الرحيل نحو المجهول (1-4)

استيقظت مبكرا في صباح يوم غائم شتائي وبعد نوم غير هانئ، بل كانت نومتي مشوبة بلحظات تراجيدية أليمة قربت المسافة بين الحلم والواقع، وكافحت في عزها كائنات غريبة وأشباح مخيفة ذات ملامح متشابهة وسحنات مشوّهة متقاربة. ناشفة الحلقوم غليظة الشفاه جاحظة العينين تتستر بالضباب وتختفي وراء سديم الأحلام كأنهم كائنات كربونية من المريخ أو من الجن الأزرق. كانت ليلة تنقلتُ فيها أحضان الأرق والتفكير والأجواء المشحونة بالكراهية والغضب، كأنها قنابل ملغومة شديدة الانفجار مخبأة في المستنقعات المائية في منطقة البحيرات أو الأحراش المتفرقة في سهول البلقان، ولدغة مؤلمة كالعواطف الخرساء الكامنة في وسط الألم كمون النار في العود، لم تكن الأحلام المفزعة التي انتابتني في عز السهاد سوى خفقان دائم يعتريني وشوق يعصف في قلبي ولهفة تلاعب حدقات عيوني الشاحبة كلما يمر أمامي طيف ورسمة وصوته الجهوري وقهقهته المبحوحة، وكيف رقصوا على أشلائه وأجزاء لحمه الطاهر بعنجهية وغرور وتلذذ تام بتعذيب الضحية وقهر ذويه نفسيا بعد أن أشبعوا جسده بالموت. بعد رحيل ورسمي ذلك الجندي الباسل والمخلص لوطنه في معمعة المعارك وحين رحى الحرب تدور في الميادين المخضبة بالدماء وعرق الجبين وهتاف الرجال، والمدافع تهدر وتدوي بصخب والصواريخ تهطل كالأمطار لتدك القلاع والجماجم، وحينما تبوح السيف كلما لديها تحت قبة الصراع الكئيب وليالي الكريهة والوغى، عاصرت أحداثا بعدد النجوم وافتقدت شهوة الكلمات وبريق العيون وكدت أفقد الأمل وأتنازل عن تحقيق أحلامي الوردية والثأر لورسمة لترقد روحه بسلام في قبرها.

بعد رحيله وقعت أسير ضروب الحنين الجارف الذي يحرك كوامن الحب في النفوس، وما زالت كلماته الرائعة التي تختصر السنين في ثواني وتخترق وراء المرئيات تتوهج في ذاكرتي، وطلعته البهية مرسومة على لوحة قلبي القانية، ونبرات صوته المبحوح يطن لتضطرم طبلة أذني أنواع شتى من الأحاسيس والذكريات التي تعذبني في نومي وتطاردني في يقظتي وتسقي الوجدان ذاكرة العار والجريمة التي يرتكبها الجلادون في كل الميادين.

هيبة الحياة تكمن العيش مع من تقاسمنا معهم الضحكة قبل البسمة والرغيف قبل الماء، وفقد الأحبة والهرولة إلى زقاق الذكريات بعد رحيل نبض الفؤاد يكوّن في النفس جروحا غائرة عصية على الاندمال وسهاما ممتدة نحو الجسد تمزق الحشا وتشحن النفوس كراهية مطلقة قد تجبر النفوس إلى الجنوح الدموي وانتحار القيم والتوحد الكامل مع الثأر والانتقام بعدما انسجمنا سنينا مع الحزن والألم. في هذا الجو الكئيب الذي يجبر النفس الانعتاق من قيودها والهرب بعيدا إلى فجاج الأرض الرحب متخطيا كل المحن والمآسي في ظل بيع الإنسان كرامته من أجل الاستبداد وتمكينها في مصائر الشعوب والأفراد.

 في هذه اللحظة الحرجة بالذات كان عقلي متعثرا كالولادة القيصرية بترجيح الأفكار وصوت السفر يلوح يديه من بعيد والليل الإفريقي المليء بالأحاسيس العتيقة يهرب بقوة وشموخ نحو المجهول، وقسمات الفجر لم تنشر أشعتها الكاشفة والكون المظلم متوشح بردائه الحالك، وضوء الشموع تبعث الأمل القابع في طي النسيان وفي ظلمات القسوة والإهمال في إنسان مثلي قصة حياته كانت سيمفونية صراع متواصلة والنضال مع الأخطار وذاكرة حافلة بالانكسارات والعيش في معمعة الحياة رغم امتلاكي لأسباب السعادة والسبل المؤدية للحياة الكريمة. أشعة الشروق تدخل في البيوت وهديل الحمائم تملأ المكان كآلات موسيقية كلاسيكية، والجو غنج والبرد يقل بطريقة سريعة وبمنحنى تنازلي يحسن العزف على الأوتار الحساسة كمنارات الليالي الهامدة أو كلحن الحياة الجامدة، رمقت إلى ساعة الجدار التي تتحرك ببطء قاتل كأنها بندول ممل أو بقايا حركة لهزة أرضية خجولة في حقول السنابل المنتشرة في الجبال الفارسي أو بساتين الأرز في جنوب شرق آسيا بعد منتصف الليل، ارتديت ملابس الشتاء على عجل وربطت حذائي بسرعة فائقة وأنا في قمة المأساة والإزعاج ودموع الشتاء المتثاقلة تملأ في عيوني المجتهدين وسعال خفيف يهاجمني كل مرة كنوبات موسيقية مؤلمة. بدأت بدائع الصباح الممزوجة بدعابة النسيم والذكريات الصارخة تخرج من بين غفو الليالي وضفائر القناديل المنتشرة على جنبات الشارع، وتجثم غيمة الأحلام الحزينة على صدري المهزوز الذي يموج بتناقضات حياتية وفكرية يجعلني أسيرا لأحابيل الماضي وشراك الحاضر، وفي خضم عجزي عن الحركة سوى التمعن على أعتاب من يحملون على أكتافهم مشاريع الحقد والكراهية أهرول في ضمن المكلومين والغلابة الذين يعلبون الأحزان على الرفوف وأدخل حقل حزن لا ضفاف له وأترقب إلى الرحيل نحو المجهول!. في طريقي إلى المحطات المنتشرة على أكتاف المدينة كانت شريط الذكريات يعيد الأحداث على أشكالها الحقيقية وسجل الوقائع يمر أمامي وكأنه فلم وثائقي يرخي بظلاله معادلات الصراع الصفرية في داخلي، وبعد ساعة وربع من المشي بالأقدام في مدينة مترامية الأطراف متعددة الشوارع والأزقات وممتدة نحو الأفق أكثر من 35كم مربع، وقفت وحيدا في محطة الباص المزدحمة كغير عادتها، الحركة دؤوبة جدا كخلية النحل والناس متلفعون بهمومهم وطقوسهم اليومية وأغانيهم الصباحية المشوبة بالخوف والسهر.

 الأقنعة الشتائية والصقيع الصباحي جعل الناس دمية لا تتحرك لا يسمع فيها إلا الأصوات المصحوبة بصعوبة التنفس وسحب الدخان المنبعثة من السجائر، الأطفال صامتون والرجال هامدون وسطوة الزمهرير غلبت على ثرثرة النساء، ومع ذلك لم تكن المحطة كريهة خالية من لحن الحياة ولم تخلو عن ابتسامات رائعة تهز عرش القلوب كأنها صيغة اعتذار مسبقة نحوي!. كانت المحطة عتيقة كئيبة، ورواسب الحزن والأسى تنبعث الذكريات الصدئة في كل مكان كمقياس حراري سوفيتي مهترئ ترفعه الزوابع تارة ويخفضه الصقيع تارة أخرى، والرحلة نحو المجهول تشوش فكرتي وتستولي وجداني كمعزوفة إفريقية باهتة فقدت نكهتها في أيدي فنان متحير بين الانتماء إلى أصالة الطبول الإفريقية القديمة ودقات الحداثة الصاخبة، نظرت إلى مقعد رخامي على الجهة اليسرى للمحطة كان يرمقني بنظرة رمادية حانية كأنه محزون من أجل الطبيعة الجامدة من حوله، أو يتحرش بي لنخرج معا الوحدة التي كبلتنا في أعمدتها الكريهة إلى الأنس والملاح والحكايات الجميلة، لا أدري أي الخيارين كان المقعد ينوي ولكن أسطر الفرحة كانت بادية في محياه بعد جلوسي فوق المقعد الذي يركن بجنبه بحب وحنين. تجولت في أوساط الناس و شعر الشقراوات وأوجه الحسناوات فتملكني شعور رهيب رسم على ملامحي تموجات من البهجة والغضب التي تسري في أوصالي وتخرج كالبركان من ينابيع الفرحة وعيون الألم المنتشرة في وجداني! وفي هذه اللحظة بالذات كنت منهمكا لحل فك طلاسم الماضي متنكرا بوحدة مزيفة تجعل الواقع حالكا أكثر من اللازم. قصدت نحو الكرسي الرخامي فرأيت كهلا عريض المنكبين كث الشعر كأن شواربه حبال تخاطب أصداء ذكرى قديمة ينفث سحب الدخان إلى السماء أو قل إن شئت ينفث زفراته الشجية إلى بقايا أمله ويداوي الجرح الغائر بمزيد من الضحايا والتبله المقصود، ولكن ليست ضحيته المفضلة آدميا بل هو حزمة القات المعلقة بغرابة تحت إبطه وأفراد السجائر التي تصرع تباعا في كل لحظة!، تأخر القطار كثيرا فقل الناس وازدادت حدة البرودة ولسعتني بشدة موغلة في الثأر! فكاد قلبي أن يخرج من بين ضلوعي وساد في المكان صقيع يتأسد عند بواكير الصباح. لم أكن أرتاح نفسيا لتصرفات الكهل ونغماته الصوتية التي تقاسي الألم النفسي والبرد والجوع، والضباب الذي أطنب المكان والجموع المتوترة الهائمة التي تختفي وراء غابات الصندل وعلى طريق تائه المعالم خابي المنارات كأنهم آثمون بالهوى، وسبب عدم ارتياحي هو أنه حام حولي ذكرى مؤلمة وبرق في جفوني أحلاما ترتجف كأوراق متناثرة على الأرصفة الباردة. جاء القطار أخيرا فصفق الجميع بعفوية موغلة في البراءة حتى ألهب التصفيق بالأكف السمراء، جلست على مقربة الكابينة والشباك الأمامية فبدأ عطر الطبيعة يدغدغ مشاعري وأيدي الندى تداعب جفوني، ولكن غمضت عيني كأني أبعد عن ناظري أشباحا مرعبة مخيفة تداهمني في يقظتي، حرك القطار زر المذياع العتيق فبعث صوت القصيدة يصدح على ذبذبته والحنجرة الذهبية ترجع النغمات الكلاسيكية الشرقية الأصيلة، لم أتعرف على الفنان لأني مزاجي لم يكن جيدا بما فيه الكفاية ولكن أعجبني صوته الشجي والإمكانيات الصوتية المدهشة التي يتمتع بها هذا الفنان المبدع. نظرت إلى الركاب وكأنني في مهرجان موسيقي وحفلة غنائية لشعب رقيق المشاعر مرهف الحس، وتعجبت كيف ارتفع ترمومتر السعادة بمجرد وقع الأوتار وعزف البيانو، وانسجامهم التام لكلمات الأغنية وتعابير الفنان وكأنهم في حفلة رقص جماعي يهزون روؤسهم ويحركون أكتافهم كنجوم المسرح أو كالفرق الغنائية المدربة، فغرت فاهي دهشة وعجبا، شعب مكوي بنار الحروب منكوب بويلاته وديناميكية المرح ترتفع بهذه البساطة وبأغنية لا تبثها الأثير ولا يذيعه التلفاز بل في المذياع العتيق للقطار المسن. كنت في حزن صامت وعميق وأنا أتحسس مقعدي في الباص الذي لم أعرف شخصا ولا إنسانا من ركابه ولا وراء الأحلام، الشعور بالغربة وعدم معرفة الأشخاص أعطتني ثقة تامة وخففت عني عبء الحذر والرحلة مع الشك الذي لا ينتهي، ولا غرو فرائحة الماضي التي تفوح في ذاكرتي ملأت حياتي أطنانا من السوء والسواد، وتركتْ سنوات الشقاء والكفاح آثارها السلبية في حياتي، وجعلتني إنسانا يميل إلى الوحدة والسكون. سلمت نفسي للكرى فوق كرسي القطار وأنا أردد هذا البيت الذي لا أعرف قائله:

 في الذكريات وفي الترحال أشجان*** فيها من العلم والعرفان ألوان.

كانت أشجار الصندل تجود بنا روائح زكية تنعش الأبدان وتصفي القلوب، ولكن كان الجهْد يفسد متعتي والتعب يزرع خلاياه في كل خيط وعصب من جسمي، والخوف من المستقبل والأحلام المرعبة تصارعني في الغفوة السريعة فوق الكرسي وتدخلني في بحر من التصورات والأفكار، وبينما أنا متقلب بين النوم واليقظة ارتجفت وكأني أحضن الملاريا فقفزت وأنا مذعور برعشة الخوف، شعرت ثقلا في يدي اليمنى فإذا الكهل الذي كنا ننتظر القطار معا في المحطة المتجمدة يربت برفق وحنان على كتفي وهو يبتسم، لم أعر له أي اهتمام بل جلست وفي العين حمرة ضلت طريقها، لأني ومنذ الصغر تعلمت قسوة الحياة والجرأة وعدم الخنوع وإن أبكي فعلى صمت، حقا كان رجلا براغماتيا وعقلا باردا يتحدث بتروي ويسكت بعمق ويحلل الأشياء بعقلانية كبيرة موغلة في التجارب الحية التي عاشها في سنين عمره الطويلة. حاولت الهروب من نظرات الكهل ومحادثته إلى التنكر والإهمال والروابي الرمادية والتبله، وأن أجعله ـ كالعادة ـ ممن سقطوا في آبار النسيان وفي سحيق اللامبالاتي القاتلة!، ولكن بعبقريته الفذة بدأ يقرأ أفكاري ويمس خواطري، ونظر إلى وجهي الشاحب بنظرات قوية كالصواعق تغتال الشك في مهده وتأكل الأخضر واليابس.

حب الفضول والاستطلاع هو الذي أرغم الكهل على محادثتي، ولم أتبين أهو يحاول تنظيم الحزن ورميه بعيدا في سحيق الأمل،أم هو يبحث حقيقية لفها غموض وأصبحت عصية على الظهور؟، لا أدري! ولكن كان يبدو كمن يتحدث وهو تائه في أودية الظنون والتخمين، أو كمن يراقب الوضع وسنه يضحك وأحشاؤه تحترق.! وبما أن رحلتي كانت مغامرة غير مأمونة العواقب تجنبت الأحاديث الجانبية والأحاسيس الجميلة، ولكن للمكتوب رأي آخر! ودائما بين الكواليس ووراء المرئيات ما نراها بذرة من الحب أو نزعة جامحة من التفاهم وثورة لطيفة في طريقها إلى الخروج وبطرق غير تقليدية وصاخبة أحيانا. جلسنا أمام الطبيعة والعبق العتيق يهب من المروج والبساتين والجداول ممزوجا بهديل البلابل وتغريد الكناري كأنها رقصات صومالية سلسة وموحية، تآلفنا ورنة التوجع تبدو على محيانا، وليت الأمر يتوقف عند ذالك! بل حادثني رفيقي في السفر حقائق أغرب من الخيال، ونسيت في خضم هولها كل ما عانيته في سنوات عمري.

%d مدونون معجبون بهذه: