حنين وشجن في آخر الليل(2)

…لم تكن ليلتي عادية بل كانت ليلة حالمة على ضفاف النيل وإنسيابه العجيب، وكنت أسكب الشوق على مرافئ الحنين ومراسي الشوق كنورس تاه في حفاف الغربة، وكانت ليلة اجتمع فيها صفو الذهني مع شهية القراءة، وفي خضم تبحري على أمواج القارة الجميلة قادتني الصدفة وحدها ولو بالعالم الافتراضي ودون المقاهي والمسارح والأمكنة العامة والصالونات الثقافية إلى مقابلة مع شاب طموح طوع عنان الكلمة وملك دولة القوافي وزمام الكتابة وجمع تحت صرير قلمه نبوغ ذهني عجيب وإبداع أدبي بليغ ونحت اسمه على جدار القلوب رغم سنه الصغير وبُعد تخصصه عن الأدب والتنزه بين شعر أبي تمام والمتنبي، فصديقنا صاحب رواية “إلى كراكاس بلا عودة ” وهو طبيب ماهر وممن أشغلته محاضرات علم الأمراض والباطنية والعظام والمشرحة عن المداومة لأروقة الفن وكليات الأدب، ورغم ذلك فهو في اللغة ابن بجدتها، وفي الأدب جاحظ زمانه.

قلبه مفعم بالحب والود والأمل والتواصل، وكما قال هو عن نفسه فهو يؤمن بالطب صباحا.. والأصدقاء والأدب مساء ! ولا غرو فالأدب جميل كجمال السماء في ليالي الصيف المقمرة أو عندما تغيب الشمس ويظهر في الأفق الشفق المحمر كجبين غانية رومية، ومازال الأدب يسحر قلوب الأطباء ويجذب أفئدة المهندسين والصحفيين والساسة؛ لأنه ببساطة تعبير عن كوامن النفس وخطرات العقل وتجربة الإنسان في الحياة كما سطر الأولون في كتبهم، ومازال الأديب والجمال صنوان لا يفترقان منذ فجر التاريخ، وهكذا نبغ هذا الشاب في الشعر والأدب والكتابة الروائية وجمال الروح وبرز وسط رماد الصومال؛ ليكون أول صومالي يؤلف كتابا أدبيا باللغة العربية، إنه الكاتب والطبيب محمد علي ديريه اجتمعنا صدفة في فناء المواقع الإجتماعية كان كعادته محبوبا ورائعا في تناوله “أحمدو” الشخصية المريتانية التي لا أعرف هل هي افتراضية أم حقيقية، وكان كما يبدو متذمرا التشبيه الدائم لشخصيته ولكن للسمرة أحكام، وخاصة في الغربة مع أصحاب البشرة الفاتحة فقد يعتقد البعض أنك من موزامبيق وعنصرمن قبيلة الياو ذي البأسة والحدة القابعة في أقصي جنوب الموزامبيقي الوديع، وقد يعتقد الآخر أنك من كينيا وفرد أصيل من قبيلة الماساي ذات العرقية النيلية، وقد يعتقد ثالث ويصف بك أوصاف لا يقبله عقل ولا يطيقه بشر، ولاغرو أن يقول الناس ما يظنون وأن يكون مقياسهم اللون والسحنة والملامح فالبشرة كانت العنوان الأبرز في التاريخ قبل عصر العولمة، ولكي لا أبتعد عن حضرة الأديب الكاتب والطبيب الحاذق فقد ذكرت في مراسلاتنا عبر عالم الفضاء الرحب أنه لا يمكن أن يكون يوما مريتانيا من شمال القارة بل جذوره موغلة هناك في الشرق الجغرافي للقارة السمراء والمنفذ الجنوبي للعرب (الصومال) ولكن بأصالته قد ينوب عن البشر وبسمرته المشوبة بتاريخ الدراويش وعز قومه وملامحه الدقيقة التي تدل على عبقرية الإنسان وعظمتة وبرقة الأدب وروعة الكلمات ودولة القوافي قد يكون بالإنابة شنقيطيا قحا يرعى إبله في مرابع قومه.

وختمت كلماتي كميات من الشوق أبثها عبر سطور الحروف إلى شخصيته الخلوقة وتحية ممزوجة بود صافي تعزف أوتارا من المحبة تأتي إليه من ضفة النيل وفي شاطئه الجميل الذي لاتنقطع فيه أهازيج الحب والحياة رغم تغيّر السنين وتقدم الدهور ومع كلمات الراحل المقيم أسامة سيد أحمد الرقراقة.

 ما أجمل الحوار مع من يحمل الفكرة المستنيرة، وما أجمل الليالي حيث الأمل الأنيق يرفرف وسط ظلام اليل! وما أجمل لحظة النشوة عند قراءة حكايات ذات ألفاظ منمقة وعلوم فائقة في قالب إنساني تبدو عليه لمسات إفريقية مميزة، وما أجمل أريج الورود في عتمة الليل! وما أصعب الشجن في أحلك ساعات الظلام وفي دهاليز الغربة المقيته!

في سكون الليل وفي حنين الشوق كنت أجرّ ذاكرة سحقتها تلاطمات الكتّاب وعصفتها أمواج السهر، ولكن الشعور بالطمأنينة وانتماء الكتّاب إلى طبقة الكادحين التي تشع من عيونها روح التحدي والعناد والثقة أثار مكامن الشجن في نفسي وطغي على وجهي الشغف الواضح  إلى متحف التاريخ، ولكن أدركت أن اللحاق بقطار الماضي من ثامن المستحيلات ولا طائل من تشريح جثة الزمان وإعادة عجلة التاريخ  إلى الوراء مادام للحياة معني آخر وللقصة أبواب متشابهة وفصول متقاربة.

قرأت تاريخ الكتّاب وطويت صفحات من عدة كتب مختلفة ونظرتُ أهم ما يجمع العباقرة فرأيت أن الوطن هو سر تألقهم وحب الوطن يجرى في عروقهم، فقلت في نفسي لا وطن يستحق أن نذرف الدموع من أجله لأننا كنا مشردين في داخله وعشنا أيام العمر دون أمن وأمان ودون سقف يحمينا ودولة تراعى حقوقنا وتسهر على راحتنا وتأخذ بيدنا بعيدا في دروب النمو، وفي خضم مواجهتي طوفانا من أقضية الزمان غرّد عصفور في دوحة وارفة الظلال على صورة الوطن مرددا ومغردا الوطن سيبقى شامخا رغم المحن والحروب وإن انطفات روحه اليوم كسراج زيتي بائس ضيئل البريق فإن غدا سينفض غبار التخلف والصراعات وسيعيد كبريائه وجماله المفقود، وتذكرت الرائعة الشعرية التي غنت بها فيروز:

أنا يا عصفورة الشجن مثل عينيك بلا وطن

بي كما بالطفل تسرقه أول الليل يد الوسن

واغترابي وبي فرح كارتحال البحر بالسفن

انا لا أرض ولا سكن أنا عيناك هما سكني

أنا يا عصفورة الشجن أنا عيناك هما شجني

راجع من صوب اغنية يازمانا ضاع في الزمن

صوتها يبكي فاحمله بين زهر الصمت والوهن

من حدود الأمس يا حلما زارني طيرا على غصن

أي وهم أنت عشت به وكنت في البال ولم تكن

أنا ياعصفورة الشجن مثل عينيك بلا وطن

أنا لا أرض ولا سكن أنا عيناك هما سكني

أثارت الأغنية شجوني وعشت لحظات بشعور وأحاسيس مختلفة بل متناقضة ..دموع وضحك …أتراح وأفراح …أشلاء في داخل الوطن ترهق النفس وتعذب الذاكرة …وزغاريد ومسرات لاتنقطع تأتي من كل الأصقاع والبقاع لتفرح الوجدان وتزيح الغيوم التي تثقل الصدر وتغتال الأمل…أشجان كبرت كأشجار الوطن الباسقات، وفي خضم سيل الشعور الهادر أدركت أن للوطن معني أعمق وطعم ذو نكهة خاصة وحب لا يضاهيه أي حب مهما تنآى ليل الغربة وتباعد الناس في غي الاحتراب، وأدركت أيضا أن حب الوطن لا يمكن إثباته بالإدّعاء بل يحتاج المرء إلى فحص الوطنية من أفعاله لنعلم هل هو مواطن صالح غيور على بلده وشعبه، ويكون حب الوطن حيقيقيا وثابتا عندما نجد الإخلاص والمحبة وبذل الغالي والنفيس في تصرفات المواطن، وليس هذا فحسب بل السعي إلى تطويره والمساهمة الفعالة لتقدمه دليل واضح لصلاح الفرد، ونكون مواطنين بمعني الكلمة قدر ما نسعى إلى إنقاذ أمتنا من ويلات الحروب والهلاك المحقق.

 وبعد غيبوبة قصيرة من رعشة خفية سببتها لي الفكرة الجامحة التي نقصت حق الوطن تسآلت أليس الوطن من أحببته في الصغر وتعلقت به في الكبر؟أليس حب الوطن مسكون في حدقات عيوني رغم بعدي الطويل بتربته الزكية؟ فأجاب هاتف في صمت الحنين وفي وحشة الظلام حب الوطن من الإيمان والذود عنه والدفاع بمقدساته من الواجب عندها توقفت من وابل الأسئلة وركبت موجة الحنين إلى مرابع الوطن وصوت المؤذن المميز لمسجدنا العتيق وضجة الأهل وصخب الشاحنات القادمات من بعيد وصوت الرصاص العشوائي في أزقة المدينة وأعين القطط اللامعات في الظلام فترقرقت الدموع من مقلتي المجهدة ولم أتمالك عن قلمي ليبكي بكاء مريرا غيّر التفكير والأمزجة،

والغريب أني غالبا ما كنت أحفظ مزاجي العالي أمام تلك التيارات الجارفة التي يصعب التكهن بمسارها، ولم تكن تؤثر عليّ  العواطف مهما كانت قوية ولكن أعترف أن الأخيرة كانت أعنف موجة من الحب وأصدق شعور للوطن، ولم أجرب عاصفة هوجاء من الشوق كالتي ضربت تلك الليلة  أكباد عمري ورجعتْ شريطي إلى الثلث الأخير من العقد الثامن من القرن المنصرم وبداية الهزيع الأول من العقد التاسع لأقف أمام مبارك الإبل ومراح البقر قرب جداول الماء وعند الجبال السود المتناثرة في الغرب الجغرافي كعنقود عنب تتدلى في أغصان الأشجار المصطفة بأناقة على ضفاف النهر.

ولا أدري من أين جاءت لي موجات الشوق وذبذبات الحنين الطويلة في عز تبلدي الذهني وفي خضم نسياني العجيب لحياتي هناك قرب أريج الزهور وعبق الورود، ونسياني التام لأسماء إبلنا الذي كان يفوق مائة إلا قليلا، والذي كنت في صغري أعرف آثار أقدامه وصوته ناهيك عن جسمه وعلاماته المميزة، ولا أعرف كم مرة تذكرت بناقة شقيقي الشقحاء التي لم تكن أجمل منها في إبلنا حينما كنا نتفرج على السحب العابرة فوق هاماتنا، ولا أدري كم أذرفتُ الدموع  وأسكبت البكاء وغنيت وأنا مترف بالحزن منذ أن أنفصلنا حياة البداوة بالتراضي عندما يئس كل واحد منا على إقناع الآخر وفشلنا معا التكيف بتفاصيل حياتنا الدقيقة، لأن في صغري كان بريق عيني يخبر بنمط غريب وكان في ذاكرتي الصغيرة شريط في لون قرمزي، وكنت نشطا كخلية النحل مما جعل الأهل والأصحاب ينظرون إلى بعين خاصة، وبحيويتي المفرطة وحصافتي الواضحة كان الجيران يقولون للوالد رحمة ربي تنزل تتري على مرقده أنني لست من طينة أهل القرية السذج وحياتها لا تليق ممن أظهر النجابة في بواكير عمره بل كانو يتمنون بقلوبهم النقية وعقولهم السليمة أن أكون خليفة القادم لأبي الذي اتسم بالعلم والحكمة وبعد النظر والحلم في بيئته؛ لأنه كان قاضيا يفصل بين الخصوم بحكمة وعدالة وتأن وترو عجيب.

لا أتذكر كثيرا لأطلالنا ومرابعنا النائية؛ لأن الدهر أكل في ملامحها وشرب في تفاصيلها، ولكن ما أعرفه هو أنه في موسم المطر وفصل الزراعة وحين تدر المواشي باللبن ويكثر التغزل والرقصات الشعبية على وقع الأصوات المبحوحة لكثرة الطرب ولذة الوصال تحت ضو القمر الباهت وحين تعم الزغاريد كانت العرائس تزف في موكب احتفالي مهيب تزينه الأهازيج ودعوات المسنين وكانت مناسبة تاريخية بكل المقاييس يمارس الكبير والصغير الطقوس الأصلية للعرس وأدبياته الشهيرة في تاريخنا كما أنها كانت فرصة سانحة لإلتقاء الأحبة وتبادل الآراء مع رفقاء الحي وأتراب الحارة.

%d مدونون معجبون بهذه: