إمعان النظر في هدايا البشر [قصيدة]

قصيدة تتعلق بهدايا الناس بعضِهم لبعض .

والكلام عليها له عدة من الجوانب ، ولكن حديثي سينحصر في جانب تأثيرها لمن أهديت إليه واستمالة قلبه إلى المهدِي ، وهي وإن كانت من جملة عموم المال الذي جُبل الإنسان على محبته ، كما جاءت النصوص من القرآن والسنة في ذلك ، إلا أن لها شأنا خاصا في القلوب ، فذوقها متميز لا حدَّ لعُذوبته وارتياح الخواطر إليه ، وقد قرَّب إلينا العلماءُ والشعراء هذا المعنى في كثير من مؤلفاتهم وأشعارهم. كقول الشاعر :

للهدايا في القلوب مكانٌ ** وحـقـيـقٌ بحبها الإنــسانُ

وقبلهم قال عليه الصلاة والسلام” تهادوا تحابوا ” وهو حسن أخرجه البخاري في ” الأدب المفرد “

فيفيد الحديث أن تبادل الهدايا يجلب المحبة المتبادلة .

 وإذا جذبت للمتهادين هذه المحبة فإنها بلا شك تزيل الضغائن والإحن عنهم إن شاء الله .

 ولهذا قيل : الهدايا تذهب الشحناء . وقيل أيضا :الهديّة تجلب السمع والبصر والقلب .

 وقال بعضهم : الهدية تفتح الباب المغلق .

 وفي هذا المعنى جاء قول الشاعر :

إذا دخل الـهديـةُ دارَ قـومٍ      تطايرت العداوةُ من كِواها

ولعظم وقع الهدية وجلالة قدرها أرادت ملكة سبأ أن تختبر بها نبي الله سليمان أملك هو أم نبيّ ؟ فأرسلت له الهديه ؛ لعلمها أنه إن كان ملكا سيقبلها ويرضى بها عنها فتبقى في ملكها ، بخلاف الأنبياء فإنهم لا يقبلونها على حساب الدين واتباع الحق . قالت: (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) .

 فانطلاقا من كل هذا ، أقترح أن نستعمل الهدايا كعلاج في حل مشاكلنا وتقليل أو إزالة خلافاتنا ؛ فإننا نحن الصوماليين بحاجة إلى صفاء القلب ووحدة الصف والكلمة أكثر من غيرنا ، وإذا أهدت كل قرية إلى أخرى بما تطيق وكل بلد إلى آخر في مواجهة الأزمات ، ومَدَّ المغتربون يدا واحدة إلى ذوي النكبات ، بدل قيام كل فئة منهم بمساعدة القرية التي انحدرت منها ، عندها تتقارب القلوب ، وتؤتي الهدية أكلها بإذن ربها ، وقلوب شعبنا مزارع خصبة لغرس بذور المحبة والأخوة ، لاسيما في هذا الظرف الذي فشت الأمراض والجفاف في مناطق من البلد ، وأوشكت الفيضانات أن تجتاح قسما آخر منه ، وفي ظل غياب أي دور تفعله حكومة مركزية أو إقليمية حيال ذلك .

 وقد ثبت بالتجربة أن الهدية دواء نافع في كثير من حالات المشاكل الزوجية ، كما تقرر عند خبراء المشاكل الأسرية ، فأكدوا أن العلاج النافع في ذلك هو الإنفاق وتوقي الشح .

 وإذا برئت بها قلوب الأسرة من أدوائها فستعافى بها قلوبنا بإذن الله ما دام الداء واحدا والدواء كذلك.

وإن لم تكن ترياقا ناجعا وحاسما للداء الحالي ، فلا أقل من أن تكون من اللقاحات الواقية بإذن الله من أدواء مفترضة ، لا قدر الله ذلك . فقلت في الكامل المجزوء المرفل :

أعمَلتُ فِكري في خليـ *** ـقَةِ أمتي جيلا فجيلا

فوجدتُهم يَرضُون إنْ *** مُنِحوا وإن مُنِعوا فَهُمْ لا

بل لا سلامة منهمُ *** ما لم تُخَوِّلْهم نوالا

فلِسانُهم سيفٌ له *** حدَّان يَمنة او شمالا

لا تَرْجُوَنَّ سكوتَهم *** إذ كان ذا ضربا محالا

مَن يُعطهم مالوا له *** ما المال إلّا ما أمالَا

   إن الهدايا طبعُها *** في الناس تمتلك العقولا

فنفوسهم تَوَّاقةٌ *** لهدِيَّةٍ تَوقاً أصيلا

فمذاقها في عينهم *** عسل ألَذُّ لهم وأحلى

أضحى العدو لِوَقْعِها ***في نفسه خِلّاً خليلا

داء الحسود دواؤه *** فيها وإن كانت قليلا

فيقول بعد شفائه *** مِن دائه : شكرا جزيلا

هي وصفة لضغينة *** قد أصبحت مرضا عضالا

ودَنى البعيدُ تدرجا *** ممن حبى ميلا فميلا

وإذا العُداة تحوَّلت *** للأصدقا قولا وفعلا

فَلِأنْ تُؤثِّرَ ذا القرا *** بةِ قبلَهم أحرى وأولى

سحرا حلالا سَمِّها *** إذ كان فيها اسما جميلا

لا غرو في كلَف العطا *** فلقد حكى القرآنُ قَبلا

فقليلُ مالٍ أذهب الشـ  ** ـشحناء قُلْ : أهلا وسهلا

ومعادن الكرماء تظـ *** ـهر عندما سُئِلوا سؤالا

مثلَ الشجاع فلا يُرى *** إلا إذا خاض القتالا

وإذا توحّدت الشعو *** ب وقَرَّرتْ أن لّا انفصالا

فالعكس في شعبي صحيـ *** ـح بئسما اتخذ البديلا

فتَمزُّقٌ ودوائل *** وحصيلة جرحى وقتلى

واللهَ أسأل أن يُؤَلـ *** ـلِفَ بَـيـنَـنَـا ويُزِيلَ غِلّاً

%d مدونون معجبون بهذه: