وقفة مع قصيدة “عجبا يحارب نفسه الصّومال “

وقفت على حين غرّة مني ديواناً يحمل اسم ” طفل مسلم من سراييفو والصّومال ” من شعر فيلق من فيالقة الشّعر المعاصرين خالد مصباح مظلوم ، فبحثت فيه بتلهّف وشوق غامر لأجد كلمات ذاك الطّفل البريء الصّومالي الّذي عبّر عنه الشّاعر بكلماته ، فلم يوافق شنّ طبقة، ولم أجد قصيدة توحي عن روح طفل يشكو ويتألّم ، ولكنّي بدلاً عنها وقفت على قصيدة العنوان ، قصيدة شاملة لخلجات إنسان ، وتأوّهات أرواح ، تقف الدّموع على مُقل العيون ، لتدرّ على صفحات الخدود .

في بادئ الأمر لم أعرها أثناء القراءة اهتماما ؛ لأنّها أُلّفت بعد سنة من مصيبة الصّومال الكبرى ( عام 1992) ، فكأنّ مشاعري كانت تهمس إليّ قائلة : شعر تاريخي أكثر من واقعي ، مضى له زهاء ربع قرن ؛ إلّا أنّها تلاشت بعد أن استقرّت العين على جُمل أصبحت في قلبي كرعدٍ فاجأ خائفاً يكبّ على زناد في أدغال ملتفّة ، تلك هي قوله :

الشرّ هذا منكمو وإليكمو *** وعليكمو يتواصل البَلبَالُ

كانت مطامحكم أشدّ تسامياً *** وغداً تدنّيكم هو الآمال

بعد أربع وعشرين سنة من هذا القول ، ما زالت الصّومال في تدنٍّ وتدهور ، كلّما بدا بريق أمل تآمرت عليه عصابات دجل .

يُفلق الشّاعر هامة شعره بكلمات توجز واقع البلد آنذاك ، ويصوّر ذاك الوضع المرير الّذي سيصطحبه للقارئ ذاكراً أنّ العظيم المُفتخر به ، الّذي يرجوه الجميع ويأمل الخير فيه ، إذا هوي بفعل جماعةٍ لاعقلانيّة ، ولم يتدارك الجمهور العاقل أمرهم لممّا يُقضى له العجب .

ثمّ يكرّ ويعدّد أسباب التدهور المفاجئ من نعرة قبليّة ، وتسلّط على كرسي ، وطغيان حكّام ، واستكثر من آهات النّدم وخطابات الترجي ، متوسّلاً بأواصر الرّحم والدّين .

والقصيدة تفسّر نفسها بنفسها ، ولا يحتاج قارئها إلى تبيين لاسيّما من يعيش الواقع الّذي تصفه ، وقبل بسط فرش القصيدة أُبرز إطلالة على القصيدة :

وهي أنّ القصيدة المكوّنة من ( 85 ) بيتاً الّتى رثاها الشّاعر السّوري بالصّومال قبل ربع قرن من الزّمان تصلح وأزيد منها أن تكون مرثية لإخواننا في بلاد الشام ( سوريّا ) – أصلح الله أحوالهم – وقد أُكلت الدّول الإسلاميّة يوم أكل الثّور الأبيض ، لم يكن يتصوّر الشّاعر الّذي صبّ صنوف اللّوم تارةً ، ودرر النّصح أخرى على الصّومال ؛ أنّ مسقط رأسه سيؤول إلى مثلها وأسو منها ، وإن لم نتدارك اليوم إصلاح ما خرب منّا كمسلمين سيتتابع الباقي على نفس المنوال – ونعوذ بالله من ذلك – .

وبعد هذه النّقطة أظنّ أنّ للنّفوس لهفاً بقراءة القصيدة ، وهزجاً لحكّ إنسان العين بها ، فلأترككم مع نبذة منها :

عجباً يحارب نفسه الصّومال *** وهو الّذي فخرت به الأجيال

عجباً دهته طغمة تختال *** وتظنّ أنّ جنونها استبسال

حربٌ وفوضى فاقةٌ وهزال *** وصراع أحزاب هو الصّومال

بسبيل ما يدعونه قبليّة *** قد مزّقوا أرحامهم وتقالوا

هي نعرة قبليّة منسوبة *** للجهل يسقط عندها الجهّال

بسبيل كرسيّ التسلّط دمّروا *** أمجادهم وعدُوّهم يختال

ماذا تقول لحاكمين أذلّهم *** ربي بما طمعوا به واحتالوا

من كان من يدهم مصائب نفسهم *** ماذا يقال بحقهم إن زالوا

استبدلوا قرباهمو بشقاقهم *** وهم بنو عم وهم أخوال

الوعي من قاموسهم محذوفة *** أمّا البديل الويل والإعوال

هدموا المزارع والمعامل والبنا *** وبنوا مقابر واستراح البال

قحط الطبيعة زاد قحط عقولهم *** وهم الجناة وشعبهم يغتال

أنفوا المحبة والتفاهم والهدى *** ساغوا الجهالة والغِوى وأطالو

ساغوا التزلّف للعدوّ بسؤله *** يأتي ويوقف حربهم ويطال

ساغوا دخول المشركين لأرضهم *** بدل التفاهم يا لهم جهّال

قاموا قديماً بالحضارة والعُلا *** واليوم تستهويهمُ الأغلال

واليوم كأس الماء أصبح ثروة *** واليوم ساد العُري والأسمال

وشهيد جوع لا شهيد معارك *** للّه قد جعلوك يا صومال

كلّ يقول بأنّه أسد الحمى *** هل يستوي القوّال والفعّال

أو ما يهزّهمو وفاة صغيرهم *** وأنين جيران لهم وسعال

الشرّ هذا منكمو وإليكمو *** وعليكمو يتواصل البَلبَالُ

كانت مطامحكم أشدّ تسامياً *** وغداً تدنّيكم هو الآمال

تبّت يدا قابيل يقتل أهله *** ويظنّ أنّه عاقل مفضال

ماذا نقول لمن يُعرّض أهله *** للجوع والبلوى أجب يا خال

إن كان حالهمو قديماً سيّئا *** أو ليس أسوأ منه هذي الحال

هذي المناظر من بلاد صُحّرت *** أرضاً وعقلاً كلّها أهوال

انظر إلى هذا الصغير وسربه *** أضلاعهم فوق الثّرى تنهال

وفتى تخشّب عوده ويفاعةٌ *** تُبدى على سيمائه وتُزال

الهيكل العظميّ سعى ميّتا *** والميّتون يقربه أرتال

هل يا تراهم أغصن يبست على *** أعجازها أم إنهم أطلال

الشعب يفترش المذلّة والظما *** والفاسقون بطونهم أغوال

أسفي فما أم تشاهد لقمة *** لوليدها وعلى الظما تحتال

أو ما تؤرّقهم دموع رُقرقت *** من قلبها وحيالها الأطفال

من قبل كان لها نهود أرضعت *** نفس الرعاة وهم عليها بالوا

الموت أفضل من عذاب شعورها *** الموت أرحم من فتى يُغتال

أو ليس أمّ مثل هذي برّة *** بالنّسل يُجعل أجرها الإجلال

الأمّ رمز العطف يرفع شأنها *** نسل كريم اسمه الصّومال

يا أمّ يا شرف البريّة كلّها *** صبراً فصبحاً تهدأ الأحوال

وسيستجيب الله دعوتك التي *** ترجين فهو القادر الفعّال

صومال يا صومال يا بلد الهدى *** من قبل ، كيف تردّت الأحوال

صومال يا صومال رباطة الدّما *** والدّين تربط بيننا والمال

فلتخفضوا هاماتكم للحقّ يا *** قُوّاد فهو المُنقذ المِفضال

آن الأوان لكي تلمّوا شملكم *** من فوركم ويفارق البلبال

توبوا إلى الرّحمن ثوبوا للهدى *** وتغيّروا تتغيّر الأحوال

لا ييأس المخلوق من رحمانه *** كلّ الصّعاب بعونه ستزال

وبعد ، فالكلّ يعلم جزماً أنّ الوضع الصّومالي تحسّن من ذاك المرير الّذي ذاقه قبل سنوات إلّا أنّ مرارة آثاره ما زالت تختلج في أحشاء الشّعب المنهك ، وما زالت هناك فئة يقتفون آثار أبالسة الفتن ، كان الله في عون جميع المسلمين .

4 تعليقات

  1. خالد مصباح مظلوم

    سيادة الأستاذ كاتب القصيدة النبيلة كقلبه أريد إيميلكم الشخصي لأرسل إليك كل اشعاري الوطنية الجديدة لعلها تثلج صدرك وصدر الجمهور ولعلها تسهم فيما طمحت إليه من نشر الخير الفكري والنفسي والتاريخي والشعري بصنيعك الكبير في استخدام شعري كتقدير عظيم منك ومن الجماهير لقلب كان وما يزال على أمته في الصومال وغيرها ، نعم أمته الكونية كلها بأبرارها وأشرارها وشكرا خالد مصباح مظلوم شاعركم صاحب تلك القصيدة والديوان

  2. عبد المؤمن أيمن محمد

    وهذا البيت لعله كان كذا
    الهيكل العظميّ سعى(يسعى ) ميّتا *** والميّتون يقربه (بقربه ) أرتال

  3. عبد المؤمن أيمن محمد

    لقد تفرس فينا الشاعر فأصابتنا حقيقة فراسته ،جزاه الله خيرا لاهتمامه بالأمة الصومالية ،وجزاك أنت خيرا .
    وحبذا لو وجدنا القصيدة كاملة .

    • محمد

      شكرا أخي ..
      القصيدة لم أجدها مكتوبة في الشبكة العنكبوتية .
      امليتها من الكتاب ..
      وربما سأزودك بها لاحقا ..

%d مدونون معجبون بهذه: