أديس أبابا… زهرة إثيوبيا الجديدة

تغفو أديس أبابا أو الزهرة الجديدة قلب إثيوبيا النابض، فوق أكمة تشرف على سهول يحيطها المروج الجداول، وتتربع بغنج ودلال وسط الجمال والخضرة الدائمة والأناقة الأصلية لشرق أفزيفيا والهضبة الحبشية، كطاووس فينيقي ينثر جماله الطافح على صفح الكون، ويرخي ظلال حسه الشاعري على الطبيعة النابضة بالحياة.

وتشبه أديس أبابا منطقة ريفية خضراء تفوح عنها القهوة وعبق الزهور ورائحة الياسمين الزكية، لكونها تقع سياجا طبيعيا للمروج والارتعاش المتواصل للأعشاب والمجاري المائية والمستنقعات المترامية، والحدائق المفتوحة التي تمتد أميالا نحو الأفق، وتكثر فيها الغابات الصنوبرية والأشجار الباسقة كالسنديان، والجبال الشاهقة والسهول الواسعة، والهضاب المترامية، والروابي التي أصبحت شعار أديس أبابا الجميل.

رائحة التاريخ وعبق الماضي المتكئ على عظمة الحاضر باد وبقوة على جبين زهرة إثيوبيا الجديدة؛ حيث الأماكن التاريخية تترنم وتعزف أناشيد تفيض بالمشاعر الإنسانية الصادقة والأحاسيس التاريخية، والمقار الحكومية التي لا تهدأ كخلية النحل، بل غارقة في خدمة الشعب وترسيم الحياة والسياسة المتبعة، وهيبة الحياة والليالي القرمزية الخانقة و ألق الربيع والأجواء الرومانسية للمدينة، والحقول المزهرة التي تضج بالحياة، والشعب المهذب وقلة المكدرات سوى النظرات الفضولية لرجل الشارع والمتسولين الذين يظهرون أماكن الضعف والعاهة في أجسادهم أو الأعضاء التي تجلب الشفقة عندهم، تنتزع الابتسامة وإن كنت في مزاج سيئ وتغالب الأحزان وترافق الهموم التي تراكمت على رفوف القلوب.

الطابع الإفريقي المازج بين العفوية الموغلة في التكوين النفساني للشخصية الإفريقية، والطيبة والألحان الحماسية التي تلهب الوجدان، والجمال الأخّاذ ومظاهر الفقر ورنات التوجع واضح في كل الدروب والزوايا للعاصمة، حتى أصبحت العاصمة الحقيقية للقارة الأفريقية بسب موقعها المتميز وتاريخها الحافل بالحضارة الحبشية إضافة إلى السياسة الخارجية الإثيوبية القوية، والسلوك القيادي المؤثر لقادة الثورة عام 1991 الميلادية الذين مزجوا بين التفاهم الضروري للعالم والاستقلالية الواضحة وعدم بيع السيادة للقوى الخارجية، مما مهد لإثيوبيا أن تكون دولة مركزية للقرن الإفريقي، وقطرا محوريا للهيئات العالمية والمنظمات الدولية، وأديس أبابا أن تكون عاصمة إفريقية بنهكة إثيوبية خالصة عن جدارة واستحقاق.

تنتصب المدينة شامخة فوق هضاب جميلة ومنطقة جبلية ذات مظاهر فاتنة تغطيها السحب التي تجلجل الأفق في معظم السنة، وتعتبر القابلة الرسمية للجمال حيث تتحرش بك الأزهار في الطرقات وتغرد الطيور فوق الأغصان كقمرية شرقية تهمس في أذن الزمان، وتسير الخيول والعربات بغنج واضح ودلال كغانية حبشية رائعة تمنح على الحضور عذوبة المشاعر وطراوة الأجساد ونشوة الوصال ولذة التعامل مع الأحاسيس الوجدانية، وتوزع النظرات الموحية للمارة والزبون، وترحبهم بقلب رحب وذراع مفتوح في دنيا المجون.

في أديس أبابا لليل ألف حكاية وحكاية، ! حيث تغرق المدينة بمجرد غروب الشمس موجة عارمة من المرح والحبور، وتهز العاصمة أكتافها بطريقة قوية وجماعية ترقد على أحضان الثقافة الإثيوبية العريقة، ومعينا فنيا تدخل الزائر في بحر من النشوة والابتسامة الطريفة، و في سكون الليل غالبا ما تسمع صوت الطبيعة الرنان وحفيف الأوراق المحيطة بالبيوت وأغاني عميقة تهز القلوب من مكانها، وفي كل الأزقات تلتقي فئات من البشر يسبحون داخل موجات النشوة الجميلة للقات، وربما جماعة مزهوة بقنينة بيرة مركونة بزاوية بعيدة وهادئة من الملاهي وحتي المطاعم ما عدا المطاعم الخاصة للمسلمين.

وعلى ذكر الإسلام والمسلمين فأديس أبابا مدينة إسلامية تصدح الآذان في مآذنها المتعددة، وتقابلك المدارس الإسلامية والمساجد والمصليات الفرعية في كل شارع من المدينة، صليت في أكبر مسجد بالمدينة لأراقب أحوال المسلمين والمسجد عن كثب، فرأيت أمواجا من البشر يتدفقون من الشوارع والطرقات المحيطة على المسجد الذي يقع ميركاتو، أكبر سوق في الشرق الإفريقي أو القارة الإفريقية قاطبة كما يقول روّاده لأداء صلاة المغرب وبجو روحي عظيم وسكينة نادرة، والمسجد يتكون من عدة مباني متلاصقة مع بعضها البعض وبني على طريقة معمارية بديعة ذات شرفات واسعة، والجدران مزركش بآيات من الذكر الحكيم، و يسع أكثر من عشرة آلاف شخص في الصلاة الواحدة.

رأيت منظرا إسلاميا يسر الوجدان في مسجد أنور، فالناس غارقون في الذكر ومنهمكون في العبادة، فهذا يصلي وهذا يناجي ربه وقد علت تجاعيد وجهه وقور الإسلام وطمأنينية الإيمان، وكانت الحلقات عقد الرمان والمظهر الأكثر نبضا وحيوية حيث الزوايا ملئية بطلبة العلم الشرعي وكل حلقة يتصدر فيها شيخ وقور بهيّ الطلعة، كما كان التكاتف والتعاون سمة بارزة في باحة المسجد حيث كان شاب وسيم يقسم على الفقراء وجبات جاهزة يوفر للمسلمين لقمة العيش ويصون كرامتهم من التسول أو السطو، ولقد دمعت عيني وتأثرت بهذه المظاهر الإسلامية الرفيعة في قلب أديس أبابا.

التسامح الديني يظهر بوضوح في أديس أبابا التي تعيش فيها الأديان جنبا إلى جنب وبوئام تام، حيث تقع كنيسة ضخمة يصلصل جرس الصليب فوق هامتها قرب المسجد الكبير وعلى بعد أمتار قليلة منه، وقد يعزى لهذه الظاهرة النادرة في العالم الطبيعة الهادئة والاحترام الجم للشخصية الإثيوبية وانشغال الناس بأساسيات الحياة، والفقر والمعاناة والحرمان الذي يوحد المجتمع لأنه يملك مذاقا واحدا، حيث جذوره متصلة وأعراقه متحدة أينما حل وحيثما سكن، سواء في إثيوبيا أو كوستريكا أو غينابيساو أو سلوفاكيا وهيتي، وكذلك أمنيات الفقراء وأحلامهم تهدم الحواجز النفسية والمستحيلات، رغم نسبية هذه الأشياء، إضافة إلى همومهم المتشابهة إلى حد كبير.

الحياة في أديس أبابا متواصلة بطريقة سلسة، رغم المصاعب المعيشية والفقر الذي كبّل قدرات قارة أفريقيا الجميلة بما فيها إثيوبيا، والركض وراء لقمة العيش يشكّل سيمفونية من الصراع المتواصل وخفقان دائم وكفاح مستمر لا ينتهي، والأحلام الوردية للشعب الذي يشبه فسيفساء جميلا كلوحة زيتية تلتحف باليقظة المشوبة بالأمل ومستقبل واعد مليء بالبشائر والتحديات أيضا، والبحث عن الأفضل والهجرات الجماعية من الريف إلى المدينة جعل العاصمة مزدحمة ومكتظة بالسكان وتسير جنبا على كتف فوق تربتها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة من ثمانين قومية غير متجانسة، متباينة اللغات واللهجات ومتعددة الأديان والمشارب والأهواء، ومختلفة التاريخ والأعراق والانتماءات الإثنية، تجمعهم أثيوبيا ويوحدهم العلم والاتجاه الأيديولوجي للدولة.

هنا وفوق رابية مطلة على الشارع الرئيس للمدينة أو قلبها النابض إن شئت وصهوة فلّلة غارقة في الجنان والربيع الذي يفيض جمالا وقرب لافتة وجدانية تهزها صوت الموسيقي الصاخبة التي تصدح في المباني المجاورة والأوتار التي تخترق الضباب من الجهة الشرقية للمدينة الوادعة على ضفاف المسرح الوطني الرابض قرب ميسكل إسكوير بأريحية تامة حلمت بأن الأوتار الخماسية التي يقذفها الصوت الطري للعندليب إلى الوجود تغنّي لي وتعزف لي وحدي في وسط السكون، وأشعر أني مستمتع بكل ما في الربيع من الألق ومترع بأنواع الجمال رفقة أخي المهندس أحمد فارح عمر صاحب الذوق الرفيع والمثقف النابه والحكيم الفيلسوف أو قل (السهل الممتنع) الذي لا يسأم في حضرته جليس ولا يمل عند قربه أنيس.

شيء ما يربط المدن الأفريقية مع بعضها البعض، الرقصات العنيفة والأرصفة الباردة للمشردين والطبيعة الخلابة وخيوط دقيقة من الجمال الساحر والبؤس القاتل، والصراعات العبثية والحروب التي تبدأ بأتفه الأسباب، والضحكات المجلجلة والدموع الموجعة، والصراع مع أخطار الحياة والمرح الإفريقي الذي يحتوى الأحزان ويغتال الألم بمزيد من الجرعات الصاخبة للرقصات الفلكلورية، تجعل العواصم الإفريقية من جوهانسبيرع إلى القاهرة ومن أبوجا إلى مقديشو نسخة متكررة ومطابقة للأصل.

في الضاحية الشرقية لعاصمة القهوة والسمراوات الطوال، بريق العيون والأحلام التي هرمت وشاخت وبساطة الإنسان والبؤس الواضح في العشوائيات تذكرك الضواحي المهمشة للمدن الأفريقية ذات النسبة السكانية العالية، وتذكرتُ وأنا متجول في الحارة الضيقة والطرق الترابية المبللة بالمطر ورائحة البالوعات التي تزكم الأنوف البيوت الصفائحية والعشوائيات المنتشرة في حي مايو في الخرطوم وضاحية كابيرا في نيروبي لندن شرق أفريقيا كما يحلو لعشاقها.

والأحياء الراقية للمدينة تشبه الأحياء الأوروبية في العواصم الأفريقية رغم الفوارق المتعددة والبون الشاسع في الخلفيات التاريخية ومرارة الماضي ومعاناة الحاضر وضبابية المستقبل، وفي الأجزاء الأنيقة لعاصمة القهوة الأصيلة والأغاني الكلاسيكية ذات اللمسات الأفريقية، يبدو كل شيء وكأنه يتحدى مع الواقع ويحاول النهوض رغم الجراح والهروب من معمعة الفقر والمعاناة كالمارد، ويحاول أن يقهر قسوة الحياة وتقلبات السنين، ويخاطب تراجيديا الحياة وأسراب المتسكعين والغلابة الذين أذابهم عرق الجبين ويخطفون لقمة العيش عن أنياب الموت وعرين السؤال المخجلة في الطرقات السريعة، وقرب الإشارات المرورية التي تساعد البسطاء للوصول إلي فريستهم بطريقة قد تكون مبتذلة أو ملتوية، أو الأزقات التي تنام فيها الأحلام بين دروبها كدب روسي كسول تجمد في الجليد السيبيري البارد، بمزيد من الجمال المرتعب الإبداع واستكشاف مائة طريقة وطريقة للتغلب على مظاهر البؤس والأسى والّلدغات الموجعة لعقرب الفقر.

قلة اليد والموارد الشحيحة للدولة لم تغتال الأمل، بل أضفت المشهد الإثيوبي مزيدا من النضال والكفاح، والتوجه معا نحو إزالة العقبات والعوائق، وخلق واقع جديد يشحذ الهمم ويذكي العبقرية ويلجم نزوات الروح وطيش القادة وطمع القلوب، ويقلم أظافر الفساد وأنياب المجرمين ويشذب شوكة تبييض الأموال واستخدامه بأغراض خاصة، وهذا ما جعل أديس أبابا تحفة معمارية تفتخر بها الأجيال.

واليوم تسير في إثيوبيا عامة وخاصة أديس أبابا ثورة عارمة من النهضة، والعمارات الشاهقة التي تناطح السحاب والطرق السريعة ذات الهندسة المعمارية المستوحاة من الغرب، والكباري المتعددة والشوارع النظيفة التي تتوسط في المباني التاريخية والقلاع الأثرية والقصص الرائعة لمغالبة الفقر، والحركات الحقيقية والمساعي الحثيثة والرؤية الموغلة نحو التغيير الإيجابي، يجعل المرء مشدوها بالإمكانيات البسيطة التي استخدمت في العمران والتطور واستثمار الأراضي وإصلاحها، وتزيد الدهشة إذا علمت أن الميزانية المخصصة للمشاريع تذهب بطريقة كلية نحو الهدف بعيدا عن جيوب الفاسدين والمرتزقة والانتهازيين.

لم يعكر صفو الأيام المتألقات في أديس أبابا سوى الأيادي الغبية التي تحارب الجمال وتغتال الأمل في رحم الغيب، والظلام الدامس وبحور الحنادس الذي كنا نسبح فيه، والانقطاع الكهربائي ليليا وبعد منتصف الليل بساعة ونصف وحين يشتد وطيس السهر على وقع أفلامMBC المثيرة والغامضة وخربشاتها الفكرية وأكشنها وإثارة الدراما الحزينة في شاشتها، ومشاعر الحب المنسابة من ZEE AFLAM وفي صحبة الرقصات المهرجانية للجموع الهندية، والقصص الغرامية المبكية والحكايات التراجيدية والأساطير الميلودرامية الحزينة، وشؤم الطبقات بين المحبين والصرامة العجيبة التي تشرئب إليها أعناق بونابرت وشارون ونيرون والقذافي وتتقاصر عنها عدوانية النازيين والفاشية العصرية وغطرسة الإمبريالية العالمية.

ويبدو أن عدوى صنعاء وصل إلى زهرة إثيوبيا الجديدة، وأحتاج إلى قلم مذهل وسخرية الصديق جمال جبران لأعبر ما يجيش في صدري المخنوق من أجل بحور الظلام الذي فوتني فلما وثائقيا سهرت من أجله، إضافة إلى فلم المصفوفة المشوق الذي كنت أنتظره منذ أسبوع كحبيبة تشبه شفق المغيب رجعت بعد الهجر في أمسية إفريقية سريالية.

وبما أن الخيال الجامح ليس له حدود والحب لا يعترف القيود ولا الحدود ولا الظلام الدامس، عوضت غياب التيار الكهربائي عن عمارتنا بإشعال نار الذكريات والسفر عبر الزمان وبقلب يهيم في رحلة حب ربيعية مظلمة وحس مرهف وشفاف ، وكان سكون الليل وظلام المدينة ورومانسية الأجواء بعد منتصف الليل تثير في نفسي جمرة الحنين ومرسال الشوق وعطش الروح، والذكريات الهاربة كزرائب الطيور تأخذني في البعيد المجهول وحيث تعيش هي وينام الحزن والمعاناة في وسطه، لأن حبها يعني لي حصاد ركض السنين، وعلى امتداد سنوات عمري التي بدأت قرابة منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم لم أعشق غيرها بل كنت أرى الحياة في بريق عيونها الجميلتين.

حبيبتي جميلة كفراشة السواقي وجذابة كزهرة الربيع، ومن ريقها العذب الزلال أروي عطش الروح في هدأة السحر، ومن جسمها الناعم وقامتها الهيفاء أو أسّس عالمي الخاص ومملكتي العشقية الصغيرة التي تحارب الركود وتتخطي كل المحن والمآسي من أجل أيقونة الحب وحبيبة مازال حبها نبض يردده شراييني، عشت صحراء الحب العتمور أهيم على وجهي، أستحضر الذكريات وآماسي الحب وأمسياته، والمرح حينما كنا نفضفض فوق الجداول وتحت الترع والتلال المحيطة في حقولنا الوادعة على حضن نهر جوبا الكبير، وخرير المياه تترنم كآلة موسيقية تفتح نافذة القلوب أو كسينما متجولة تتسمر العيون على جمالها.

أحارب سأم الزمان بهطول غيوم الذكريات الدافئة على قلبي وسهادي الذي يجرجر حنيني والمشاهد التي تغذي حدائق قلبي والصور التي تأتي من عمق السنين، وخاصّة في صباح يوم غائم كان ساقها الأيمن مكشوفا ومغمورا في المياه الضحلة للضفة الجنوبية لنهر جوبا، لم أنس حركة قطرات الماء فوق سطحها المصقول بانسيابية عجيبة لم أر لها مثيلا.

في ذلك اليوم المترع بأحاسيس الحب والجمال اجتاحتني عاصفة خرساء أرسلتني إليها، وطوى الحب جميع الفراسخ المساحية والأميال القياسية والأمتار الوجدانية التي كانت تبعد عني روحها الشفافة وجمالها الباهر.

كنت مشاغبا وجريئا عندما أتكلم عن الحب، لذا جلست بطريقة ذكية إلى جانبها قرب حقول السنابل لأسرتها التي تمتد من ضفاف النهر إلى وسط الغابات وتخوم الصحراء، نظرت إلى الجهات الأربعة أتفقد حساد الحب ولحظات العمر القصيرة دائما، وأتهرب من عيون الكاشحين والنظرات الفضولية للأعراب والقهقهة الساذجة لأتراب الحي، والقرويين وقوانينهم الصارمة، فتأملت رقصة الخصلات على جبينها النحاسي والرائحة الزكية التي تفوح عن شعرها المتدلي على ظهرها المغطى بخمارها الأسود.

نظرتْ إليّ بغنج الحب ودلال العشيقة، فأبحرت بحور الحب في وسط عينها النجلاوتين، وفي هذه اللحظة الحاسمة لم أستطع أن أقاوم سهامها القاتلة وبريقها الساطع، فقبلت بطريقة موجعة على جبينها، ولدت مقارنة سريعة ومقصودة بين وجهها ولون الأصيل الخلّاب والأزهار الفواحة للحدائق البهيجة، فكان جمالها أوفرا وأناقتها أكثر وعبقها أزكى من الورود.

تمر الأيام ولا أنسى كيف كانت تضع خمارها الأسود فوق وجهها المستدير فيبدو وكأنه بدر في كبد السماء، وكلما أغمضت عيني واتجهت للكرى هربا من السواد في وسط الليل الأفريقي المبلل بدموع المآقي وبكاء السماء التي تجود المطر بحاتمية نادرة على الأطلال والمدن والقرى، وشبح الحب الذي لا يفارق أمام ناظري، سفينة الحنين تتجه نحو الغربة والمنافي التي تعيشها ويرسو زورق الحب فوق بساط قلبها القاني.

حب الاستطلاع وقوة الذاكرة التي لا تنسى، وجمالية المدينة والحبيبة التي تعيش في المنافي حشرتني إلى الروابي الرمادية، فقمت بزيارة لطيفة تعني الوداع لعاصمة القهوة ومفارش القات ومصارعة الأحلام إلى الأماكن السياحية والأبنية التاريخية والقلاع الأثرية والساحات الشهيرة للمدينة، ولم أنس المظاهر الحضارية والأحياء الشعبية والأسواق المتطور التي تعج على الزبائن وفي مختلف الأعراق والألوان.

وفي أول الوهلة للزيارة الوداعية يد الجمال أخذتني بعيدا وتجولت داخل الأسواق والمولات التجارية وأوجه الحسناوات، وكدتُ أن أكتب القصائد على وقع تأثير الجمال والإيقاعات الشجية للموسيقى الطويلة والسمراوات الأنيقات اللائي يأسرن القلوب ببشرتهن النحاسية والقامة الهيفاء والنظرات التي لا تخطئ.

دخلت في صمت رهيب وخلجات متباينة مع الضحكة والصخب الذي يلد النكتة عندما دخلت مدينة الملاهي واللعب، وركبت آلة إلكترونية للاستجمام ترتفع تارة وتهبط تارة أخرى، وأعتقد أنها خصّصت للمرح والضحك العفوي وربما لمنح جرعات من الحبور ضد التوحد والنفسيات التي ينتج عن أنماط حياتنا المتسارعة في المدن الكبيرة.

وأخيرا ودعت المدينة في ليل بهيم وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وفي هذا الليل لم تكتحل أجفاني بالنعاس، بل كنت أراقب صفو السماء المرصعة بالنجوم، والمدينة الهادئة وضوءها القرمزي ونغمات الوداع التي تصك في أذني ، وكنت متأثرا مظاهر البؤس والشقاء للبسطاء الكادحين، كما كنت متدثرا برداء الحنين الذي يتراكض كالسواقي، وكنت أعاني موجات طولية وغامضة من التعلق والتشبيب، والانسياب الخفيف لذكرى الأماكن الذي يتهادى بين فروج الزمن وصدى الأوتار كشرائح رقيقة.

%d مدونون معجبون بهذه: