تنبيه الشباب على خطورة الاغتراب « قصيدة »

أبيات من بحر الكامل التام ضربا وعروضا ، وفيها نصيحة يقَدِّمَ ناظمُها أبشر إيدله لشبّان الصومال ، الذين يحدوهم الشوق إلى أوروبا وأمريكا ، ولا يذوقون النوم إلّا غِراراً مثلَ حَسْو الطير ؛ أملا في أن يعيشوا يوما ما في أحد البلدين ، والذين لم يتَّعظوا بإخوانهم الذين سبقوهم إلى الحُلم نفسه ، حين بدا لهم السراب يلوح في الأفق الغربي ، واغترّوا ببريقه المزيف الذي تراءوا لمعانه الخادع ، فشدوا رحالهم على متن زوارق لا تصلح للاصطياد ، فضلاً عن أن تشق بحرا متلاطم الأمواج ، وسارت بهم نحو الـمُــتَلَمِّع وعندما توسطوا الطريق وهم غافلون عن الخطر المحدق ، جرت الريح بما لا يشتهونه ، ووقع ما لم يكن في الحسبان وأدركهم الغرق ، وطلَّ عليهم شبح الموت المحقق والهلاك الأكيد ، فانكفأت بهم القوارب ، وتهافتوا في البحار والأنهار تهافت الفَراش على النار ، وتقادعوا فيهما تقادع الذِّبَّان في المرق ، حتى أصبح جثمانُ عدد منهم غذاء تقتسمه النِينانُ والتماسيح .

والنصيحة موجهة أيضا لمن أنجاهم الكريم برحمته ، وأخرجهم إلى البر وإلى حيث يَحِنُّون ، سالمين من الموت الذي كأنما يساقون إليه وهم ينظرون ، لكنَّ ذلك لم يحملهم على الشكر لمنقذهم ، بل انسلخوا من هويتهم الإسلامية ، كما ينسلخ أحدنا من قميصه والحيةُ من قشرها ، وتأثروا بآراء من قدِموا عليهم من أهل تلك البلاد ، وأفكارِهم المتألِّقةِ مظهرُها والزائفةِ حقيقتُها ، فصاروا أذناباً وأذيالاً لهم ، حتى لا يبقى لهم من الإسلام إلا اسمه ، وإنني إذ أقول ذلك أعلم أن من الناجين من سار على الجادة ، واستقام على السوي ، وبقي له كل الإسلام إن شاء الله ، لكنَّه قليل نادر ، فله من لوم المنظومة وعتابها حكم المستثنى ؛ لأن النادر لا حكم له . قال الناظم :

إني لَيحْزُنُني ويَدعوا لِلأسى … أنْ هامَ شُبَّانٌ لِعيش يُكسَبُ

فتَوَجَّهوا للغَرب ظناً منهُمُ … أن المعيشة ههناك لَأنسَبُ

لكنهم ورَدُوا حِياضَ مَنِيَّةٍ … فالموتُ أدنى مِن “أرُوبَ” وأقرَبُ

هلكوا بقعر اليَمِّ دون مَرامهم … برياحِ أمواجٍ تَهِيجُ وتَضرِبُ

فتَعَفَّنتْ وتفَجَّرتْ أبدانُهم … يا هَولَ مَنظَرِها إذَاْ هِيَ تُسحَبُ

وإذا نجا بعضٌ بقدرةِ قادرٍ … ورَسَى به عند الشواطئ قارِبُ

لم يَشكرِ المولى على إنقاذه … والشكرُ للرحمن مما يُطلَبُ

بل كان منه الافتخارُ بأنه … قد نالَ ما مِن أجله يَتَعَذَّبُ

فِتْيانُ شعبي يَقتدون بغيرنا … شكلا ومضمونا لكي يَتَغَرَّبُوا

فتراهمُ يتكسَّرون بمشيه … خُيَلاءَ كالعَرْجا وهذا أغْرَبُ 

فالغربُ لم يك فيه أسوةُ مسلم … يَخشى عقابَ الله أو يَتَأدَّبُ

أفٍّ لشابٍ كان قلَّدَ فاجرا … ومشى على خَطَوَاته يتَدَرَّبُ

كم للإله على الفتى مِن نعمةٍ … يزدادُ صاحبُها الفجورَ ويُذْنِبُ

فأقولُ من قلبي إليهم نا صحاً …  والنصحُ إما واجبٌ أو يَندُبُ –

لا تركبوا بحرا بغير سفينةٍ … تَجْرِي بكم في موجة تتلاعَبُ

من قال : إنَّ البحرَ كان عُبابُهسَهْلاً وكان عُبُورُه لا يَصعُبُ

تالله ما نَقَلَ الحقيقةَ صادقاً … بل في البحار مهالكٌ ومَصائبُ

أين الذين تساهلوا في شأنه … بل أين زورَقُهم وأين المَركَبُ ؟

فتَنَبَّهُوا للأمر جِدَّ تَنَبُّهٍ … وتَـثَـبَّـتُـوا ما يَفْتَريه الكاذبُ

لا تُشْبِهوا أعداءَنا في لُبسهمفمشابِهُ الأعداءِ منهم يُحسَبُ

أوليس في الإسلام ما يُغنيكَ عنتقليدِ مَن في مشيه يتَطَرَّبُ

فاللهُ عن هذا نهاكَ بقوله :“لا تمش” أي مرحا بنفسك تُعجِبُ

وإذا حَلَقتَ الرأس فاحلِق كلَّهفالوحيُ في تقْزِيعِه لا يَرغَبُ

فالْزَمْ – هُدِيتَ الحَقَّ – دينَ محمدٍواثبُتْ عليه ولا تكن تَتَقَلَّبُ

مَن لم يُبالِ الشرعَ فاعلم أنهممن له قلبٌ مريضٌ أجْرَبُ

واللهُ ذو نَهْيٍ وذو أمْرٍ معاًويقال : ضِدُّ النهيِ أمرٌ واجبُ

فعبادُه يَمشون هَوناً أنَّهميَدرُون ما خُلِقُوا له فتَأدَّبُوا

هذي نصيحةُ أبشِر ومقالُهلبني بلادي فاحفَظوها واكتُبُوا

ما كان مِن سهوٍ أتى فيها فإنْــــنَ الله ذو فضل وعفوَه أطلُبُ

صلَّى الإلهُ على النبيِّ وسلَّماما قامَ شيخٌ في البَرِيَّةِ يَخطُبُ

6 تعليقات

  1. أبشر إيدله فارح

    وأنتم لكم الهناءة المستمرة والعزة الدائمة إخوتي الأكارم : عبد المؤمن ، وأبا عبدالرحمن ، والدكتور / فوزي محمد بارو (فوزان) وشكرا لكم على تتبعكم واهتمامكم بقضايا بلدنا الحبيب وما قيل فيه من نظم ونثر ، فهي جديرة بالاطلاع عليها والاهتمام بها من قبل العلماء والادباء .
    أما ما أضفى عليّ بعضكم من أفضل الشاعرية في لغتنا العربية فأرجو أنكم على علم بأن الشعراء كما صنفهم الأدباء انقسموا إلى أقسام ثلاثة :
    1- شاعر يأتي القصيدة ولا تأتيه وهذا ضعيف في صناعة الشعر.
    2- شاعر تأتيه القصيدة ولا يأتيها وهذه قوة نوعا ما في الشاعر.
    3- شاعر يأتي القصيدة وتأتيه القصيدة فهذا هو الشاعر الحقيقي الموهوب.
    فاجعلوني – رحمكم الباري – من القسم الأول ، إذ يكفيني من الحلي ما قل وستر العنق .

  2. عمر بن أحمد دبله

    أحسنت يا استاذ
    نسأل الله ان يوفق اهل بلدنا للحفاظ على كرامتهم

  3. أهننئك يا شيخ أبشر على ما قمت بنظمه ،ويسعدني أن أقول : إنك من أفضل شعراء الصومال بالعربية غتقانا للغة .

  4. قصيدة جميلة ولكن الظروف المحيطة في هدا ا البلد المنكوب ادت للهجرة من الوطن وسوف تستمر حتى تستقر اﻻوضاع
    ويجد الناس الحياة الكريمة

  5. الدكتور / فوزي محمد بارو (فوزان)

    أطيب تحياتي للشيخ أبشر
    وبعد: ما شاء الله قصيدة جميلة ورائعة تبعث نصائح ذات أهمية قسوى جديرة بالاستفادة ، نرجو من شبان الصومال المغتربين الالتفاف حولها.
    وشكراً.

%d مدونون معجبون بهذه: