أهل الصومال وكتابة اللغة العربية – حديث ذو شقين [2]

قد أشرنا فيما سبق أقدمية اللغة العربية في بلا الصومال ومكانتها عند أهلها ولاسيما العلماء والمثقفين. ومن هنا ليس من الغرابة أن تشبثت الأمة بها عبر العصور التي تلت، ولذلك تقديرا لهذا الميراث والتاريخ العريق المتعلق بها ومكانتها المرموقة من خلال القادة والأحزاب السياسية الصومالية قبل استقلال البلاد – ونادوا إلى اختيارها لغة للبلاد حيث كانت تطرح هذه المطالب في برامجها السيايسية والانتخابية في المجالس المحلية، وعلى رأس هؤلاء الأحزاب، حزب وحدة الشباب الصومالي – أقوى الأحزاب- الذي كان قد أعلن في برامجه سنة 1956م أن من أهدافه أن تكون العربية هي اللغة الرسمية للدولة الصومالية المقبلة.[1]

وفي عهد حكومة ثورة 21 أكتوبر لم يتغير طموح الشعب الصومالي وانتماءه إلى اللغة العربية كهوية ثقافية ودينية، بل أصبحت العربية لغة الشعب الصومالي الثانية بنص الدستور الوطني آنذاك، وهذا الأمر معناه أن الوطن بات له لغتان رسميتان هما: الصومالية والعربية، بحيث نستنشف من ذلك محاولة جادة لتشجيع الجهود التي كانت تبذل حينئذ في سبيل تنمية المجتمع الصومالي في إطار ثقافته العربية وتراثه الوطني للوصول إلى أن تصبح العربية أذات للتعامل في الحياة اليومية.

والحق أن الحكومة كان ذلك لزاما عليها ، لأنها قادت الأمة لانضمام البلاد إلى منظومة الجامعة العربية في 14 فبراير سنة 1974م بمحض إرادتها واقتناعها ، وبذلك فتحت هذه الخطوة الجريئة الأبواب أمام اللغة العربية وثقافتها في أرض هي بكل الاعتبارات الواقعية والرسمية وطن لها.

ونحن نعلم بأن المسئولين الصوماليين خاضوا معركة عظيمة في ذلك الزمن بحيث لم يكتفوا فقط بالطموح والأماني والنظريات فحسب، وإنما شرعوا في حينه خطوات واقعية تجعل الأمر أكثر وضوحا وأوفر معالجة لمتطلبات القضية ، حتى اتجهت جميع الجهود إلى وضع خطة زمنية تهدف إلى تحريك القوى المادية والعنوية نحو العمل في سبيل وصول إلى تحقيق ذلك المأرب والأهداف الوطنية والقومية المرجوة من تقوية اللغة العربية وتعزيز نشرها في البلاد، ومن ثم اتجهت برامج هذه الخطة في الوهلة الأولى إلى المعنيين سواء الهيئات والوزارات الرئيسية بحكم علمها وبصلتها المباشرة بذلك.[2]

وإنني شخصيا وقفت على عدد كبير من الرسائل والبحوث العلمية المكتوبة باللغة العربية التي أبدعتها أيادي صومالية مثقفة في أكثر من بلد، وأنّ هذه البحوث والجهود الثقافية والعلمية تناولت في مختلف دروب العلم والمعرفة، وإذا كنا قد اقتنينا تلك الرسائل والدراسات والبحوث الأكاديمية بغية إضافتها إلى بحث نزمع إنجازه إن يسره الله، ينبغي أيضا أن نشير إلى أن ذلك تحقق بعد فضل الله سبحانه وتعالى بجهود هؤلاء الباحثين الصوماليين الذين اعتنوا في مجال البحث والتنقيب رغم صعوبة ذلك ، بل وشدّ الرجال لأجله إلى آفاق بعيدة كلفت الكثير بعيداً عن ديارهم وذويهم.

ومن نافلة القول أن نشير أيضا إلى الدولة الصومالية التي رحبت في هذا المجال، بل وساندت الباحثين في تحقيق مآربهم حيث كانت وزارة الثقافة والتعليم العالي تقوم بإعداد كوادر متخصصة بالدراسات العربية عن طريق توفير المنح للدراسات العليا في التخصصات المختلفة أوفدتهم جامعات ومنارات علمية لدى الدول العربية، إما على حساب تلك الدول أو على نفقة صندوق المعونة الفنية التابع لجامعة الدول العربية ، وبعضهم يتلقى المنح من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، حيث وفرت لهم منحا للدراسات العليا في معاهدها المتخصصة كمعهد الخرطوم الدولي لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في السودان، ومعهد البحوث والدراسات العربية في بغداد- العراق.

إذاً لم تأت من باب الصدفة بأن ألَّف كثير من العلماء والمثقفين من أهل الصومال كتبا ومصنفات ورسائل علمية في اللغة العربية، علماً بأنّ أغلب تلك المصنفات والكتب كانت لها طابع ديني يتعلق بالأحكام وأمور الشريعة الإسلامية.

ومن ناحية أخرى ظهرت في بلاد الصومال شعراء نبغوا في نظم القصائد والمدائح في المجالات الدينية والروحية وغير ذلك باللغة العربية، ويأكد ذلك ما ذهب إليه بعض الباحثين من أهل البلاد المتخصصين في مجال الثقافة العربية، حيث يستدل هؤلاء بقولهم: «…وتدل المخطوطات العربية التي دونها العلماء الصوماليون والتي يرجع بها تاريخها إلى ما قبل 600 سنة على أن اللغة العربية حفظت كثيرا من تاريخ هذا الشعب لأنها كانت لغة تقييد العلوم والكتابة والمخطوطات».[3]

---------------- هوامش -----------------------
  1. محمد محمود محمدين : دراسات في الأدب الصومالي ، ص 3 – 4، طبع بالهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية ، القاهرة. عام 1973م. []
  2. اللغة العربية في الصومال، ص 20 []
  3. المرجع نفسه ص: 26 []
%d مدونون معجبون بهذه: