لوحات على جدار فراغي

لوحة أولى :

أحب الرحيل ولحظات استعداداته المؤرقة أرقب فيها حين ينتفض القلق كطائر حبس في قفص أضيق من امتداد جناحيه والكون يبدو أصغر من قهر أجنحة متناثرة الريش ..

وأحب مفردات الوداع التي تتبرعم كأزهار الربيع لتضع أمامي مشاعر المودعين وتلويحاتهم لكفوفهم التي تبتكر لغة جديدة في قاموس الرحيل والتي ستبقى في ذاكرتي موضع الاشارة بوصلها الموصول..

وأحب حقائبه التي تدلل احتياجاتي وتنسق بعض أغراضي حسب المسافة المراد قطعها بحدة نصال الخطوات، أثقل ما تحمله حقيبتي، قلم الكتابة وهمومها التي تمنح للصفر على ناصية اليسار قيمة وتفقد الرقم الآخر وزنا ..

وأخف ما تحمله قلم روج ليس له وظيفة سوى إن المدنية قيدته بين الأدوات كخطوط أصابع النساء ..

أجمل ما في الرحيل.. الرحيل ذاته .. واختباره الذي يعطيني النتيجة نفسها في حالتي الفشل والنجاح معا لأن مشقته تجرب معايير قدرتي وعناء ساعاته تحدد كفاءتي لمدى تآلفي مع الأرصفة.

لا أحب المحطات، فالمحطات تزيح مسافة تميزي وتخلط بين غبار الآخر ورتق قدمي لرصيف امتهن التشقق، فتضيع ملامحي وتلصقها بتضاريس جغرافية مبهمة، المحطات تعهدت منذ أزمنة بدء الرحيل ومعرفة الوجوه التوجه شطر أفق يلمع من بعيد ويبدو كأنه منظر ساحر حالما تجتازه الأقدام توقن بأنه لا يختلف عن تلك المسافات التي داستها بحثا ً عن اختلافات ٍ كنت تجهلها .. ربما قادك الفضول إلى واحة سراب تعج بكل ما كنت تضيق به في مكان فتخترع حاجتك للتغيير، لتجد نفسك ..كالمستجير من الأعداء بالموت و حالك لا يختلف عن حال بستاني اعتاد على استنشاق الشذى والعبير وجلس تحت الكير قد تجهل بأن العادة تورث الملل والتمرد حتى وإن ساقتك إلى حيث لا يوجد ما يمكن أن تمل منه لأنه لا يوجد …….

المحطات تزدحم بالفوضى وعندما تخلو من روادها تطالب بالمزيد من وجوه غير قابلة لمرافقة ذاكرتك ..المحطات تُسقط من دهشتنا بالأشياء ضوء الوله وتغسل طعامنا من الملح .. فالمحطات فصيلة دمها أو تعمم المصلحة ولكنها تتسلح بالخصخصة.

لذلك قررت أن أسافر دون أن تلجم قدمي تلك “المحطة ” وكيف لا وأن القلب دائم السفر عبر دقاته المترنمة بلغة الحياة والحياة مازالت تمد يدها لتراقص أحلامنا حتى وإن كانت أحلامنا لا تتوافق مع هذا الكوكب.

لوحة ثانية:

أصدرت هذا الصباح مرسوما جديدا لقلمي بأن يقلع عن الكتابة في الحب، قلمي الذي كلما تجاوز حواجز همومي وسما بها نحو غيوم تعتصر حويصلاتها التي إن لمحت ثغرا يلمع بوجع زجاج الرمل أسدلت ستار الغرق ليس إلا لترى قطرة الماء المتكورة منعكسة على تلك الرمل الأقوى من الزجاج وأرق من الحجر الأصم ..

قال القلم ـ ما جدوى الكتابة أن لم تندس بين ثنايا السطور شرارة الحب!

قلت :أريده أن يكون كخريطة جغرافية تثبت مكاني وتؤيد حقوقي بخيوط رسم بياني أوهن من رموشي

وأن يكون كتاريخ يوثق أخباري ومنجزاتي وخيباتي المعطرة بنزاهة روح لا تبحث عن الغاية بوسائل محظورة

وأن يكون كمادة الفيزياء يؤثر في الكون ومساره دون أن تلمس الأيادي أدمة جلده

وأن يكون كـ كيمياء يتفاعل مع كل العناصر دون أن يفقد خصائصه

وأن يكون معادلة رياضية مهما تعددت طرق حلولها تأتي بنتيجة واحدة ثابتة

وأن يكون كالماء ينساب من القلب عفويا ولا يعطي مجالا لاختراق الآخر لسطحه المتماسك

وأن يكون كحجر يكتم دخان الحرارة في جوفه ويسدل على راحتيه أدخنة الزمان

وأن يكون كالبحر يهادن السفينة متى ما شاء ولا تهادنه السفن متى ما شاءت

أريد الحب أن يحتفظ بحرارته حتى لو وضعته في الثلاجة كما الفلفل الأحمر

عندما يكون الحب بهذه الصورة سأعكف على كتابته حتى الرمق الأخير.

لوحة ثالثة :

قال القلم :

أنسيتِ بأن المرايا تقف أمامك لتستعيد ثقتها ببريق بلورها في شفافية الرؤية ؟

قلت: وإن كانت!

قال: أنسيتِ بأن الحروف جميعها تدل عليك بسهام المعاني وتنتفض كعصفور تحت المطر حين تمررين عليها لحظيك المكحلتين بالرؤى؟

قلت : وإن كانت!

قال أنسيتِ بأن العطر ينفلت من سدادات القوارير ويرش رذاذه صوب إطار نافذتك متسلحا بالنسيم؟

قلت : وإن كانت!

قال هل تنكرين بأن آخر كتاب راودك لقراءته وتودد لأضواء نظراتك ورغبت سطوره أن تركض خلف سهام فهمك لمحتواها وكأنه هو الذي قرأ المعلومة المنعكسة على جبينك بينما كنت تنكفئين على ظل شجرة ظهرت في أسفل يمين الصفحة المحددة وأنت تقبضين على ألمعية الكاتب لاختياره موضوعا يكفل باهتزاز المنطقة من جراء بثه في المحيط بينما تجاوز فكرك تلك النقطة التي استوقفتك؟

قلت: وإن كان !!

حين أتسقف السماء كمنزل ريفي تصارع بين جنباته الأعاصير أنفاس الزمن ويبقى رغم وهن أساسه منتصب القبة ..

وأفترش الأرض تلك “الأم” التي لا تمل من أقدامنا مهما قست عليها النعال ولا تمل من جذوعنا كحصيرة تستنطق النعاس بين الجفون ..

وأركن على جدار فراغي لا تحدده الهندسة المدنية ولا تتحكم به شروط البلدية التي ستبقى أبدا طابورا خامسا في عالمنا الثالث .. لذا لا شيء يهم حين أؤمن بإنسانيتي وحقوقي كمواطنة في الكوكب التاسع بين تلك الكواكب التي مهما كبرت لن تقترب من جسد النجم وان صغرت لما حافظت على اسمها.. فأنقذتهم البلاغة بتسمية كويكب، لكنها كفيلة بمد نسغ التخدير في أوردتنا وحقننا بالأمل حتى وان شابه ذلك الأمل تجربة السلام التي سقطت من أجندات مثقوبة عندما حاولت التشبه بوجه أكثر دقة من وجه الديمقراطية التي سمحت بالعثور على مخبأ المعارضة في بلادي لتعرية الساحة ودس سموم المراقبة في فتق منازل المواطنين .. و هم حين يبحثون عن لقمة العيش تسقط من شروطهم المصيرية الكلمة المناسبة في مكانها المفترض ونعيش فقط لكي نحمل أوزار الفكر المنقرض ..ومازالت لوحاتي معلقة على جدار فراغي أعم وأهم من كل الجدران التي بنيت على باطل القرميد، التي تحتال على أزمنتي البائدة قبل أن يقرر القلب معنى الحب وإن تخلى عن معناه الاصطلاحي والشرعي والتوفيق بينهما حسب المتقضى في الحال واللحظة في تشبثه المشتبث بما آمن به،، سأبقى هنا حاملة ملامحي كما هي وإن كان ما كان لم يكن.

10 تعليقات

  1. habiyo
    شكرا الكماتبة
    لما بعض الأخوة لا بعلقون إلا مقالات ها الشريعة،
    كما رأيت تعليقات مقالها السابق وكأنه بريد ألكتروني بينها وبين أحد المعلقين الذي لا يخلو أسمه من قائمة المعلقين.
    أر الترقي إلأ الأعلى

    هبيو كما ظهر الاسم
    في الحقيقة لم افهم من كلامك شيئا وربما يعود ذلك لاخطاء كيبوردية نقع فيها جميعا ولكن غلب على كلامك الغموض ..وهذا في الافتراض لحسن النية .
    حبذا لو وضحته اكثر.
    شكرا

  2. الاستاذ عبدالرحمن
    أقدر تقييمك للريشة وأبتهج كثير لوقوفك على اللوحات
    بارك الله فيك وسدد خطاك
    تحياتي.

  3. الأستاذ الشافعي محمد
    إن لم تتسع الجدران للوحات فالذاكرة مكانها المرموق
    ولا اخفيك ان جل سعادتي هي ان تبقى هذه اللوحات بينكم كمتحف صغير للقراءة لأنها صادرة قلب قلب شرق أفريقيا الحبيبة .
    تقديري ووافر احترامي.

  4. شقيق القلم وأخي محمد ضاهر الزيلعي
    كل الشكر والتقدير لالق مرورك.
    تحياتي.

  5. الأستاذ محمد الأمين محمد الهادي
    أنا أكثر سعادة بتواجدي بينكم ولأن الأنهار مهما تفرعت روافدها فإنها حتما تصب في البحر
    والشاهد ذلك البحر الذي تلتقي فيه روافد أقلامنا
    أعتز بشهادتك كما أزهو بقراءتك الرصينة .
    تحياتي.

  6. شكرا الكماتبة
    لما بعض الأخوة لا بعلقون إلا مقالات ها الشريعة،
    كما رأيت تعليقات مقالها السابق وكأنه بريد ألكتروني بينها وبين أحد المعلقين الذي لا يخلو أسمه من قائمة المعلقين.
    أر الترقي إلأ الأعلى

  7. يا لها من ريشة مبدعة ،،،اسمحي لي أقف أمام هذه اللوحات باعجاب وتمعن.

  8. دميل ………الف شكر يا شريف .. ياهلا هل اللوحات مازالت معلقة على الجدار أم أنها تسقط رويداً رويداً لتنسكب قطرات دموعها على صفحات الشاهد … نرجو ذلك يا أختاه شريفة .. مبروك

  9. مبدعة ومتألقة كعادتك يا شريفة

  10. محمد الأمين محمد الهادي

    الشاعرة والكاتبة المرهفة، شريفة.. تشرفت الشاهد بإطلالتك عليها ولها الحق أن تفخر باستضافة كاتبة بهذا الألق وهذه القدرة على امتلاك ناصية اللغة ومداعبة خصرها بأناملها الشفافة.
    هنيئا للشاهد وهنيئا لنا جميعا..

%d مدونون معجبون بهذه: