هل الأبجدية اللاتينية أفضل لكتابة اللغة الصومالية من الأبجدية العربية؟

1- المقدمة

مع أن اللغة أصلاً هي مجردة أداة للتواصل والتعبير إلا أنها تُعطى صفات أخرى خارجة عن نظمها التركيبية. وتختلف مدلولات هذه الصفات إيجاباً وسلباً كما تختلف حدة الإيجابية والسلبية حسب الظروف التي تمر بها الأمة أو الأمم الناطقة بها. فتوصف بعض اللغات بأنها أقوى على التعبير أو أجمل في التعبير أو أكثر خشونة أو غنية أو فقيرة أو حتى متقدمة ومتطورة أو متخلفة أو بدائية. ليس هذا الأمر موضوع هذا البحث ولكن الذي يرتبط بهذه الآراء هو أن مثل هذه المواقف من اللغات تعمم لتصبح تفاضيلة بالنسبة لنظم الكتابة كذلك، سواء أكانت هذه النظم أبجدية أم مقطعية أم غيرهما من النظم. إذ يغلب أن يُنظر إلى أبجدية اللغة “الأقوى” على أنها “أمثل” لكتابة لغات غير تلك اللغة ذاتها. وهذا ما حدث بالنسبة إلى الأبجديات اللاتينية والعربية والسيريلية الروسية. فهي تُستخدم لكتابة عديد من اللغات غير اللاتينية (أو بناتها في الوقت الحاضر) والعربية والروسية. وكما أن اللغة أداة أصلاً فالأبجدية (أو أي نظام كتابي آخر) هي أداة أصلاً كذلك. ومن هذا المنطلق النفعي الآلي فإن العلاقة الترميزية الشكلية التي تربط الأبجدية باللغة التي تُكتب بها ليست علاقة عضوية متلازمة بينهما. ومن هذه الزاوية يمكن تعديل الأبجدية أو إلغاؤها من الاستعمال للغة ما. كما يمكن استعمالها لأية لغة أخرى (انظر ويلش 1978 ص 19) (*). غير أن مستعملي نظم الكتابة (والتركيز هنا على الأبجديات) يُضفون عليها سمات وقِيَماً معنوية أخرى فتصبح الأبجدية مَعْلماً مادياً من معالم الهوية لمستعمليها. وأذكر هنا مثالاً واحداً يتعلق بكتابة اللغة اليابانية. فُرضت على تلك الدولة تغييرات جمة في أعقاب استسلامها العسكري عام 1945م. ولكن تلك التغيرات وقفت عند منصب إمبراطور الدولة اليابانية باعتباره رمزاً للأمة. وقد اقترح فريق أمريكي للتربية إلغاء نظام الكتابة الياباني وإحلال الأبجدية اللاتينية مكانه. غير أن الجنرال الأمريكي مكارثر (وكان شبه حاكم عسكري لليابان في ذلك الوقت) رفض الاقتراح برمته معللاً الرفض بأن القضية أكثر تعقيداً مما ظن مقدمو الاقتراح وأن تغيير نظام الكتابة يعادل في أثره الإطاحة بالإمبراطور (ويلش 1978 ص 90). وقد تعرضت الأبجدية العربية (التي كانت تستعمل لكتابة لغات الشعوب المسلمة جمعاء حتى مطلع القرن العشرين) لعدة حملات عنيفة داعية إلى إلغاء استعمالها. (ويذكر القارئ أن هذا الأمر قد انتشر ليشمل بعض الأقطار العربية في النصف الأول من هذا القرن والمشهور منها دعوة الشاعر سعيد عقل في لبنان في الخمسينات والستينات). وقد آلت بعض تلك الحملات إلى الفشل (كما في إيران وأفغانستان مثلاً، أنظر شورش 1984) واستطاعت حملات أخرى إلغاء استعمال الأبجدية العربية (كما في تركيا، انظر غالاغر 1971) وماليزيا (انظر عمر 1982).

2- الأبجدية اللاتينية للصومالية

وفي الصومال كانت الأبجدية العربية في تنافس شديد مع الأبجدية اللاتينية منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى عام 1972 عندما قرر المجلس الثوري الحاكم هناك (والذي استولى على الحكم عام 1969) أن تكون الأبجدية اللاتينية هي الأبجدية الرسمية الوحيدة المعتمدة لكتابة اللغة الصومالية. وفي التاريخ الحديث للصومال لم يَفْرض البريطانوين ولا الإيطاليون استعمال الأبجدية اللاتينية في أثناء استعمار كل منهما لجزء من الصومال حتى الاستقلال عام 1960م. كما لم تستطع أي من الحكومات الصومالية المتعاقبة بعد الاستقلال اتخاذ قرار رسمي بهذا الشأن بالطرق الديموقراطية وذلك لتضارب الآراء والمواقف والمصالح. ولما جاء المجلس الثوري إلى سدة الحكم وضع ضمن برامجه بنداً يتعلق بحسم أمر الأبجدية (انظر اندرزيفسكي 1973 و1974). وقُبِلت الصومال عضواً في جامعة الدول العربية عام 1974 فأصبحت الدولة الوحيدة في الجامعة التي لا تنطق باللغة العربية كلغة أولى ولا تستعمل الأبجدية العربية رسمياً في كتابة تلك اللغة (انظر ليتين 1977 واندرزيفسكي 1980). وقد لاقى ذلك القرار استحساناً ودعماً من جميع الباحثين الذين كتبوا في الموضوع مباشرة أو تطرقوا له ضمن بحوثٍ بأهداف أخرى (انظر على سبيل المثال اندرزيفسكي 1974 و1980 وليتين 1977 كممثلين للفئة الأولى ودون مؤلف 1983 وكايلان 1982 ونلسون 1982 وتارتار 1982 كممثلين للفئة الثانية). زعم المؤيدون للقرار من الباحثين بأن الصومالية قد ارتقت إلى مصافِّ اللغات المكتوبة في العالم. كما زعموا أن الصوماليين الأميين قد انتقلوا نقلة نوعية تجاه تعلم القراءة والكتابة وأن غير الأميين منهم قد استطاعوا أن يرفعوا سويَّتهم في القراءة بشكل مدهش. كما ادعى المؤيدون أن حسم موضوع الأبجدية قد خفف من حدة الصراع القبلي الذي ساد قبل اتخاذ القرار. وأشاعوا كذلك أن استعمال الأبجدية اللاتينية للصومالية سيسارع في اكتساب الصومال للعلم والتكنولوجيا. ولا يوجد بحث أو كتاب واحد تطرق للصومال إلا ذكر هذه الادعاءات وغمز الأبجدية العربية وأشاد بهزيمتها أمام الأبجدية اللاتينية. وفي ظني يعود غياب البحوث الجادة باللغات الأوروبية وبخاصة اللغة الإنجليزية إلى أن أصحاب القرار في النشر غير مَعنيين، بل إنهم رافضون لأي بحث جاد يُخْضِع القرار لمعايير البحث العلمي ويَخْلص إلى غير ما يرغبون، وهو اندحار الأبجدية العربية خارج بلاد اللغة العربية على الأقل أو بعبارة وسطية يرغبون انتشار استعمال الأبجدية اللاتينية(*). وللبرهنة على بطلان مزاعمهم نأخذها واحدة واحدة ثم نبين الأوجه المغلوطة في كل منها.

أولاً: القول بارتقاء الصومالية إلى مصاف اللغة المكتوبة.

إذا سلمنا بأن كتابة اللغة ترفع من قيمة اللغة (وهذا أمر جدلي) فإن هذا الارتقاء لا يتأتي باستعمال أبجدية معينة بالتحديد بل باستعمال أي نظام كتابي أبجدي أو غير أبجدي سواء أكان ذلك النظام أو تلك الأبجدية مما هو دارج أو كان جديداً كلياً. وعليه لا يستوي الادعاء بأن الوساطة الوحيدة تَـكْمن في الأبجدية اللاتينية. هذا من الناحية النظرية اللغوية. ويضاف إلى ذلك أن الصومالية لم تكن غير مكتوبة قبل اتخاذ القرار، إنما كانت مكتوبة بالأبجدية العربية والأبجدية اللاتينية (الإيطالية والإنجليزية) (انظر اندرزيفسكي 1973 و1974 وليتين 1977 على سبيل المثال لا الحصر). تُغفل هذه الحقيقة التي يذكرها المؤلفون في تاريخ الصومال نهائياً عند كَيْل المدح للأبجدية اللاتينية وقرار استعمالها لكتابة الصومالية بشكل رسمي. ولا بد من أن نذكر هنا أن أولئك الباحثين لا يُميزون بين أمرين: الأول كون اللغة مكتوبة والثاني وجود سياسة أبجدية حكومية. إن الوضع السائد قبل 1972 كان وضعاً تنقصه السياسة الأبجدية ولم تكن تنقصه الأبجدية أو الأداة الترميزية الشكلية للغة. إن الذي أنجزه القرار هو مجرد الحسم في قضية التنافس بين الطرق المختلفة لكتابة الصومالية. بعبارة أخرى أنهى القرار حالة “اللاقرار” ولم يُحَوِّل الصومالية من لغة منطوقة فقط إلى لغة مكتوبة كذلك.

ثانياً: المقولة في دفع محو الأمية

ورداً على زعمهم بانخفاض نسبة الأمية ورفع سوية القراءة لدى الصومالين نتيجة لاستعمال الأبجدية اللاتينية نورد ما يلي: إن الانخفاض في معدل الأمية في أي بلد غيرُ مرتبط بتاتاً باستعمال أبجدية معينة أو نظام كتابة معين. فكيف يمكن ربط الانخفاض في النسبة باستعمال الأبجدية اللاتينية؟ لو كان هذا الزعم صحيحاً لما وجدنا أميين في أي بلد يستعمل الأبجدية اللاتينية في الوقت الحاضر ولما كانت نسبة الأمية عالية في بلاد تلك الأبجدية في القرون الماضية. وفي المقابل لوجدنا نسبة أمية عالية في البلاد التي لا تستعمل الأبجدية اللاتينية مثل اليابان وكوريا. وللتدليل على ما نقول نورد ما يرويه تاولي (1977 ص28) عن مدير دائرة البحث في التعليم الجامعي في أمريكا الذي يقول: “إن الأبجدية الإنجليزية (وهي اللاتينية) تضع على المتعلمين المبتدئين عبئاً ثقيلاً”. ثم يقول تاولي مثل ذلك عن الفرنسية (التي تستعمل الأبجدية اللاتينية): “إن الفرنسيين يواجهون صعوبات جمة في تعلم الأبجدية الفرنسية” (ص30). إن الجوهر في محو الأمية هو وجود خطة مُوجَّهة يتم تنفيذها على شعب يرغب في تعلم القراءة بطرق ناجحة ناجعة. ولا يكمن ذلك في استعمال أبجدية ما بحد ذاتها. ولو أخذنا أبجدية (ولنقل اللاتينية مثلاً) ونظام كتابة آخر (ولنقل المقطعي المستعمل في كتابة اليابانية) وأجرينا مقارنة بين التحصيل في القراءة لدى المتعلمين لكل منهما فمن المفروض النظري أن لا نجد فروقاً في التحصيل. أما من الناحية الواقعية الحقائقية فإن الأمر معكوس كما يقول ستورات (1968 ص 705). يروي دون ستورات أن ابنته كانت تتعلم القراءة بالأبجدية اللاتينية (لقراءة اللغة الإنجليزية وهي لغة والديها) وكانت في نفس الوقت تتعلم اليابانية (وذلك لأن العائلة كانت تعيش في اليابان في تلك الفترة). وعلى حد قول ستورات، أتقنت ابنته قراءة اليابانية قبل أن تتقن قراءة الإنجليزية. ويضيف ستورات أن الأطفال اليابانيين يبدأون القراءة قبل أقرانهم من الأطفال الأوروبيين الذين يبدأون عملية التعلم في نفس العمر الزمني. هذا مع أن غالبية الناس يعتقدون بأن النظام الياباني (أو الصيني مثلاً) أصعب النظم الكتابية للتعلم (انظر ويلش 1978 ص90). أما ما يُثار بأن الحروف العربية متعددة الأشكال بينما الأشكال للحروف اللاتينية أقل عدداً فهو أمر غير ذي بال، إذا تذكرنا الأنظمة الأخرى مثل النظام الياباني. ولا ننسى أن نؤكد بأنه لا توجد أية دراسة علمية متقنة وجادة تقارن درجات الانقرائية للأبجديات. وفي غياب مثل هذه الدراسة فإن الاحتجاج بسهولة التعلم أو صعوبته يبقى أمراً انطباعياً شخصياً لا يُعَوَّل عليه في المحافل العلمية الرفيعة والأمينة. ويثار كذلك أمر وجود الحركات (أو غيابها) ووجود النقط التي تميز بعض الحروف العربية عن مثيلاتها في الشكل. وبادئ ذي بدء لا بد من الإشارة إلى أن هذه السمِّة ليست في الأبجدية العربية وحدها بل في أبجديات أخرى وأشهرها الكتابة العبرية. وقد نشر الباحثون الناطقون بها بحوثاً عديدة يُشيدون بمزاياها الإيجابية وبأفضليتها على الأبجديات التي تخلو من هذه السمة (انظر رابين 1971 كمثال فقط). ولكنْ ما من بحث ذكر هذه السمة في العربية إلا اعتبرها نقطة ضعف في العربية. وبالرغم من معرفتهم بوجود نفس السمة في العبرية إلا أنهم لا ينطقون ببنت شفة أو كتابة عبارة واحدة في بحوثهم مثيلةٍ بالتي يقولونها عن العربية. فليس الأمر إذن مرتكزاً على مبدأ علمي إنما على مزاج شخصي. وثم كتاب واحد فقط يعتبر أشكال الحروف في العربية واستعمال النقاط ميزة إيجابية وإن كان ذِكرُها قد وُضع في حاشية (كولماس 1989 ص157 حاشية رقم 14). وننظر الآن في الأبجديتين من ناحية شمولية الترميز للصومالية. إذا أخذنا الحروف اللاتينية وحاولنا مواءمة كل واحد منها لترميز واحد من أصوات اللغة الصومالية (الذي يسمى فونيم بالإنجليزية وفونام بالفرنسية وهكذا) وجدنا أن بعض الأصوات الصومالية لا يوجد لها مقابلات في الحروف اللاتينية مثل الأصوات المفخمة والأصوات الاحتكاكية الحنكية والصوت اللهائي والأصوات البلعومية، ذلك أن اللاتينية واللغات التي تُستعمل الأبجدية اللاتينية لكتابتها تخلو من جميع هذه الأصوات أو من بعضها. وكذلك الحال بالنسبة إلى أصوات العلة. فبينما يوجد في الأبجدية اللاتينية خمسة حروف علة يوجد في الصومالية على الأقل ضعفا مثل هذا العدد. ويضاف إلى ذلك وجود النبرة في الصومالية في موقع فونيم ولا يوجد للنبرة حرف في اللاتينية أو غيرها. وعليه فإن الأبجدية اللاتينية غير كافية للأصوات الصومالية. ومع أن هذا النقص واضح إلا أن الأبجدية العربية هي التي تُرمى به (انظر اندرزيفسكي 1974 وليتين 1977). أما الأبجدية العربية فالنقص موجود في ترميز أصوات العلة الصومالية فقط. إن الأبجديات المنتشرة الاستعمال في الوقت الحاضر قد وُضعت كل منها قديماً لكتابة لغة معينة بالتحديد. وعليه لا يمكن استعمالها دون تعديل أو إضافة أو تحوير إلا لِلغةٍ مطابقة في نظمها الصوتية لِلغةِ الأبجدية الأصلية. وبناء عليه يُمكن المفاضلة بين صلاحية أبجديتين بالمقارنة بين أنواع التعديلات المطلوبة وعددها. وفي هذه الحالة تكون الأبجدية العربية أفضل لكتابة الصومالية من الأبجدية اللاتينية لأنه يمكن الاستغناء عن أصوات العلة في الكتابة لدرجة أعلى من درجة الاستغناء عن الأصوات الصحيحة. وينطبق هذا على اللغات بشكل عام وعلى الإنجليزية بشكل خاص. وللبرهنة على ذلك نُذَكِّر القارئ بأن اختصار كلمات البرقيات والتلكس بالإنجليزية غالباً ما يتم بحذف حروف العلة أكثر من حذف الحروف الأخرى. وإلى القارئ المُلِمِّ باللغة الإنجليزية أُقَدِّم هذا المثال. وتخلو هاتان الجملتان من حروف العلة تماماً. 1) Y shld b crfl whn dlng wth sch grps. 2) fr ntv spkrs f mny Inggs wrtn n th Rmn mst vwls mks fw rdng prblms. وهي بالصيغة الكاملة بحروف العلة كما يلي: Ia) You should be careful when dealing with such groups. 2a) For native speakers of many languages written in the Roman alphabet, dropping most vowels makes few reading problems. وتشابه الجملتان في الصيغة الأولى كتابة الجملة بالعربية إلى حد ما (لأنه بينما تخلوان من جميع حروف العلة تظهر حروف العلة الألف والواو والياء في الكتابة العربية).

ثالثاً: الصراع القبلي

يدعي الباحثون أن حدة الصراع القبلي قد خفت باتخاذ الأبجدية اللاتينية النظامَ الرسمي لكتابة الصومالية. وواقع الأمور لا يشير إلى ذلك. في المقام الأول لا بد من الإشارة إلى أن الاقتراح باستعمال تلك الأبجدية كان في عهد الديمقراطية، وتقدم به الشيخ جامع من قبيلة المارهان، وهي قبيلة رئيس مجلس الثورة الذي فَرض استعمالها. وهذا يعني أن تلك القبيلة قد أعطيِت الفضلَ المعنوي في تبنيه (انظر ليتين 1977 ص 121). ومن ناحية ثانية فإن المعارضة للقرار كانت أوسع مما كان أيام الديموقراطية، لولا أساليب الترهيب والقمع التي استُخدِمت لكبت المعارضة (انظر المصدر نفسه). كما أن الأبجدية العربية كانت الأوسع انتشاراً بين عامة الناس من خلال المدارس والمساجد وخاصة خارج المدن. بينما كانت المعرفة بالأبجدية اللاتينية محصورة في المتعلمين للغات أخرى. فالتنافس القبلي إنْ انتهى فإن ذلك على المستوى السطحي نتيجة لأساليب تنفيذ القرار وليس لأساليب الإقناع قبل اتخاذ القرار.

رابعاً: التقدم العلمي والتكنولوجي

يربط الكثيرون التقدمَ العلمي والتكنولوجي بلغة القوم المتفوقين في هذين المجالين، وهذا ضرب من التعميم الذي لا يستقيم. يقول كولماس: إن التفوق الغربي في كلا المجالين لا يُمْكن أن يُعزى إلى استعمال الأبجدية (مقارنة مع أنواع النظم الكتابية الأخرى). ويذكر الكاتب مثالاً على ذلك التقدم التكنولوجي في اليابان على الرغم من أن اليابانية لا تُكتب بالنظام الأبجدي بل بالنظام المقطعي بشكل عام (1983 ص244). ولكن مؤيدي الأبجدية اللاتينية للصومالية (وغيرها كذلك) يحاولون في لهفتهم على اللحاق بالغرب أن يتبنوا كل ما هو غربي (سياسة التغريب). أما المعارضون فيميزون بين التغريب والتحديث. ويقولون بأن التحديث يمكن أن يُصار إليه بدون التغريب. وفي هذا يقول ليتين: “لم يكن التحديث في الصومال يعني التغريب في أي وقت ما” (1977 ص 83). وقد رأى البعض تبني اللاتينية تغريباً. ونستنتج مما سبق أن سياسة استعمال الأبجدية اللاتينية للصومالية لا تعتمد على أسس تُسوِّغها من الناحية اللغوية الصرفة أو النواحي السياسية أو الثقافية أو القومية أو الدينية أو العلمية التكنولوجية أكثر مما تُسوِّغ استعمال الأبجدية العربية. وعلى العكس من ذلك فإن استعمال الأبجدية العربية يُعزز للصومال المجالات الثقافية والقومية والدينية. فهل يمكن أن يكون القرار باستعمال الأبجدية اللاتينية ضرباً من الرفض للقِيَم التي تُمثلها هذه المجالات؟ ليس من السهل الأخذُ بهذا الرفض ببراهين قطعية. ولكن مقارنة هذا القرار (باستعمال الأبجدية اللاتينية) بقرارات اتُخِذت سابقاً في مناطق أخرى وأثّرت على استعمال الأبجدية العربية يمكن أن تُعطي مؤشرات على خلفية القرار ودوافعه وعلى الآثار المحتملة له في الصومال.

3- قرارات سابقة في التاريخ المعاصر

في العشرينات من هذا القرن أُلغي استعمال الأبجدية لكتابة التركية واستعملت الأبجدية اللاتينية مكانها. وقد تم ذلك بقرار من الجهاز العسكري وبشكل حاسم وقمعي مدهش، كما يقول الباحث غالاغر (1971 ص 65). وكان ذلك الإجراء ضمن برنامج لإبْعاد اللغة العربية وأبجديتها والإسلام عن تركيا والتركيز على العلمانية وإعادة تشكل الحس التركي بحيث تكون تركيا تركية في المقام الأول وتكون بلداً مسلماً بشكل عرضي ثانوي (المصدر نفسه ص 160). ومع أن إيران كانت سائرة في اتجاه العلمانية كذلك (كما يقول الكاتب نفسه ص165) إلا أن العَلْمنة لم تَشمل في مظاهرها إلغاء استعمال الأبجدية العربية. ويبرز هنا وجه الشبه بين مصدر القرار في تركيا ومصدر القرار في الصومال وهو المجلس العسكري. ويَجمع هاتين الحالتين كذلك وجهُ شبه آخر وهو التوجه العلماني. ففي الصومال كانت “الاشتراكية العلمية” هي المبدأ الذي أعلنه مجلس الثورة كأساس لفلسفة المجلس (انظر ليتين 1977). وتلا القرارَ في تركيا زمنياً القرارُ الستاليني في الاتحاد السوفيتي والذي ألغى استعمال الأبجدية العربية المستعملة حتى العشرينات من هذا القرن في كتابة لغات جمهوريات أواسط آسيا المسلمة وأحلّ محلها الأبجدية اللاتينية. وقد أُلصِقت بالأبجدية العربية شتّى الصفات المنفِّرة، ويُقدّم الباحث شورش (1984) عيّنة من القدْح في الأبجدية العربية في قصيدة كتبها الشاعر الطاجي عبدالواحد مُنظِّم، ونتقطف منها بعد العنوان ما يلي: حول الأبجدية القديمة (أي العربية) والأبجدية الجديدة (أي اللاتينية). عندما زانت الحروفُ اللاتينية أبجديتنا الجديدة. أخذ الإقبال على الأبجدية العربية يذوب. في الحقبة العلمية تظهر الأبجدية الجديدة كطائرة. بينما الأبجدية العربية تبدو مثل حمار هزيل يعاني من الألم. نستطيع تعلم الأبجدية الجديدة في أسابيع ثلاثة. أما تعلم الأبجدية العربية فصعب ويَسْلبنا ثلاث سنوات ثمينة. نَسعد اليوم أن حظنا قد تَبدَّل إلى الأسعد. وذلك بركل الأبجدية العربية من بيننا إلى الأبد. (ص39 و40). وإذا ما رجعنا إلى ما قِيل في ميزات الأبجدية اللاتينية للصومالية وجدناها تكراراً لما وُصفت به في التهليل للسياسة السوفيتية السابقة. فقد عَزوا إلى استعمالها ارتفاعَ نسبة المتعلمين للقراءة (محو الأمية) من 3,8% عام 1926 (أثناء استعمال الأبجدية العربية) إلى 82,8% عام 1939 (باستعمال الأبجدية اللاتينية) (انظر كذلك ستبز 1980 ص84). ولا يفوت الباحث شورش أن يؤكد بأن ذلك الارتفاع لا علاقة له باستعمال الأبجدية اللاتينية ويعود بالقارئ إلى القرن العاشر الميلادي عندما كانت نسبة الأمية بين تلك الشعوب ضئيلة جداً بالمقارنة مع نسبة الأمية في الشعوب التي كانت تستعمل الأبجدية اللاتينية وغيرها. غير أن المكانة الرفيعة التي وُضعت فيها الأبجدية اللاتينية لم تدم أكثر من عقد واحد من الزمان. فما لبثت أن قُلب لها ظهر المِجنّ وفَقَدت تلك المكانة لأنها (حسب زعم صانعي القرار) مِثلُ الأبجدية العربية ولا تصلح لكتابة اللغات وأن استعمال السيريلية الروسية هي المُثلى لتلك اللغات (شورش 1984 ص 44). ومن ثَمّ فُرض استعمالُ الأبجدية السيريلية الروسية على تلك الشعوب. ويَستخلص شورش أن فَرْض التحول إلى أبجديتين مختلفتين خلال عقدين من الزمن أُلْبِس قِناعاً لغوياً بينما الدوافع الحقيقة غير لغوية. ففي الوقت الذي جرى فيه فرض الأبجدية اللاتينية أُظْهِرت على أنها أفضلُ من الأبجدية العربية. وأضافوا إلى هذه الميزة اللغوية المزعومة ميزة قومية ومفادها أن تلك الشعوب (في وسط آسيا) ستكون على اتصال ثقافي مع بني جنسهم في تركيا من خلال استعمال الأبجدية اللاتينية نفسها. وعندما تقبلت تلك الشعوب تركَ أبجديتهم الأولى (وكانت العربية) أصبح من الأسهل على السلطة السوفيتية فرض استعمال الأبجدية السيريلية. وبذلك تم فصل شعوب وسط أسيا عن ارتباطهم الديني بالأبجدية العربية وعن ارتباطهم القومي (المزعوم) بإخوانهم. فالهدف الحقيقي لتلك الإجراءات كان ربط تلك الشعوب لغوياً بأبجدية السلطة المركزية السوفيتية في موسكو. أي أن السياسة الأبجدية كانت الأداة اللغوية التي تعزز الإجراءات الأخرى في المجالات الأخرى والتي اتُّخذت لإحْكام السلطة على جميع الشعوب الخاضعة للسلطة السوفيتية. وما كان التحول إلى الأبجدية اللاتينية سوى خطوة مرحلية ضمن خطة هَدفت إلى “ترويس” جميع الشعوب في تلك الدولة، على حد ما استنتج شورش (1984) والباحثون كافة الذين رجع شورش إلى كتاباتهم في كتابة بحثه.

4- خاتمة

وبالعودة إلى القرار الصومالي باستعمال الأبجدية اللاتينية رسمياً لكتابة الصومالية ومقارنته مع الحالات السابقة أعلاه يُمكن إجراء القياس والمماثلة. فقد يكون هدف القرار الصومالي موجّهاً إلى خَلْق هوية صومالية “ثورية” تبتعد في مرتكزاتها اللغوية الأبجدية عن البلاد الناطقة بالعربية والمستعملة لأبجديتها. وبما أن الأيديولوجية المُعْلنة للثورة الصومالية كانت “اشتراكية علمية” (أي علمانية أو شبه علمانية) فإن دَفْع الأبجدية العربية إلى وضع خلفي يدفع كذلك إلى الخلف بالوسيلة اللغوية التي يمكن أن تُبْقي على السهولة النسبية لاستمرارية الاتصال بالتراث والمحافظةِ على الهوية السابقة للثورة والقرار. ومن جوانب تلك الهوية المعتقدُ الديني الإسلامي. ولهذا رأى بعض المعارضين وخاصة شيوخ المساجد ومؤيدوهم في القرار الأبجدي ابتعاداً عن الدين. وقد لخصوا موقفهم هذا في الشعار الذي أطلقوه “لا تين ولا دين” (ليتين 1977 ص 93). والتقوا في معارضتهم على هذا الأساس مع المعارضة من التوجهات الأخرى (انظر راينهارت 1982 وليتين 1977). كما أن القرار باتخاذ اللغة العربية لغة رسمية ثانية في الصومال قد أنتج وضعاً بأبجديتين رسميتين. فخلق سياسة أبجدية مزدوجة في وضع لغوي يمكن أن يُستغني فيه عن إحداهما. وفي هذه الحالة تكون الأبجدية اللاتينية هي الأبجدية الزائدة عن الحاجة. إنني آمل أن يكون هذا المقال قد بين (دون تفاصيل عديدة قد تثير الملل) سلبيات هذه السياسة اللغوية. كما أرجو أن يكون البحث قد برهن أنه لا توجد مُسوغات لغوية لتفضيل الأبجدية اللاتينية على الأبجدية العربية. ولعل القارئ قد استخلص بأن محاولات الهجوم على الأبجدية العربية من كتاب الغرب إنما تدخل ضمن إطار أوسع من العداء لما ترمز إليه الأبجدية العربية.

قائمة المراجع

– حسن أحمد 1990 السياسات الثقافية في الصومال الكبير (قرن إفريقية 1887-1986) الخرطوم: المركز الإسلامي الإفريقي.

Andrzejewski, B. 1973. “Poetry in Somali society.” In Sociolinguistics, ed­ited by J. Pride and J. Holmes (Harmondsworth: Penguin), pp. 252-­259.
———. 1974, “The introduction of a national orthography for Somali.” Af­rican Language Studies, 15: 199-203.
———. 1980, “The Implementation of Language planning in Somalia: a record of achievement.” Language Planning Newsletter, 6 (1) 1,4, 5.
Anon. 1983. “Somalia: a country profile.” The Middle East Review 259 272.
Coulmas, F. 1983. “Writing and literacy in China.” In Coulmas and Ehlich, eds., pp.: 239 – 253.
———. 1989, The Writing Systems of the World. Oxford: Basil Black­well.
———. and K. Ehlich. 1983. “Introduction.” In Coulmas and Ehlich, eds., pp.: iii-v.
———. Eds. 1983. Writing in Focus. Berlin: Mouton.
Fishman, J. Ed. 1977. Advances in the Creation and Revision of Writing Systems. The Hague: Mouton.
Gallagher, C. 1971. “Language reform and social modernization in Turkey.”
In Rubin and Jernudd, eds., pp.: 159-178. I
Kaplan, I. 1982. “The [Somali] society and its environment.” In Nelson, ed., pp.: 61-132.
Laitin, D. 1977. Politics, Language, and Thought: The Somali Experience. Chicago: University of Chicago Press.
Nelson. H. Ed. 1982. Somalia: a Country Study, 3rd ed. Washington, D.C.: Department of the Army.
Qmar, A. “Language spread and recession in Malaysia.” In Language Spread, edited by R. Cooper. Bloomington: Indiana University Press.
Rabin, C. 1971. “Spelling reform in Israel.” In Rubin and Jernudd, eds., pp.: 95-122.
Rinehart, R. 1982. “Historical setting [of Somalia].” In Nelson, ed., pp. 1 ~ 60.
Rubin, J. and B. Jernudd. Eds. 1971. Can Language be Planned? Honolulu: University Press of Hawaii.
Shorish, M. 1984. “Planning by decree.” Language Problems and Language Planning, 8 (1): 35-49.
Smalley, W. et al. Eds. 1964. Orthography Studies. London: United Bible Societies.
Stuart, D. 1968. ” Comment on Berry.” In Readings in the Sociology of Language, Edited by J. Fishman (The Hague: Mouton), pp.: 750­751.
Stubbs, M. 1980. Language and Literacy. London: Routledge.
Tarttar, J. 1982. “Government and politics.” In Nelson, ed., pp.: 179-228. Tauli, V. 1977. “Speech and spelling.” In Fishman, ed., pp.: 17-35. Wellisch, H. 1978. The Conversion of Scripts. New York: Wiley.
Laitin, D. 1977. Politics, Language, and Thought: The Somali Experience. Chicago: University of Chicago Press.
Nelson. H. Ed. 1982. Somalia: a Country Study, 3rd ed. Washington, D.C.: Department of the Army.
Qmar, A. “Language spread and recession in Malaysia.” In Language Spread, edited by R. Cooper. Bloomington: Indiana University Press.
Rabin, C. 1971. “Spelling reform in Israel.” In Rubin and Jernudd, eds., pp.: 95-122.
Rinehart, R. 1982. “Historical setting [of Somalia].” In Nelson, ed., pp. 1 ~ 60.
Rubin, J. and B. Jernudd. Eds. 1971. Can Language be Planned? Honolulu: University Press of Hawaii.
Shorish, M. 1984. “Planning by decree.” Language Problems and Language Planning, 8 (1): 35-49.
Smalley, W. et al. Eds. 1964. Orthography Studies. London: United Bible Societies.
Stuart, D. 1968. ” Comment on Berry.” In Readings in the Sociology of Language, Edited by J. Fishman (The Hague: Mouton), pp.: 750­751.
Stubbs, M. 1980. Language and Literacy. London: Routledge.
Tarttar, J. 1982. “Government and politics.” In Nelson, ed., pp.: 179-228. Tauli, V. 1977. “Speech and spelling.” In Fishman, ed., pp.: 17-35. Wellisch, H. 1978. The Conversion of Scripts. New York: Wiley.

المصدر: موقع مجمع اللغة العربية الأردني 

3 تعليقات

  1. السمات الإرهابيه التكفيريه في التعليق غير جيد

  2. يجب اعادة اللغة الصومالية الى ماضيها المشرق وكتابة حرفها الاصيل وليس حرف وافد المستعمرالذى الذى كبدأنا خسائر فكرية وثقافية وايديلوجية ما زلنا نعانى فى تبعاته,الحرف اللاتينى الذى فرض علينا من قبل الاستعمار واذناب الاستعمار الذى نفذوا اوامره طواعية وراء خططه الاثمة لاجل تغريب المجتمع المسلم وماذا جنينا ذالك الحرف اللاتينى الا التبعية وراء الغرب وضياع البلد والاهل, اللهم رد الى الاسلام ردا جميلا اللهم فك رقابنا من قبل الملحدين اتباع الغرب والكافرين اجمع

  3. بارك الله فيك موضوع اللغه العربيه في الصومال يجب ان يعاد النظر فيه بعدما عبث النظام العلماني الملحد في معتقدات الشعب وابعده عن لغه القرءان ولغه اهل الجنه وكل ما يمت للدين بصله .. اخطاء تاريخيه بالجمله ارتكبها النظام الملحد تلزمنا سنين وسنين لتصحيحها بارك الله فيك ونفع بك الامه على هذه النقاله الدسمه

    اخوك فهد الاسحاقي -هرجيسا

%d مدونون معجبون بهذه: