خواطر دعوية

العصا كانت معكم : 

في أوائل التسعينات من القرن الماضي رافقت الشيخ محمد خير عمران حسن – من أشهر دعاة الصوماليين في السعودية – في زيارته إلى منزل الشيخ حسن الصائع ، مدير مركز الدعوة في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، وكان بين الشيخين – رحمهما الله تعالى – زمالة ومعرفة طويلة ، وكل واحد منهما يمتلك ويحتفظ في جعبته مئات القصص والتجارب الحية في مجال الدعوة ونشر العلم .

فالشيخ محمد خير عمران وصل الأراضي المقدسة في الخمسينيات من القرن الماضي الهجري ، ثم التحق أخيرا بالجامعة الإسلامية وتخرج منها في أواىل السبعينات ، وعمل داعية في السودان وبعض الدول في غرب إفريقيا ، ثم استقر به المقام في مكة المكرمة حتى توفي فيها أخيرا .

وأما الشيخ حسن الصائغ من علماء ودعاة المدينة ، وله جولات دعوية في الداخل والخارج ، وتوفي بالمدينة النبوية.

وبعد تناول طعام العَشاء وتبادل الترحاب ، استعرض كل واحد منهما بعض ما عنده من خبراته الدعوية .

ومن أحسن ما سمعت أثناء تلك الجلسة المباركة ، وكونت النواة الأولى فيما بعد في تنظيم وترتيب علاقاتي مع مختلف أطياف المجمتع الصومالي المسلم القصة التي ذكرها الشيخ حسن – رحمه الله تعالى – ومضمونها تتلخص بما يلي :

إنه سافر إلى مدينة مُمباسا الواقعة في الساحل الكيني لأجل الدعوة ، وقد تجول في بعض مساجدها محاضرا ومرشدا ولم يكن هناك أي عقبات في سبيل دعوته ولقائه بالناس، وقد أُخبر الشيخ بوجود مسجد كبير يديره بعض الأخوة الذين ينتهجون منهج التصوف وطرقه …

قلت : إذا كان المراد بالتصوف ، صحة في المعتقد ، ولينا في القلب ، واتباعا للسنة ، فمرحبا به ، وإلا فلا .

قال الشيخ : وكان هذا المسجد عصيا على غير أهله ، فطلبت من كان يرافقني من أهل البلدة بأن يطلب لي الإذن من إدارة المسجد ، وإن سألوا عني ، فليقولوا لهم رجل من العرب ، وقد استجابوا ما أردنا منهم .

وبعدما انتهت الصلاة قمت بإلقاء كلمتي ، فبدأت كلامي على أهمية الصلاة وفضل الجماعة ووجوب متابعة المأمون للإمام ، ثم عرجت إلى مواضيع متعددة من أصول وفروع الشريعة ، وأسهبت الكلام حول توحيد الله تعالى بأسلوب سهل سلس لا طعن فيه ولا تجهيلا ، ثم ختمت موعظتي بتوجيه الشكر والامتنان إلى إمام وشيخ المسجد وكذاك الحضور الكرام .

قال الشيخ : فلما انهيت موعظتي قام إمام المسجد ووجه كلامه إلى الحضور قائلا لهم : كل ما قاله الشيخ الزائر هو الحق الذي دلَّ عليه الدليل ، ولذا يجب عليكم أخذه وامتثاله ، فلم يُنهي كلامه حتى أعقبه أحد الحضور قائلا : ما تقره اليوم وتقبله وتحث الناس عليه ، هو عين ما كنّا نقوله لكم منذ عشرين سنة ، ولكن كُنتُم ترفضونه ولا تقبلونه !!، فأجاب الإمام : نعم .. ولكن كان معكم العصا – أي كُنتُم تريدون جلد ظهورنا بأسياطكم المغلفة …. ، لم يكن همكم ومرادكم بهدايتنا وتصحيحنا مع الرفق ولين الجانب والرحمة وحب الخير للآخر ، والتواضع للمدعو ، بل كُنتُم تتعاملون معنا بالاستعلاء والنظرة الدونية والتشكيك بما في النيات والتشويه الممنهج والرمي بالموبقات ، كأننا لا نشارككم في الدين ، ولا يجمعنا الإنتماء إلى صاحب الرسالة والعصمة ، وإن كانت عندنا أخطاء ومخالفات شرعية، فأنتم كذلك يوجد لديكم مخالفات ، لأن صاحب العصمة والطهارة قد فارقنا ، ولم يبق على ظهر الأرض من بعده معصوم، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ، وكانت نظراتكم وكلماتكم كأسياط أعدت لتأذيب عتاة المجرمين ومردة الفاسقين ، كأن شغلكم الشاغل هو التقريع والتجريح ، لا التوجيه والتصحيح -.

انتهت هنا مضمون قصة الشيخ ، مع التصرف في الكتابة والتعبير .

وهذه القصة العجيبة تدل على كياسة الشيخ ورجحان عقله وخبرته الطويلة في التعامل مع المدعوين ، ومعرفته التامة بمداخل الناس وكيفية التأثير بهم من غير ضوضاء ولا جلبة، فقد استطاع باستمالة عاطفة الآخرين التي عجز عنها غيره بأيسر كلفة ومؤونة .

وقد حاولت فهم مغزى هذه القصة الممتعة واستخراجها من بعض الفوائد والتي دونتها هنا :

  • الدعوة تحتاج إلى مهارة ومعرفة تامة بأحوال المدعوين ؛ لأن هذا يجعل الداعية قريبا من الناس ويكون كلامه مسموعا من أي شخص آخر.
  • الفظاظة والغلظة لا تأتي إلا بالعناد والمواجهة ؛ لأن الناس لا يقبلون من يسيء إليهم ولو كان من أقرب الناس ، فكيف من يريد هداية الناس ونفعهم ، كيف لا يتحلى إلا بشمائل الأخلاق ومكارم الخصال .
  • الحكم المسبق على الناس يولِّد عدم التفاهم والتحاور ؛ لأنه مبني دائما على الظن والكلام المنقول والمبتور ، أو التهم الكيدية أو الإشاعات المغرضة ، وقد يراد منه في بعض الأحيان إبعاد الشخص المؤثر في مكان التأثير .
  • الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة واختيار المواضيع المناسبة مع الأخذ بعين الاعتبار في الزمان والمكان والفئة المستهدفة من الأمور المساعدة في نجاح المسيرة الدعوية .
  • إنزال الناس منازلهم واحترامهم وتقدير مكانتهم العلمية والاجتماعية سبب لبناء العلاقة المتوازنة معهم ؛ لأن الإنسان جُبِل بحبِّ من قدَّره وعظَّمه ولو اختلف معه في بعض الأمور والقضايا .
  • البدء بالمتفق عليه قبل المختلف فيه يقوي التعاون بين الدعاة ، كما يثري العلاقة في تنشيط الدعوة ؛ لأنه يشعر الآخر بأن الهموم والأهداف مشتركة وإن اختلفت الأساليب .
  • تصنيف الناس بغير وجه شرعي من المصائب التي ابتليت ببعض الدعاة والمرشدين والمدرسين ؛ لأنه يوغر الصدور بالأحقاد والإحن .
  • لا يجوز احتكار الحقيقة مهما بلغ الانسان من العلم والمكانة؛ لأنها تتنافي مع ما عرف من تنوع المدرسة العلمية الشرعية .
  • الدعوة رحمة وهداية وبشرى للناس وليست سوطا يضرب على ظهور الناس.
  • عدم فهم الآخر من العقبات التي تحجب الحقيقة ، وقد يملك الآخر قدرات ومواهب قد لا تحسن أنت .
  • التنوع في الرؤى من أسباب القوة ، ما دام هذه الرؤى تنطلق من أصول صحيحة أقرها الشرع .
  • الواجب على مسؤولي المساجد الحرص على جمع الكلمة وعدم التسبب في احتكار المنبر لأجل أمور خارجة عن الدعوة ، والابتعاد عن الهوس المبني على الهوى وحب الأشخاص والتجمعات؛ لأن هذا التصرف قد يَحُول بين المؤهلين من أهل العلم والنفع العام وبين الجمهور ، ويتيح الفرسة أمام الأغمار وأنصاف المتعلمين .
  • مخاطبة الناس بما يفهمونه من أنجح طرق التفاعل معهم ؛ لأن الإنسان عدو لما يجهل .
  • الاحتقار والنظرة الدونية من أسباب التنافر وعدم القبول ، وصاحب الدعوة جزء من المجتمع يماثلهم في الأصل والخَلق ، ولكن حِملُه أكبر .
  • عدم الإثارة بالمسائل الخلافية أمام العوام ؛ لأن عقولهم لا تتحمل ذلك ، ويجنحون إلى اليسر والسهولة .
  • الاستئذان من قيِّمي المساجد أسلوب حضاري ، لئلا تنفلت الأمور ويصبح المنبر فوضى لا سراة له .
  • لا ينبغي للداعية أن يحصر نفسه في مسجد واحد فقط ما دام يستطيع التعاون مع أكثر من مسجد ؛ لأن بعض الدعاة عندهم مواهب ونشاطا وقدرة على العطاء ، وليس معنى ذلك أنهم هم الكل ، وإن وجدوا من يسدُّ هذا الثغرة فرحوا به وباركوا فيه .

وهذه بعض الدروس والعبر التي استخلصتها من قصة الشيخ المفضال . وشكرا.

%d مدونون معجبون بهذه: