الروابط الثقافية بين الصومال والسودان

كما تحدثنا – سابقا – فإن الثقافة الصومالية والسودانية قريبتان جدا من بعضهما لأنهما تستمدان من الثقافة الإسلامية، فلا غرو في ذلك. ويعرف الثقافة في تعريفها الشامل بأنها “تنظيم جماع له السمات المميِزة للأمة من مادية، وروحية وفكرية وفنية ووجدانية، وتشتمل على مجموعة المعارف والقيم والإلتزامات الأخلاقية المستقرة فيها، وطرائق التفكير والإبداع الجمالي والفني والمعرفي والتقني، وسبل السلوك والتصرف والتعبير، وطرز الحياة، كما تشتمل على (أخيرا) تطلعات الإنسان للمثل العليا ومحاولاته إعادة النظر في منجزاته والبحث الدائب عن مدلولات جديدة لحياته وقيمه ومستقبله،وإبداع كل ما يتفوق به على ذاته”[1]

وكما هو واضح في التعريف فإن مدلول الثقافة شامل ولكننا نسرد في هذا المكان بعض منها وهي كالتالي:-

الفن والغناء

الفن هو نتاج إبداعي إنساني ويعتبر نوعا من الثقافة الإنسانية ويستخدم كلمة الفن لتدل على إبداعية تخضع للحاسة العامة كفن الغناء أو الرقص أو الموسيقيا. ويقال الفن لغة يستخدمها الإنسان لترجمة التعابير التي ترد في ذاته الجوهرية، إذا فالفن هو موهبة إبداع وهبها الخالق لكل إنسان لكن تختلف بين الفرد والآخر،ويعتبر الغناء من الفنون غير المرئية[2]

وفي القران نجد إشارات إلى فن الغناء منها ما يجد المتأمل في الآية 19 من سورة لقمان يجد ترحيبا دافئا ومبكرا بالأصوات الرخيمة العذبة ونفورا من الأصوات المنكرة تقول الآية (واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير).

كما تمثل الآية 4 من سورة المزمل حضا ودفعا للتأنق في تلاوة القرآن تقول الآية (أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا)، ولا بد للباحث في هذا الأمر أن يعرج على النبي صاحب المزمار داود عليه السلام الذي كان الكون يتجاوب مع مزماره. جاء في سورة سبأ الآية:10 (ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد) وأي مشهد أروع من مشهد هذا النبي والجبال والطير تشارك أداءه الجميل في التسبيح بصوت جميل[3]

وبهذا فإن الغناء موجود في كلي البلدين إلَا أن السوداني مولع بالغناء أكثر من الشعب الصومالي، فقد بدأ الغناء في الصومال بعد الاستقلال، وازدهر في السبعينات فهناك أغاني وطنية وغزلية ووصفية وغيرها، فالغناء بين البلدين يشترك في استعمال كل منهما موسيقى السلم الخماسي أي يعزفان على أوتار السلم الخماسية، وبعض أغاني البلدين تشتركان في مواضيعهما وتتحدث عن القيم الإجتماعية التي يشترك البلدان فيها مثل التعبير عن الوجدان الديني، حب الوطن، الصبر في الحب، الشجاعة، العفة، وصف الحبيبة بأعذب الكلمات والألفاظ وغيرها من القيم، وعموما فإن الأغاني مدخل يتسع لمعرفة قيم هذا المجتمع لأنها لغة سهلة الحفظ وعبارة سلسة، ولوحة فنية مستساغة.

وفي الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي أحب الشعب الصومالي الأغاني والفن السوداني وقد زار محمد وردي وفرقة غنائية سودانية في السبعينات، وفي الثمانينات زار صلاح بن البادية، أحمد الريح، سيد خليفة، أحمد المصطفى، وبعض الصوماليين يتذكرون مقطعا لأغنية غناها أحمد المصطفى وهو مقطع (أيام زمان كانت أيام )، وقد تركت هذه الفرقة في الصومال مقولة مشهورة لدى الصوماليين وهي (Ma anaa Suudaanta keenay) ومعناها “هل أنا مَن جاء بالسودانيين؟” وهذه المقولة تقال عندما يقع أمر لم يكن في الحسبان ويريد أحدهم أن ينفي مسؤوليته عما حصل، وقد كان أصل هذه المقولة حكاية تحكي بأن الفنانين السودانيين عندما قاموا في المسرح الصومالي وعرضوا أغنياتهم المشهورة، أعجب الصوماليون بأغنياتهم وطريقة ادائهم الجميل فوقف جميع محبيهم وعشَاقهم وأكثرهم كانت من النساء فوضعوا في رقابهم السلاسل والحلي الذهبية والعمائم، ظنا أنهم يردونها بعد انتهاء عرض الأغاني كعادة فناني الصومال (في الصومال ترد هذه الأشياء باستثناء النقود فإنها لا ترد)، ولكن وقع غير ما كان في حسبانهم وما يظنونه لاختلاف عادات البلدين فلم ترد إليهم السلاسل والحلي الذهبية والعمائم، واستحيوا بأن يسألوا الضيوف شيئا وهبوهم فأصبحت هذه المقولة (“هل أنا مَن جاء بالسودانيين؟”) وجرت مثلا لنظيراتها.

وغنت حليمة خليف مغول الأغنية الخالدة (أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باقي) للشاعر السوداني محمد وردي.

وغنت أيضا أغنيات نوبية يعرفها أهل النوبة في السودان، وكذالك فقد غنت الأغنية الصومالية الخالدة (jacayl Dhiig ma lagu qoray) ومعناها “هل كتب الحب بمداد من الدم” للشاعر الصومالي الأستاذ محمد إبراهيم حضراوي وهي رسالة شاب سوداني أحب الفنانة إبان تواجدها في السودان أرسل رسالة كتبها بمداد من دمه[4]

وهناك أغنية للفنانة الصومالية حليمة خليف مغول تعبر عن أن السودان والصومال واحد وفيها هذا المقطع (صومالنا سوداننا)

وهناك فنانون صوماليون تغنوا بالأغنيات السودانية مثل الفنان أحمد ربشة وله عدة أغنيات سودانية وهي كالتالي:

1. وتسألين يا حبيبتي

2. يا فرايحي اللون

3. دمعة الشوق

4. ما بيني بينك

5. شذى زهر

6. شاقي روحك ليه

7. إله فني

وكذالك الفنان أحمد ناجي سعد والذي تغنى بأغنية هاشم ميرغني السودانية (حــــــــــــان الــــــزفـــــاف) وهي كالتالي:

حــان الـزفـاف وأنــا حـالـي كـيـفن بوصفو

يـا ريـت هـواك لـي مـا انـقسم ولا قلبي ريدك نذفو

قــالـوا الـبـعـيش الـدنـيـا يــامـا تـشـوفـو

تـشقيهو بـي فـرقة عـزيز وبـالحسره ريـقو تنشفو

وإن شـاء الله مـا يـحصل فـراق لـقلوب بـعد ءاتولفو

بـس قـولي لـي أنـساك كـيف وأنـا قلبي ريدك محنو

أبـحر سـنين فـي كـون هـواك والـليله فـاقد مأمنو

وأنـا مـن زمـان عـارف الـبيكون وقـليبى كنت بيقنو

والـليله يـوم حـان الـزفاف أنـا حـالي مـين ما حننو

ولـو ده الـحصاد مـن كل ريد ناس قيس صحيح اتجننو

جـوني الـصحاب وأنـا قالوا لي شافوها في توب الزفاف

شـافوا الـدموع واتحسروا والشوق غمام في عيونها طاف

ومـــش عـــاد حـــرام ســاكـن الـضـفاف

يــنــشـره فــــي عــمــرو الــجـفـاف

طول عمري بزرع في الورود وحصادي شوك آخر المطاف

وفي الجانب الآخر يوجد فنان سوداني تغنى بأغنيات صومالية وهو الفنان الكبير سيد خليفة رحمه الله، وله أغنيات عدة باللغة الصومالية وهي كالآتي:

1.Amal أغنية “أمل”اسم إمرأة

2. Cabdow أغنية “يا عبدو”

3. Hayna kala walwaalin أغنية “لاتلعب بعلاقتنا”

4. Horumar أغنية “التطور”

5. waa geedi caan ah أغنية “التنقل الشهير”

6. Waxbarasho أغنية”التعليم”[5]

وقد زارت فرقة وابري الخرطوم عام 1984 بقيادة أحمد ناجي سعد وكان رئيس الوفد محمد ديرشى (Diirshe)، وأسماء الفنانين الذين زاروا السودان هي كالآتي:

حليمة مغول، فاطمة عبدالله مانطيق، خديجة محمود قلنجو، فاطمة قاسم، فينوس شيخ طاهر، حسن آدم سمنتر، أحمد ناجي سعد،

وقد شارك الفنانون في برنامج (دنيا دبنقا) عام 1984 الذي كان يبثه التلفزيون السوداني بانتظام، وقد كان هذا البرنامج مثالاً حياً للصداقة الصومالية السودانية، وبعد انتهاء البرنامج والذى استمر عدة أيام قال أحمد ناجى سعد (شرفني الأخ العزيز رئيس الوفد الصومالي محمد ديرشى أن أقدم هذه الهدية باسمه واسم أعضاء الوفد الصومالي والحقيقة الواقعة أن هذه تقدم عادة أو يقدمها عادة رئيس البنك الصومالي فيسعدني أن أقدمها إلى الأخ العزير الأستاذ محمد سلمان-مقدم برنامج دنيا دبنقا السوداني-)وبعدها سلَم أحمد ناجي الهدية إلى محمد سلمان ثم قال مقدم البرنامج كلاماً جميلا يعبر عن متانة العلاقة بين البلدين (هذه الهدية باسم جميع مشاهدي برنامج دنيا دبنقا وباسم جميع أفراد أسرة التلفزيون وأحيي الصداقة الصومالية السودانية وأتمنى أن تدوم وأشكر الفرقة-وابرى-على هذا العرض الجميل الذي قدمته لنا في هذه الليلة، كما أتوجه بالشكر لكل الإخوة الذين ساعدوا في اخراج هذه الليلة وأتمنى أن نلتقي مرة ثانية وعاشت الصداقة الصومالية السودانية، وعاش الرئيسان-سياد برى وجعفر محمد النميرى- وبهذا سيداتي سادتي ستنتهي هذه الحلقة من برنامج دنيادبنقا)[6]…. وللحديث بقية.

---------------- هوامش -----------------------
  1. أوراق بحوث المؤتمر العالمي الثاني من معهد بحوث ودراسات العالم الإسلامي-جامعة أم درمان الإسلامية المنعقد في16/7/2008 بفندق القراند هوليدي فيلا بعنوان(الشباب الأفريقي المسلم وقضايا القارة)،الخرطوم ص 4 []
  2. ويكيبيديا والموسوعة الحرة []
  3. إمام علي الشيخ، الفن والجمال من منظور إسلامي،من مطبوعات منظمة نمارق للآداب والفنون،ط1،الخرطوم1988ص29-30 []
  4. الطريق إلى الدولة الصومالية،كتاب الشاهد يصدره مركزالشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية،العدد الثاني،الدار العربية للعلوم ناشرون،ص148 []
  5. heesta.com []
  6. مقاطع من برنامج دنيا دبنقا الذي بثها التلفزيون السوداني عام 1984 في يوتيوب []

3 تعليقات

  1. يالها من كلمات تدق القلوب وتبث التحميدات بثا ، علما بأن الأستاذ موسى أحمد عيسى خبير متخصص بالعلاقات الصومالية السودانية وأستاذ قانوني بارع حصل شهادة الماحستير بجامعة الإفريقيا العالمة وله مؤلفات لاحصر لها منها القضاء الصومالي في ظل إنهيار الحكومة المركزية ، وكتاب عن القرصنة في الصومال ، وله مقالات عدة في كثير من المجلات والمواقع الإلكترونية .

  2. يا له من مقال رائع
    ومما التف تظرى
    المثل الصومالي الشهير” ma anaa suudaanta keenay” وكم مرة رأيت وهو يضرب مثلا
    i say to prof. musse keep it bro

  3. يا أستاذ موسى!
    حبذا لو اشتغلت فيما يعيد عليك النفع فى هذا الشهر الفاضل بدل الحديث عن فن وأغانى السودان والصومال.

%d مدونون معجبون بهذه: