يحكي قصة شعبٍ شجاعٍ شجيِّ الروح

قد يكون مقالي هذا أكثر مقال استهلك إنجازه وقتًا، كيف لا وقد كان الكتاب هذا الذي أعمل على عرضه للقارئ العربي، يأسرني كلما أردت ان أراجع ملاحظة دونتها على حواشيه، أو حاولت إلقاء نظرة على مشهد استرجعته، وأردت ـ فقط ـ أن أتأكد من أنه حقًا مضحك، كما أعادت سرده علي ذاكرتي، ليعود بي إلى حالة قريبة من نشوة كتاب (البخلاء) للجاحظ، او في صور قريبة للقلب، من خفة الدم المصرية، أو النكتة الحمصية البالغة الدهاء، أو الأردنية اللاذعة كفلفل الغور، لكنها تصور شخصيات نعايشها، في حياة مجتمعنا ونحن نراهم كل يوم، أو نجسدها في خيالنا من خلال أناس مميزين حقًا، في لوازم كلامهم وتصرفاتهم، واختلاجات أعضائهم، من الأقرباء او الجيران.

نعم فحس الفكاهة لدى شعب شاعر[1]ومقاتل، غاية في الطرافة والكاريكاتيرية، بل مدهش حد الغرابة، خاصة وأنه شعبنا الذي رسم الآخر له صورة مختلفة ـ تمامًا ـ عما هو عليه.

غلاف كتاب ديوان الضحك

ديوان الضحك diiwaanka qosolka

كل من يعرف الصومالي وعاشره، يعلم أن أول ما يميزه ابتسامته، ونظرته الساخرة لأسوء الظروف، خاصة وأنه يميل للصراحة الشديدة، تلك الصراحة التي تتسبب بالتوتر احيانًا، حتى  لمن قد يضطر ان يكون منافسه أورئيسه في العمل.

ولا بد أن تلك الطرافة التي ينضح بها الصومالي، مهما تغيرت الظروف وتلونت الصروف، انعكست حتى التعامل مع المأساة والألم، متسربة ببساطة للمحكية العربية، ألم تسمعوا بقصة “النمر” الصومالي الذي تحول إلى “هر”، وربح بطولة العالم في مصارعة “الهررة” في أزمة منتصف التسعينيات!

نعم ففي  كتاب (ديوان الضحك /Diiwaanka Qosolka ) بطبعتيه[2]، لمؤلفه “جمال علي حسين”[3]هي كذلك روح الصومالي التي لا تكبلها الظروف أو الحدود أو المسافات، لتتجلى بهيئة كتاب غاية في الروعة، تحمل الكلمات في صفحاته مشاهد كاملة، بألوانها وشخوصها تؤرخ لمواقف فكاهية حية، تناقلتها الأجيال، لتكون صفحة جديدة في تراث شفوي مكتوب، ينضح بالحكمة والأخلاق، ويمطر من يتصفحه بوابل إثر وابل، من موجات الضحك والطرافة، كلما تقدم أكثر في فصوله.

فحين تسمع أحدهم في آخر المقهى، يصيح بانفعال كاريكاتيري مبالغ فيها “إيش قياسك؟!”، لابد أنك ستدرك أنك في مقهى صومالي، ولن تتأكد من ذلك سوى حين يضج المكان كله بالضحك، فكلٌّ يتذكر فيما يتذكر موقفًا من مواقف “أو[4] حسن شيخ عثمان نور” الذي دخل بمواقفه ومقالبه التاريخ، بقدر ما دخل التاريخ بحكمته التي حملتها كلماته الموزونة المقتضبة.

وما أن تبدأ رحلتك مع كتاب بتلك الروعة والبهرجة والروعة، حتى تجد نفسك في بستان حقيقي، يضج بألوان الفكاهة والضحك الذي يأخذك من حالة الابتسام الخفيف، حتى القهقة الدامع في لحظات يسيرة، فبين متصوفة البادية الظرفاء، ونهمهم الأسطوري للحم، الذي لأجله دأبوا يبتكرون الحيلة تلو الحيلة لافتكاكه من الرعاة ـ الحريصين ـ دون جدوى أحيانًا، ومقالب تضارب اللهجات بين أبناء الأقاليم، والمواقف الساخرة التي كانت تولد من الرفض للاستبداد، وردة الفعل الصادمة لمجنون في مستشفى “مدينة”، والذعر الذي تملكه من الرئيس/ الجنرال الذي جاء لتفقد المنشأة، معتبرًا المرافقة العسكرية الكبيرة، دليلًا على أن الوافد الجديد أشد الناس جنونًا، فهو ـ أي المجنون ـ لم يكن بمرافقة أحد غير شخصين فقط حين تم إيداعه للمصحة!، وحتى لاعب الكرة ذاك “الفصيح” من مقديشو، والذي أتقن المبالغة في وصفه التفصيلي والمعتبر، لكل حركة قام بها منذ تسلمه للكرة، وحتى لحظة تسجيله للهدف في مباراة ـ شديدة الروتينية ـ بين حارته وحارة مجاورة، فلا يبقى للقارئ سوى أن يدخل في رهان خاسر إن حاول أن يتمالك نفسه من الضحك.

نعم لقد خرج لنا الأستاذ جمال علي حسين، بتحفة من واقع العيش اليومي للصومالي، طافت بنا في أصقاع بلاد الصومال كافة، تحمل مع ما تحمل ألوان الحياة في الأرض الصومالية، وما أورثت أبناءها من مواهب وملكاتت، تجعل منطقيًا أن من منتهى الجدية ـ أحيانًا ـ اللجوءَ للضحك، لتسيير الأمور والوصول إلى الهدف المرجو.

جمال علي حسين

مؤلف كتاب ديوان الضحك

وهنا يتحدث الفنان الكوميدي الصومالي الشهير “عبدي هيبة ـ لامبد ـ”، عن الكتاب وكاتبه معبرًا عن سعادة غامرة بالجهد الذي أدى لصدور كتاب بذلك الوزن، يوثق للمرويات المضحكة في الحياة والتراث الصومالي، ذات المجال أحبه هذا الفنان الكوميدي، فخورًا بصداقته برجل اقتصادي ناجح وإداري كبير في أحد أكبر البنوك العاملة في أفريقيا والعالم، والذي ظل مخلصًا لحبه للترويح عن نفسه وكل من حوله، بما يرويه دون تكلف من نوادر، مهما ازدادت مسؤولياته وارتقى في مهامه، مسترجعًا ـ فناننا ـ ذكريات الزمالة في مدرسة “فارح أومار”، وما وثق صداقتهما من عشقهما للضحك ورواية القصص والنكات، في الطريق الطويل إلى البيت سيرًا على الأقدام، فرحًا أيما فرح بأن صديقه قد حافظ فعلًا على عهد الطفولة الضاحكة، في أعماق قلبه، وكان وفيًا لها، بكتاب فريد من نوعه.

أما الشاعر الصومالي الأول “محمد إبراهيم ورسمة ـ هدراوي ـ “، فيؤكد اهمية الكتاب وضرورة ترجمته لتستمع به شعوب محرومة من حس الفكاهة ـ ذي النكهة الصومالية ـ، ويعرب عن أن الكاتب من اكثر المتهمين بذلك الجانب، ومن موهوبيه ومبدعيه.

ويشير رئيس جامعة هرجيسا الدكتور “حسين عبدالله بُلحن”،  فيؤكد على أهمية الضحك لتوزان الإنسان النفسي، ممتنًا للكاتب على ألقائه الضوء على أن حياة المجتمع الصومالي، لم تكن ـ كما أنها ليست ـ كلها حزنًا وضغائن  مريرة، كما يتصور البعض، ويثنّي معبرًا عن احتفائه بكتاب توثيقي كنا في أمس الحاجة إليه.

ويعرب الكاتب الصحفي ” محمد باشه حسن” أنه لا يعتبر المؤلف كوميديًا أو كاتبًا هزليًا، بقدر ما يعتبره راويًا ودارسًا وجامعًا لتراث “الضحك” لدى الصوماليين، فالسيد جمال علي حسين في نظر هذا الصحفي المخضرم، يقوم بدور أساسي ومهم في توثيق ذلك التراث والحفاظ عليه، والانتقال به لمرحلة جديدة ومتطورة، جامعًا في طيات الكتاب وقصصه القصيرة والمضحكة، وعيًا وحكمة تعبر عن نظرة شعبنا نحو السياسة والتقاليد والاقتصاد، وكل تعاملات الحياة وعلاقاتها التي تجمع رجالنا ونساءنا، صغيرنا وكبيرنا، أطفالنا وكهولنا، ليشكل الكاتب لنا صور رائعة من أنماط الحياة ومظاهرها وأسرارها، لتحملك ألوانها و نقوشها لحالة من الدهشة والانبهار، في لذة لا تخلو من حلاوة ومرراة، وابتهاجات واحزان.

ولا يسعني وانا اتوقف بين الفينة والأخرى، لأعيد قراءة مقطع مضحك من الكتاب، يشدني إليه شوقي لجرعة اخرى من نشوة الضحك الصافي، ان أعبر عن امتناني لكاتب كتابٍ، جمع كثيرًا مما كدنا ننسى أننا نمتلكه، ليكون ملجأً ومحطة راحة لنا، في خضم المشقة ودنى الاغتراب.

حقيقة لقد نجح هذا الكتاب في ملئ فراغ كبير، كنا نلمسه في مكتبة الثقافة الصومالية، ليس ذلك فحسب، بل يمكننا أن نعتبره تحفة استطاعت أن تتحدث بصدق، ودون تكلف عن قصة شعبنا، ذلك الشعب الشجاع شجي الروح، تمامًا كما هو، في صدق مريح بعيدٍ عن الزخرفة او التصنع، وإني مخلصًا أسأل العلي القدير، أن يجعلني من ينقله إلى اللغة العربية، ليعيش القارئ العربي تجربة كتلك التي عشتها مليئة ـ حقًا ـ بالنشوة والحكمة.



[1]  كما وصفهم ـ شأن كتاب وباحثين آخرين ـ المستكشف والباحث البريطاني ريتشارد بورتون في كتابه ” First Footsteps in Somalia ” الصادر في لندن سنة 1854.

[2]  صدرت الطبعة الأولى في إبريل 2009، وصدرت الطبعة الثانية المزيدة في أكتوبر 2011.

[3]  هو مصرفي وسياسي صومالي من أرض الصومال، مرشح لانتخابات الرئاسة القادمة في جمهورية أرض الصومال عن “الحزب الديمقراطي الشعبي المتحد/UDUB”، رجل تعليم وناشط في المجال الخيري.

[4]  “أو” تعني بالصومالية الشيخ ذي المعرفة الدينية.

3 تعليقات

  1. محمود محمد حسن

    أشكرك اختنا الغالية على الاهتمام، وسأعمل على أرسال بيانات التواصل مع الجهة الناشرة او من ينوب عنها، فنحن قد حصلنا على نسختنا في حفل تدشين أقيم في أبوظبي بحضور الكاتب نفسه، فأرجو ان يتسع صدرك وتمنحيني بعض الوقت.

  2. احببت طريقة سردك للكتاب ولكن كيف اجد هذا الكتاب واين يباع؟؟؟؟؟؟؟

    • محمود محمد حسن

      أشكرك اختنا الغالية على الاهتمام، وسأعمل على أرسال بيانات التواصل مع الجهة الناشرة او من ينوب عنها، فنحن قد حصلنا على نسختنا في حفل تدشين أقيم في أبوظبي بحضور الكاتب نفسه، فأرجو ان يتسع صدرك وتمنحيني بعض الوقت.

%d مدونون معجبون بهذه: