أهل الصومال وكتابة اللغة العربية حديث ذو شقين (6)

والحق أنه مما سبق ذكره لدليل واضح على رقي الدراسات اللغوية في الصومال وتطورها في الساحات الثقافية والعلمية، حتى أن طلبة العلم الذين رحلوا إلى الديار العربية الأخرى بهدف نيل العلوم الإسلامية والتفقه في الدين لم يصاحبهم ما يعترض رحلتهم العلمية في النواحي اللغوية، بحيث كانوا قد أتقنوا الدراسات اللغوية قبل رحيلهم إلى تلك الديار والشروع في طلب العلم، إذ أنهم لم يرق لهم ذلك بدون إلمام مسبق باللغة، وأن أهل العلم وطلابه في الصومال كانوا يرون أن تعلم النحو والصرف وسيلة لفهم علوم الشريعة والدين، وليس غاية لذاتها، وكانوا يلتمسون باستمرار المزيد من المعرفة والتعمق في العلم، حتى كانت الرحلة إلى الخارج.

ومن هؤلاء الشيخ أبوإسحاق إبراهيم بن عثمان بن أدم المعروف بالجبرتي – نسبة إلى جبرت صقع من بلاد الحبشة – وقد أخذ العلم عن حلقات الشيخ أبي الخير وغيره في اليمن لاسيما منطقة زبيد، ولشدة تعلقه بأحد مساجدها أطلق – أي المسجد – بمسجد الجبرتي[1].

ومن الذين رحلوا لطلب العلم وواظبوا على هُجر العلم ومعاقله في اليمن أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي الجداي – نسبة إلى صقع من الحبشة يقال له جداية[2] المشهور بالزيلعي، وقد تتلمذ على ألمع العلماء في اليمن أمثال العلامة المقرئ عبيد بن محمد، وقد أخذ عنه واستفاد علوماً كثيرةً كعلم القراءات وعلم اللغة وخاصة النحو،كما استفاد من حلقة الشيخ أبي زاكي بحزز، والشيخ الغيني بوصاب، وبعد أن تكونت لديه حصيلة علمية وجمع علوماً كثيرةً، التف حوله خلق كثير بحيث أخذوا منه، وقد توفي سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة الهجرية[3] .

ولاشك أن عودة هذه الرحلات العلمية الوطنية وغيرها إلى البلاد من العوامل التي طورت الحياة الثقافية في الصومال وخاصة اللغة العربية، حيث كان هؤلاء يعقدون الحلقات العلمية المنتظمة في مختلف المراكز والأروقة العلمية لأداء الرسالة التي حمّلوها خلال رحلتهم العلمية في الخارج لاسيما أن أغلب هؤلاء كانوا من طلاب الشريعة وما يتعلق بالدين، امتثالاً لقوله تعالى : {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون }[4] . وبُعيدَ عودة هؤلاء الذين نهلوا العلم من مناهله الأصلية في العالم الإسلامي ورجوعهم إلى موطنهم الأصلي سرعان ما شرعوا في تأدية وظيفتهم الأساسية في نشر نور المعرفة وخاصة التعليم الديني في كافة أرجاء البلاد، كما أسس هؤلاء العائدون مراكز إشعاع العلم الإسلامي وترسيخ أركانه حتى كثرت الحلقات العلمية أسوة لما عاينوه في مواطن دراستهم وعلى نحو ما عاهدوه في مراكز العلم وأروقته في الخارج، فامتلأت المساجد والمراكز العلمية بحيث انتظم فيها الرواد وأصبحت معاهدها عامرةً بهم[5].

وهناك عامل آخر كان له دور كبير في إثراء اللغة العربية ونشرها، وهو كثرة الحلقات العلمية التي كان يقدمها علماء محليون أجلاء رغم أن هذه الحلقات والدروس التي كان يلقي من خلالها كانت تتسم بطابع ديني يغلب عليه السمة الدينية البحتة من القرآن وعلومه والحديث وعلومه والفقه وأصوله، ومع هذا كله كانت لعلوم اللغة العربية وآدابها حظ عظيم، بحيث لم تخل هذه الحلقات من تدريس العربية كما كانت حلقة الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الصمد الجهوي في مقديشو، وكانت حلقات هذا العالم من أشهر الحلقات العلمية في القطر الصومالي بحيث أنها كانت تضم مختلف العلوم والمعرفة من التفسير والحديث والفقه والتصوف، بالإضافة إلى علوم العربية بما فيها علوم المعاني والبيان والمنطق … ومن هنا فقد استحقت هذه الحلقة أن يشدّ إليها الرّحال ويقطع من أجلها مسافات طويلة، كما فعل ذلك العلامة اليمني محمد بن علوي بن أحمد بن الأستاد الأعظم الفقيه المقدم، حيث أتى من بلدته تريم حتى وصل إلى مقديشو، قاصداً إلى مجلس الشيخ جمال الدين محمد بن علوي ثم عاد إلى اليمن بعد أن تلقى علوماً كثيرة في مقديشو لاسيما حلقة شيخه جمال الدين الجهوي، بحيث كان يقرأ عليه المهذب في سنة والتنبيه والوسيط والوجيز في سنة إضافة إلى ما ذكرناه، وقد توفي في تريم في يوم الأربعاء في ذي الحجة سنة سبع وستين وسبعمائة[6].

ومن العوامل التي ساعدت في بلورة اللغة العربية وتطويرها أيضاً تدفق علماء أكفاء جاءوا من المناطق العربية المختلفة، على الصومال وأثروا في النواحي الثقافية والعلمية من خلال حلقاتهم العلمية وجولاتهم التي كانوا يطوفون في طول البلاد وعرضها لنشر العلوم، ومما يقوي هذا الدور أن هؤلاء الجهابذة كانوا بارعين بفنونها المختلفة متمكنين باللغة العربية وعلومها المختلفة كالشيخ محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن حسن وجيه المصري المعروف بابن سويد باحمد أباد، لاسيما أنه تلقى العلوم العربية من نحو وغيره، وقد حفظ ألفية ابن مالك، كما حفظ كتابي ابن الحاجب الفرعي و الأصلي وغيرها، إضافة إلى أنه تلقى أغلب العلوم الإسلامية على أيدي علماء متعددة، ومنهم الحافظ شمس الدين السخاوي، ومن بين ما أخذ عنه أنه سمع عليه شرحه للألفية وغير ذلك، ولاشك أن وجود هذه الشخصية الفذة في الصومال ساعدت على نمو الحركة الفكرية والعلمية في المنطقة لاسيما أنه خلال وجوده في مدينة زيلع قام بالتدريس ونشر العلم حسب ما صرح به العيدروس بأنه “درّس وحدّث” وعلى الرغم من أن العلامة وجيه المصري كان موسوعياً إلا أنه كان بارعاً ومتقناً للغة العربية ومتخصصاً فيها، ولا يمكن أن تخلو منها دروسه وحلقاته التي كان يعقدها خلال وجوده في الصومال قبل رحيله إلى بلاد الهند ….[7]

ومن هؤلاء العلماء الوافدين على القطر الصومالي البارعين باللغة العربية، أحد الأعلام اليمنيين وهو الشيخ أبو بكر بن عبد الله العيدروس باعلوي حيث قدم على زيلع بعد موسم الحج عام 914هـ، وقد تتلمذ على أيدي علماء كبار في بلدة اليمن وفي الحجاز أمثال العلامة يحيى بافضل، والحافظ السخاوي، ومن خلال مصاحبتهم استفاد من مجالسهم علماً غزيراً، إضافة إلى أنه كانت له قراءات كثيرة لا تنحصر، وإجازات متنوعة،ثم بعد ذلك عقد حلقات علمية وأفاد طلابه في اليمن والحجاز والصومال، وقد استفاد منه عدد غير قليل، ومن الطبيعي أن تعلو شهرة هذه الشخصية عند معاصريه من أهل العلم حتى ترجم غير واحد عن حياته ونشاطه العلمي، مثل كتاب: “مواهب القدوس في مناقب ابن العيدروس” للشيخ جمال الدين محمد بن عمر بحرق الحضرمي؛ والشيخ أبو بكر بن عبد الله العيدروس ألف عدة مؤلفات مثل: الجزء اللطيف في علم التحكيم الشريف؛ وكان له ديون شعر، مما يدل على نبوغه في أثناء وجوده في الصومال من خلال حلقاته وتدريسه[8].

ومنهم أيضاَ أبو الربيع سليمان بن موسى بن سليمان الأشعري صاحب المصنفات العديدة، وكان عارفاَ بالعلوم الشرعية، كما كان متقناً للغة والأدب، ومن بين مؤلفاته : شرح مقصورة الخمر طاشية، وهو شرح جيد سماه الرياض الأدبية، وفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة وصل إلى المنطقة قادماً من اليمن وكان له أثر كبير في الحياة الثقافية في البلاد، وقد حزنت الأمة بوفاته وخاصة عند أهل العلم[9].

وهناك عامل آخر لا يقل أهمية عن العوامل السابقة، وهو العامل الديني، لأن اللغة العربية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالدين الإسلامي وتعاليمه المختلفة من القرآن والأحاديث والفقه وغير ذلك، ويستحيل لأي أحد أن يتعمق في الدين وثقافته وموروثاته دون التفقه في العربية، ومن هنا فقد احتلت اللغة العربية عند المجتمع الصومالي وخاصة – طبقة المثقفة – مكانة عالية، وحرصوا على تعلمها وإتقانها أشد الحرص. ويضاف إلى ذلك بعض الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي كانت تحث على تعلم العربية، ومن ذلك قوله تعالى : {قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون ][10]. وقد أكد النبي – صلى الله عليهم وسلم – أهمية اللغة العربية وتعلمها حيث قال مغرياً على تعلمها : ” لغتكم وعَاء دينكم فاحفظوها “. كما حرض الرسول – صلى الله عليهم وسلم – على تعلم القرآن الكريم، ولهذا لا يمكن أن يتعلم المسلم القرآن بدون فهم العربية، وقال الرسول: “تعلموا القرآن وسلوا الله به الجنة قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا”[11]. ومن هنا فلا غرابة أن يتسابق أهل العلم والفكر في إجادة العربية وتفقه في فنونها وأساليبها وآدابها.

ملاحظة:
في الحلقة السابعة القادمة سوف نختتم هذه السلسلة “جهود أهل الصومال في إثراء اللغة العربية وعلومها” قبل عطلة صيفنا هذا.

---------------- هوامش -----------------------
  1. الجندي، أبو عبد الله بهاء الدين محمد بن يوسف: السلوك في طبقات العلماء والملوك، تحقيق محمد بن علي الأكوع، صنعاء، وزارة الإعلام والثقافة،ط/1، 1983م،  2/36 []
  2. جداية : بخفض الجيم ثم دال مهملة ثم ألف وفتح الباء المثناه من تحت ثم هاء. []
  3. وانظر الجندي : السلوك، مصدر سابق 1/393 []
  4. سورة التوبة ، الآية 122 []
  5. جامع عمر عيسى : تاريخ الصومال في العصور الوسطى والحديثة، مرجع سابق ص 38 – 39 ؛ وانظر زين العابدين بن السراج : الحياة الثقافية بالصومال ،مرجع سابق ص 325 []
  6. باعلوي، محمد بن أبي بكر الشلي : المشرع الروي في مناقب السادة الكرام آل أبي علوي، صنعاء، بدون تاريخ، ص 190 []
  7. العيدروس ، شمس الشموس محي الدين عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروس : تاريخ النور السافر، تحقيق محمد رشيد الصفار ، بغداد ، 1934م ، ص 102 – 103. []
  8. العيدروس : المصدر نفسه ص 81 – 89 ؛ وانظر حياة هذا العلم مفصلة في كتاب” الثقافة العربية في الصومال” ص 118 – 121. []
  9. الخزرجي : العقود اللؤلؤية ، مصدر سابق 1/111 – 112 []
  10. سورة الزمر الآية 28 []
  11. محمد ناصر الدين الألباني : سلسلة الأحاديث الصحيحة ، المكتب الإسلامي ، دمشق – سوريا؛ وانظر زين الدين بن السراج : مرجع سابق ص 362 []
%d مدونون معجبون بهذه: