أهل الصومال وكتابة اللغة العربية – حديث ذو شقين (5)

بين اللغة العربية والعلوم الشريعة:

لم تكن اللغة العربية أقل مستوى من العلوم الشرعية البحتة من حيث النجاح والانتشار، وإن لم تصل إلى المستوى التي انتشرت به العلوم الدينية، وكان أهل الصومال وغيرهم من سكان منطقة القرن الإفريقي يعتبرون العربية مساعداً للتعليم الديني، بل كانوا يرون من المستحيل النجاح في التعليم الديني بدونها، ومن هنا كانوا يسمونها علم الآلة، وكأنها الآلة التي تصلهم إلى غرضهم ومآربهم وهو التعلم والإتقان للدين الإسلامي وتعاليمه السمحة.

ومن هنا كان نجاح العربية مرتبطاً بنجاح التعليم الديني، وهذا من العوامل والدوافع التي ساعدت على انتشار اللغة العربية في المنطقة وخاصة في أوساط المتعلمين وطلاب العلم حتى كان نصيبها وافراً جزيلاً، وتركت أثراً قوياً في جميع الساحل الصومالي والشرق أفريقي، كما أن العربية توغلت واختلطت بلهجات قبائل الساحل الإفريقية عشرات القرون من زيلع إلى زنجبار، بل وأن بعض المدن الساحلية كانت أبرز من غيرها مثل مقديشو وزيلع وبراوة ولامو وكلوة، وأن بعضها مثل برواة صارت كجزيرة عربية وكعبة للمعرفة، يأتي إليها طلاب العلم من الأماكن النائية لشهرة علمائها وأدبائها الذين استطاعوا تنشيط حركة التعريب في براوة أكثر من غيرها[1].

واللغة العربية وإن لم تحل محل اللغات الإفريقية في الساحل الشرقي الإفريقي رغم تقدمها من غيرها في المنطقة إلا أنها حازت نصيباً كبيراً ويتناولها شريحة كبيرة من تلك المجتمعات حتى أصبحت اللغة الوحيدة التي تعاملها التجار والساسة عندما كانوا يحتاجون التدوين والمراسلات وإبرام العقود والاتفاقيات فيما بينهم أو بين غيرهم من الأمم الأخرى، وهذا بفضل التواجد العربي القديم، إذ الشعوب العربية يعتبر أهم الشعوب التي اتصلت ساحل شرقي إفريقية منذ القدم، وأبقاها أثراً في تلك البقعة من القارة الإفريقية[2].

ورغم تحدث أهل البلاد بلغاتهم المحلية إلا أن معظمهم كانوا يجيدون إلى جانب ذلك اللغة العربية لاسيما الساسة والمثقفون، كما لاحظ ذلك الرحالة العربي ابن بطوطة عند زيارته إلى الصومال ونزوله على مقديشو قائلاً : “وسلطان مقديشو… يقولون له الشيخ واسمه أبو بكر بن الشيخ عمر وهو في أصله من البربرة، وكلامه بالمقدشي ويعرف اللسان العربي..”[3].

وهذا في جنوب الصومال، أما في المناطق الشمالية وخاصة في سلطنة إفات من ممالك الطراز الإسلامي السبعة فقد أشار العمري في كتابه “مسالك الأبصار وممالك الأمصار” بان أهلها كانوا يتكلمون باللغة العربية إلى حديثهم بلغاتهم المحلية[4].

والحقيقة أن أهل الصومال – وخاصة العلماء – أعطوا اهتماماً كبيراً باللغة العربية، وبذلوا جهوداً لفهمها وانتشارها، اعتقاداً منهم أن اللغة العربية تسهل فهم الدين والشريعة الإسلامية، وأن قراءة القرآن الكريم وفهم معانيه لا يتمكن منها سوى من يتقنها، وعلى الرغم من أن هؤلاء العلماء أعطوا جلّ اهتمامهم لنشر الإسلام وتعاليمه إلا أن العربية أيضاَ كانت لها دور كبير في نشاط تعليمهم ورسائلهم واتبعوا طرقاً مختلفة ووسائل متباينة حسب المنهج المناسب الذي يراه العالم، ومن بين هؤلاء العلامة الشيخ يوسف الكونين الذي اتبع طريقة خاصة لتعليم العربية ابتداء بالأطفال حيث بذل جلّ جهده في تعليم القراءة والتهجئة ونطق التشكيل العربي، وهذه الطريقة والأسلوب التلقيني قد أخذ نجاحاً باهراً وعمّ أرجاء المنطقة، حتى لم يكن طفل يبدأ القراءة والكتابة إلا من خلال هذه الطريقة التي هي عبارة عن ترجمة تهجئة الحروف المعروفة عند علماء التربية “الطريقة الهجائية أو الحرفية”. وعلى الرغم من أن هذه الطريقة والأسلوب الذي ابتكره الشيخ يوسف الكونين من أنجح الطرق وأوسعها انتشاراً في منطقة القرن الإفريقي إلا أن هناك أيضاَ طرقاً وأساليب لتعليم العربية اتبعها العلماء لاسيما بعد أن يستقيم الطفل وينجح في القراءة والكتابة،حيث كان الطلبة يلتحقون بالمدارس وينضمون إلى الحلقات والزوايا المخصوصة باللغة العربية وفنونها المتعددة.

وكان علوم اللغة العربية بمختلف أقسامها من نحو وصرف وبلاغة وعروض ومنطق وغير ذلك كان منتشراً في الصومال بمستويات مختلفة وإن كان النحو والصرف على صدارة الأمر، وكان أهل الصومال يرون هذه العلوم بمثابة علوم مساعدة لفهم الدين من القرآن والحديث والفقه المستنبط من الشريعة، واستطاع بعض أهل العلم – الذين أعطوا جلّ اهتمامهم بدراسة علم النحو وبذلوا جهوداً جبارة في سبيل معرفة هذا الفن وفروعه وأصوله وقياسه وشواذه ومذاهبه المختلفة – النيل بقسط وافر منه وإتقانه حتى برعوا وتخصصوا إلى حدّ كبير يضاهي أقرانهم في المنطقة وغيرها في منابع العلم. ومما يبين مستوى اللغة العربية في ميادين العلم وأروقته في الصومال أن العلماء ورجال الثقافة الذين هاجروا إلى الأقطار العربية الأخرى والمراكز العلمية لم يكونوا أقل من أقرانهم في هذه الأقطار في الإبداع والإنتاج والمشاركة في أحيان كثيرة، بل إن بعضهم فاقوا معاصريهم وصاروا شيوخاً لهم، ولم ينقل المؤرخون أي مشكلة لغوية اعترضت هؤلاء الذين سجلوا حضوراً كبيراً في المحافل العلمية والمراكز الثقافية في خارج البلاد، مما يدل على مستوى اللغة العربية وتطورها بحيث كانت قوية في المنطقة. ومن هؤلاء العلماء الحافظ أبو عمر فخر الدين بن عثمان الزيلعي[5] الفقيه الأصولي وقد هاجر إلى القاهرة حيث وصل إليها سنة سبعمائة وخمس الهجرية، وفور استقراره في مصر اشتغل بالتدريس، واشتهر نبوغه في الفقه وأصوله.[6]

ومما يوضح إلمامه باللغة العربية أنه وضع عدة كتب باللغة العربية رغم أن جلّ هذه الكتب تناولت الفقه والأحكام المستنبطة من الكتاب والسنة، وأهم هذه الكتب:

“تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق” وكتاب “شرح الجامع الكبير” للشيخ محمد الشيباني، وكتاب “شرح المختار” للعلامة الموصلي. والكتاب الأول يعدّ من أهم المصادر الفقهية الذي لا يستغني عنه أحد لاسيما الفقهاء الأحناف بل وقد “ظل تراثاً خالداً ينير الطريق، يشير إليه العلماء ويأخذون منه فقههم … ”[7].

ومن هؤلاء أيضاَ الحافظ أبو محمد جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي صاحب كتاب “تخريج الهداية” في تخريج الرافعي[8].

ومن العلماء المقدشيين الذين لمعت أسماؤهم في الساحات العلمية والمعرفية أبو عليّ الحسن بن عيسى بن مفلح العامريّ المقدشي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد، شمس الدين المقدشي، والعلامة الفقيه عليّ بن محمد بن نور الدين بن عيسى المقدشي، الأول كان ممن حدّث عنه الحافظ الذهبي، والثاني حدّث عنه الحافظ بن حجر العسقلاني[9]. أما العلامة الفقيه عليّ بن محمد بن نور الدين بن عيسى المقدشي اشتهر في اليمن وفاق على أقرانه، ووضع حاشية على المنهاج للإمام النووي وسماها : ( الأنيق على مسائل المنهاج الدقيق) وقد توفي عام 857هـ[10].

ومن العلماء الذين هاجروا من منطقة القرن الإفريقي واستقروا في اليمن، الفقيه الفاضل أحمد بن عبد الله الجبرتي الذي نزح من منطقة جبرت إحدى نواحي بلاد الصومال – كما ذكر ذلك المؤرخ اليمني الخزرجي[11].

---------------- هوامش -----------------------
  1. حمدي السيد سالم: الصومال قديما وحديثا، مرجع سابق 1/359 ؛ غيثان بن علي بن جريس : أثر العرب المسلمين على الحياة السياسية والثقافية في مقديشو خلال العصور الوسطى ص 56 مرجع سابق ؛ R.Reush: History of East Africa New York 1960،p.45 []
  2. غيثان بن علي بن جريس : العرب في مقديشو وأثرهم في الحياتين السياسية والثقافية في ظل الإسلام، مرجع سابق 1/259 []
  3. ابن بطوطة، أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي: رحلة ابن بطوطة المسماة “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، بتحقيق الشيخ محمد عبد المنعم العربي، دار إحياء العلوم، بيروت – لبنان،1/ 262 ؛ وانظر الشريف العيدروس العلوي النضيري : بغية الآمال في تاريخ الصومال، مطبعة الإدارة الوصية على صوماليا، مقديشو، الطبعة الأولى، سنة 1374هـ/1954م، ص 87. []
  4. المقريزي : إلمام بمن بأرض الحبشة من ملوك الإسلام، الطبعة المصرية 1908م، ص 7 ؛ وانظر الشيخ جامع عمر عيسى : تاريخ الصومال في العصور الوسطى والحديثة، مطبعة الإمام، القاهرة، سنة 1385ه/ 1965م، ص 16، 35 []
  5. انظر المزيد حول هذه الشخصية في المبحث الرابع من الفصل الثالث، وفي الفصل السادس من كتاب “الثقافة العربية في الصومال” لكاتب المقال. []
  6. السيوطي : حسن المحاضرة، القاهرة، ط/3، 1/470 ؛ عمر رضا كحالة : معجم المؤلفين 6/263 ؛ وانظر محمد الطيب اليوسف : إيثوبيا والعروبة والإسلام عبر التاريخ، المكتبة المكية، ط/1، 1416ه/1996م، 2/28 []
  7. زين العابدين بن الشراج : الحياة الثقافية بالصومال في العصور الوسطى، مرحع سابق ص 327 []
  8. ابن حجر العسقلاني : الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، دار الجيل، بيروت – لينان 2/310 []
  9. الزبيدي، السيد محمود الحسيني: تحفة العروس في شرح القاموس المحيط، مصدرسابق 17/391، مادة ( م ق د ش ). []
  10. انظر الشيخ أحمد ريراش: كشف السدول عن تاريخ الصومال وممالكهم السبعة، مقديشو، وكالة الدولة للطباعة، 1974م، ص 77 – 78 []
  11. الخزرجي، شهاب الدين اليمني : العقود الؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية، عني بتصحيحه محمد علي الأكوع الحوالي، مركز الدراسات والبحوث اليمنية بصنعاء 1983م، دار الآداب، بيروت – لبنان، 1/309 []
%d مدونون معجبون بهذه: