذلك الصرح اللغوي المنيف ، كلما تناثرت أحجار كلماته صاغها من جديد ؛ لتلتئم لحم بنائها ، وتنسجم أبعاض هيكلها؛ إذ قد يتوهم المحلل أنماط الجملة العربية أن قانون اللغة – النحو والصرف والبلاغة – قد توقفت قواعده عند شاطئ القدماء ، وبالتالي فلا جديد تحت أديم السماء ، لكنّ الحقيقة أن اللغة لا تتوقف عند زمان معين ومكان محدد، ولكن لها جانبان جانب ثابت : وهو جانب القواعد، وجانب متجدد مرن يلبي حاجة اللغة في كل عصر وزمان: وهو جانب المعنى والدلالة.

…………………………………………………………………

الهوامش : 

[1] – هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار، وُلِدَ وتوفي في جرجان (400- 471هـ، 1010 – 1078م.

[2] – الجرجاني، دلائل الإعجاز، صـ 30

تعليق واحد

  1. ياجماعة ارحمونا…
    وَغَانِيةٍ كَالسَّهْمِ مُمْشُوقَةٍ … حَسْنَاءُ كَالبَيْضِ فِي عُشِّهَا

    مُكَلَّلَةٌ بِأنْوَاعِ الجَمَالِ … مُزَيَّنَةٌ بِخِصَالِ الحِسَانِ

    يَكَادُ الحَيَاءُ يُقَطِّعُهَا … وَيُعْوِجُ مِشْيَهَا المُتَّزِنِ
    هذا ليس شعرا.. ولا يسير على نسق ..

%d مدونون معجبون بهذه: