أهل الصومال وكتابة اللغة العربية حديث ذو شقين [٧] (الحلقة الأخيرة)

جهود أهل الصومال في إثراء اللغة العربية وعلومها

وعلى الرغم من أن اللغة العربية في الصومال لم ترق إلى المستوى التي وصلت إليه في الأقطار العربية الأخرى إلا أن الدراسات العربية التي كانت تعقد في المساجد والمراكز العلمية لا تقل أهمية عن مثيلاتها في المنطقة العربية، لأن المصادر والكتب اللغوية المستعملة في الصومال لم تكن تختلف عن الكتب والمذاكرة التي كانت تمارس في البلدان العربية الأخرى لاسيما تلك التي تدرس في الحجاز واليمن ومصر، كما أن المعلمين كانوا دعاة نزحوا من المنطقة العربية أو معلمين وطنيين تتلمذوا على أيدي هؤلاء العرب في داخل البلاد أو خارجها. وهذه الكتب كانت تختلف من مستوى إلى آخر، وشملت جميع المراحل التعليمية سواء في المستويات الابتدائية أو المتقدمة، وعلى سبيل المثال فإن علم النحو وفنونه المتعددة كان يدرس في الصومال مثل ألفية ابن مالك وشروحه، كشرح ابن عقيل على حاشية الخضري، وشرحه الآخر الأشموني على حاشية الصبان،ومن بين الكتب النحوية أيضاَ لاسيما الكتب المقتصرة متن الأجرومية وشروحه المختلفة، كشروح العشماوي والدحلاني وكتاب العمريطي، وكذا ملحة الأعراب وقطر الندى وشروحه المختلفة كشرح العشماوي والدحلاني، أما فيما يتعلق بعلم الصرف فكان كتاب لامية الأفعال لابن مالك في صدارة المصادر التي تدرس إضافة إلى شروحه مثل : البحر الكبير والصغير. وفي علم العروض فهناك كتاب الخزرجية لأبي محمد ضياء الدين عبد الله بن محمد الخزرجي الأندلسي، وخير شاهد على ما ذكرناه النسخ الخطية التي كانت تعج بها المكتبات العامة والخاصة عبر العصور الإسلامية الزاهية.

وفي العصور المتأخرة ساهم علماء الصومال في الإبداع والإنتاج في الدراسات اللغوية سواء في فنون النحو والصرف والعروض، حيث وضعوا كتباًَ مختصرة تناولت تلك المجالات، ولعل ذلك ناتج عن حاجة الحلقات والمدارس في الصومال، لأن واضعي هذه الكتب كانوا معلمين مشهورين في حقل التعليم والتدريس، ومن ذلك كتاب:
• “الجوهرة السامية في علمي العروض القافية ” للعلامة الشيخ أبي عبد الله عبد الرحمن ابن الشيخ عبد الله الملقب بحاجي صوفي الشاشي المقدشي ، وهو منظومة تتناول علم الصرف، علماً أن الشيخ أحمد بن عثمان محمد الشاشي المقدشي قام بشرح هذا الكتاب ووضع كتاباً سماه : “كشف المعاني الخافية شرح الجوهرة السامية”
• “فتح اللطيف شرح حديقة التصريف ” للشيخ عبد الرحمن الزيلعي ، وهو شرح لكتاب
• ” حديقة التصريف في علم الصرف ” علماً أن الكتاب الأخير – أي حديقة التصريف – نفسه قد وضعه الشيخ عبد الرحمن الزيلعي كأرجوزة في علم الصرف، وهذه الأرجوزة مشهورة في بلاد الصومال ومحفوظة لدى طلاب العلم ومتداولة بين أهل العلم.

ومن تلك الكتب أيضاَ كتاب “نثر الجواهر في قاعدة الصرف الفاخر” للشيخ عبد الرحمن بن الشيخ عمر الأبغالي العليّ الورشيخي، وكتابه هذا قد تناول علم الصرف وقاعدته ليكون شرحاَ للامية الأفعال الصرفية التي ألفها الإمام محمد بن مالك الطائي – رضي الله عنه – ليسهل طلاب العلم والراغبين في هذا الفن، وكأن أصل هذا الكتاب كان شرحاً للامية الأفعال باللغة الصومالية للشيخ آدم بن محمود الصومالي، ثم قام الشيخ عبد الرحمن بن عمر بشرحه ليحول هذا الشرح المعروف في القطر الصومالي بالقاعدة الشيدلية ولكن إلى اللغة العربية وسماها ب(نثر الجواهر في قاعدة الصرف الفاخر).

وهذا فيما يخص بالدراسات النحوية والصرفية في الصومال ؛ أما فيما يتعلق بالأدب العربي وضروبه المختلفة من نثر ونظم فكان له وجود ملموس في الصومال وإن كان حظه أقل من النحو والصرف، إذ أن أغلب الزوايا والأروقة العلمية لم تخل من الدراسات النحوية، بل وكان علمي النحو والصرف في نظر أهل العلم يفي الصومال – كغيره من البلدان الإسلامية الأخرى – مدخلا لجميع العلوم الدينية. أما الدراسات الأدبية فعلى الرغم من حضورها وتناولها إلا أنها لم تصل إلى مستوى مجال الدراسات اللغوية الأخرى. وكان يدرس الأدب العربي – نثره ونظمه – ويعتبر كتب المقامات في مقدمة مصادر النثر، كما كان يدرس علم المعاني والبيان، وكذا علم المنطق والبلاغة، ومن بين كتب البلاغة : كتاب تلخيص المفتاح، وكتاب الجوهر المكنون… ، أما علم المنطق فكتاب السلم كان من ضمن المقرارات التي اشتهرت في الحلقات العلمية في بلاد الصومال.

من خلال تتبع الإنتاج الأدبي يتبين أن الشعر العربي في الصومال يتمتع بنصيب أوفر من حيث الإنتاج والإبداع، وإن قطاعاً كبيراً من شريحة المتعلمين كانوا يستوعبون علم العروض ومن بين الكتب العروضية التي كانت تدرس كتاب الخزرجية لابن محمد ضياء الدين عبد الله بن محمد الخزرجي الأندلسي.

وكان لأهل العلم في الصومال إسهامات في وضع قواعد هذا الفن ، كما فعل ذلك العلامة أبو عبد الله الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ عبد الله الشاشي المقدشي المعروف بشيخ صوفي – كما ذكرنا سابقاً – حيث وضع كتاباً سماه : ” الجوهرة السامية في علمي العروض والخافية.

وقد استطاع الصوماليون وضع أشعار ونظم قصائد بسبب إلمامهم بهذا الفن وملكتهم الشعرية، بحيث كانوا يطربون للشعر العربي، ويستمتعون بموسيقاه، وتناولوا جميع البحور والأوزان الشعرية، وتفاعيله… وعلى الرغم من أن هؤلاء الشعراء – بمختلف عصورهم وميولهم – تناولوا في أغلب أغراض الشعر إلا أن المدح كان السمة البارزة للشعر، لاسيما مدح النبي – صلى الله عليه وسلم – وآل بيته والصالحين، وكان للطرق الصوفية النصيب الأوفر والمجال الواسع في هذا المجال، بل ولم يكن إنتاجهم أقل وفرة ودقّة لغوية عن الشعراء الآخرين، ولا ننسى في هذا الميدان الأناشيد الوطنية والأشعار الحماسية التي ازدهرت مع الحركات الوطنية والتي كانت تنادي بالتحرر وتحرض على الاستقلال أيام الاستعمار في القرنين الماضيين.

و في الختام ومن خلال جولتنا عبر تلك الحلقات التي سردنا يتجلى للقارئ شيئان : أولهما : أن بلاد الصومال لم يحصل لأهلها حتى الآن التعريب في اللغة. وثانيها: أن اللغة العربية كانت فقط منشورة في أوساط أهل العلم والمثقفين عبر العصور الماضية إلى يومنا هذا.

3 تعليقات

  1. أقول للدكتور حسين واصل الدرب والله يزد لك كم نحتاج الى رجال يذكر علماء الصومال بمختلف مناطقهم وأقول الامة الصومالية أمة لها تاريخ ولكن مع الاسف لسيت لها كتاب

  2. محمد حسين معلم علي

    الأخ محمد إبراهيم سلمك الله
    السلام عليكم ورحمة الله
    كم أنا مسرور يا أبا مسرور حين قرأت تعليقكم الكريم ، وفهمت أن الله قد فكّ أسركم وأنتم الآن في الحرية والعيش الكريم في طيبة الطيبة ، وأرجو أن أسمع اكثر من ذلك عبر البريد الألكتروني
    deeq173@hotmail.com

  3. السلام عليكم ورحمة الله
    تحياتي للأستاد محمد معلم ربي يوفقك ويكون في عونك وأسأل الله أن يجمعنا على خير
    محمد إبراهيم (أبو مسرور الصومالي)

%d مدونون معجبون بهذه: