الفن الصومالي بين الماضي والحاضر3/3

لقد أصبح لافتا للنظر وخاصة في الآونة الأخيرة كثرة الأسماء التي تدعي وصلها بالفن، وتسعي جاهدة لاكتساب رضى الجمهور، والعجيب أنهم ليسوا أهل إبداع؛ بل يمكن أن نصف أنهم مجرد علبات صوتية ليس لها وقع فعال ومؤثر؛ بل تلهي الجمهور برقصات غريبة على أنغام موسيقي مستوحاة من التراث الأجنبي العابر للقارات بقوة اللسان أو بسطوة السنان، وحملت إلينا العولمة ورعتها الإمبراطوريات  العملاقة التي ما فتئت تروج لثقافتها وتجبر الناس على تبنيها دون تنقيح أو تدقيق على حساب ثقافة وفن الدول الضعيفة مستغلة بالضعف الواضح والاستسلام الظاهر تارة والمصالح السياسية والعصى العسكرية تارة أخرى، وتلقينا بإعجاب شديد كما قال ابن خلدون ” المغلوب مولع بتقليد الغالب”.

وصاحبت هذا الموجة العارمة بخلط الأوراق وتردي الفن، وفقدنا متعة النص وروعة الأداء وجمالية الموسيقى في حضرة هذا الجيل الغارق بوحل التقليد ومستنقعات الفن الهابط ، والمهوس بتبني ما هو جديد في عالم الفن دونما تمحيص أو تفحيص، وبغض النظر عن ملاءمته أو تطابقة مع المكون الصومالي وفنه العريق الهادف الذي كان يقدم أعمالا فنية راقية وكوكبة من الممثلين والمغنيين أصحاب الإبداعات الذين أمتعوا الجماهير وأتحفونا بمواهبهم الراقية.

قد يقول قائل: إن هذا النوع من الفنانين لهم جمهورهم الوفية الذين يملؤون حفلاتهم ويشترون كليباتهم وألبوماتهم بعد نزوله للسوق، ويمتلكون جمهورا مقدرة ومؤيدين يتابعون أنشطتهم الغنائية وحتى تغريداتهم وكتاباتهم في مواقع التواصل الاجتماعية، ولكن الإجابة واضحة، وهي أنَّ تعلق الشباب مثل هؤلاء الفنانين سببه خلو الجو وفراغه من القامات العالية -عمالقة الفن وعظماء المسرح- الذين كانت لهم صولات وجولات مشهودة في الوسط الصومالي خلال السبعينات والثمانينيات من القرن المنصرم، ومما يبعد تصدر هذا الفئة المذكورة للفن عدم قدرتهم لإرضاء الجمهور وافتقارهم الواضح للإبداع ومقومات الفنان وصفاته الحقيقية، بل يفتقرون أبسط موهبة يجب للفنان أن يتحلى بها، والفنان لكي يكون نجما لامعا يجب أن يهب حياته للفن دون حسرة وبلا ندم، وأن يتسلح بعزيمة فولاذية لا تعرف الاستكانة  مع التعلم من الأخطاء السابقة والتجارب الماضية وتصحيح المسار والتطوير المستمر لإمكانياته الصوتية التي هي أعقد آلة موسيقية تجذب الجمهور للفنان، وهذا ما يفقده معظم جيل الهيب هوب والراب والفن الحداثي الهابط الذي يسعي إلى تخدير عقل المستمع أو المشاهد بتقديم إغراءات وقبلات ساخنة وحركات ميلودرامية سيئة الإخراج.

الفن تعبير رائع لما يحس المرء ويشعر به، ولوحة جميلة مليئة بالمتعة والفائدة، لذا لا يمكن أن نطلق فنانا كل من حمل الغيثارة وترنم بعض الكلمات السوقية العديمة المعني! وقص شعره بطريقة غريبة وملأ جسمه بأوشام تدل عن تبلد مزاجه وغرابة سلوكه، ومن العجائب أن معظم هؤلاء الذين مزجوا كلماتهم  بألفاظ شرقية وغربية تافهة، واجتهدوا تبني ثقافة أجنبية لا نعرفها ولا تهز كلماتها شعرة من رأسنا ملأ الدنيا ضجيج الحداثة وعجيج التجديد! ونحن لا نرفض التجديد والتطوير والاحتكاك المفيد بالثقافات الأخرى والاستفادة منهم بقدر ما يحرك المياه الراكدة ويخدم الفن الصومالي في شتي المجالات، ولكن نرفض وبشدة أن نتنصل كل ما له صلة بالماضي وتاريخه، ونتبني ونستميت بدفاع ما هو جديد بمجرد أنه جديد ولم يكن معروفا أو مألوفا في الماضي، وباعتقاد أنه سننقل معه من قاع التخلف لفياح التقدم وفي مصاف الفنان الأمريكي أو الجاميكي.

ونرفض أيضا التقليد الأعمي في كل شيء بدءاً من صعود المسرح إلى طريقة مسك الميكرفون مرورا بالأداء والتحركات، وهذا من فرط غباوة الفنان المعاصر، لأن الفن لا يعترف التصدير ولا الاستنساخ وما يصلح  مثلا للشعب الإيطالي أو الجمهور الأمريكي أو النيجيري لا يصلح للجمهور الصومالي، وناهيك عن الدول البعيدة جغرافيا فالفن الإثيوبي أو الكيني رغم احتكاكهم الثقافي وانتمائهم لشعوب شرق إفريقيا التي تمازجت وتشابكت تاريخيا وحضاريا إلا أن فنهم لا يصلح للشخصية الصومالية باعتبارات دينية وأخلاقية وذوقية، وهذه حقيقة لا بد أن يدركها الفنان ليتسلق إلى قمة الفن وليغرد في أعلى قممه وسفوحه المنعشة.

ومن الغريب أن معظم هولاء الفنانين السذج كثيرى العدد قليلي المعني هم الجيل الناشئ في المهجر، الذين لا يعرفون أن سر نجاحات الشاعر ــ وبالتالي الفنان ــ كانت إدراكه تلازم الجمالية مع الشخصية الصومالية التي عاشت مع الطبيعة العذراء في كافة أنواعها مما خلق جوا تناغميا رائعا وارتباطا وثيقا بين الطبيعة الخلابة والشخصية الصومالية التي كانت دائما تعبر هذا الحب المتبادل والحبل السرى الوثيق بينهما بكلمات راقية تحرك الغرام الأصيل الكامن في غياهب قلوبهم السحيقة، ولم يكن الشاعر يحتاج إلى مكياجات لغوية وتجميلية لتحسين صورة شعره، بل كان يصف مقصوده بلا تكلف وبلغة رزينة تثير الشعور وتلهب الخواطر بعيدا عن الكلمات السوقية والتعابير الضعيفة، ومع جمالية أداء الفنان وروعة الغناء وأصالة الكلمات كانت ضحايا الحب تتساقط كأوراق الشجر عصفت بها زوابع الخريف.

ومن الجدير أن نعرف أن المشكلة اليوم تكمن الاختلاف الكبيرالذي طرأ على خارطة الفن مما أدي إلى تغيره مغزى ومعنى، ويكون الاختلاف واضحا إذا أمعنَّا النظر بين الشعراء والأدباء بين الماضي والحاضر، فالشاعر الذي كان يؤلف النص الشعري والغنائي ـ في الماضي ـ لم يكن جاهلا عن ثقافته الصومالية أو متجنيا ومتهكما عليها، بل كان يعرف عادات وتقاليد الأمة، لأنه تربى في كنف الأصالة الصومالية في أبهى صورها، وترعرع منذ نعومة أظفاره الحكمة والشهامة الصومالية فتغلغل حبها في أعماقه وتفاعلت مع كينونته فطبعت في وجدانه جمالية تفاصيلها ومميزاتها الخاصة التي لا يستطيع أن يتذوقها ويدرك كنهها وسحرها اللغوي الخلاب والبلاغي الآسر إلا من ارتوت نفسه من نمير الثقافة ومن معينها الذي لا ينضب، أما اليوم ومع الأديب الذي عاش وترعرع في المهجرالذي نعرفه ضعف لغته وتردى سلامة منطقه وحسه الدنيء وذوقه المتواضع في الثقافة الصومالية ومدلولاتها اللغوية والأدبية وتأثره بثقافات وموروثات حضارية وأدبية مختلفة مع تاريخنا ولغتنا التليدة، فقدَ الفن هويته وعشنا  مع أغاني موحشة تكشف المستور وتهتك العرض وتخدش الحياء مع ضعف مضمونها ووهن كلماتها وضبابية أهدافها بالإضافة إلى أنها عديمة المعنى تائهة المغزى في كلماتها ومقاطعها المحزنة.

كان الشاعر ذاكرة الأمة التي لا تموت وحديقة المجتمع التي لاتذبل ورودها، وكان يمزج الحب بالجمال والحضارة بالتاريخ والكلمات الرقيقة بالشعور الجميل، وهكذا ملك القلوب وأحبه الجمهور، وسكن سحيق القلب بانتمائه الأصيل وحبه الجارف بالثقافة الصومالية بكل أطيافها وأنغامها الخالدة.

والخلاصة في هذه المسألة أن اتفاقا غير مكتوب كان يربط بين الأديب الصومالي والجمهور العاشق بالفن الأصيل، والطبيعة الخلابة، والأوقات الجميلة، مثل شروق الشمس وأشعتها الحريرية في الصباح الباكر وهي ترسل سهاما من النور لتبديد ظلمات الليل، ولم تكن روعة الشروق وحدها تبهر وتستهوي الشاعر والأديب الصومالي بل كان يسحره الأصيل وشفق المغيب ولونه القرمزي وهو فوق تلة من تلال وطن الحبيب.

 والأصيل ظاهرة عجيبة ومشهد بديع تتجلى فيه قدرة الخالق وعظمة البارئ سبحانه؛ حيث تترسم في الأفق صورة رائعة وألوان حمراء مشوبة بألوان بنفسجية تتحد وتكون لوحة باهرة تجسد جمال الطبيعة وتناغم الكون، وهكذا كانت هذه المناظر تثير الإعجاب في نفس الشاعر فيعبرها بكلماته العذب الزلال الملئية بثوران العاطفة .

ولم يكن يكتمل عقد الشعر وصوره الإبداعية إلا بنثر الشاعر عطور الألفة والتواصل مع السمراوات الصوماليات وتغزلهن ومدحهن وإبراز محاسنهن الخُلقية ومزاياهن الخلقية؛ لأن هذا الكائن الرقيق والجميل الذي ملأ الله قلبه حياء وجسمه جمالا وروعة كان يعرف قيمة الأنوثة ويجتهد أن يصون كرامة المرأة ويفتخر بدورها في الحياة، ولم تكن المرأة تختلط بالرجال وتلبس البنطلون والملابس التي تظهر أكثر مما تستر ولم تقص شعرها وتلطخ شفتاها الجميلتين بلون غريب تصور كأنها نهشت جسدها وحياءها؛ مما أفقد الرجل الحنين الأصيل والحب العذري الذي كان يربطه.

ولقد حازت الحواء الصومالية نصيب الأسد من مدح الشعراء والأدباء والفنانين؛ لأنها كانت تعيش بحياتها الطبيعية وفي حيائها الأنثوي، لأن الزمن لم يكن مثل زماننا الذي زحفت فيه المدينة وأثرت كل شيء في حياتنا حتى أصبحت الحواء في كثير من الأحيان تتغمص دور آدم، بل كانت الفتاة الصومالية تغض طرفها بحيائها الأصلي، و تقف بعيدا عن الرجال تستر وجهها بكفيها أو طرف ثوبها ــ وهل يخفي القمر ــ حياء وحشمة تلهي نفسها وتطرد شبح الارتباك بعود الأراك وتحركه بنعومة في أطراف شفتيها وعرض أسنانها المتناسق، وأهدابها الجميلة تغطي مقلتيها، وكان هذا المنظر الذي افتقدناه ضمن هدير الحداثة والعولمة وتجاوزات البعض يدغدغ المشاعر ويوقظ العواطف النائمة ويفجر بركان القوافي فيتدفق منه كلمات منتظمة متراصة كالقلادة في جيدهن الجميل، ومن لا يعرف السمراوات الصوماليات ذات القوام السمهري والجسد المتناسق الجميل من أجمل بنات الدنيا ومن عجائب الكون إن ابتسمت فعن مثل اللؤلؤى المنظوم، وفي بيتها ومرابع أهلها قمر يبتسم، وزهور تتكلم، ونسيم عليل، وشمس تتراقص، وهذا ما قاله المنصفون في ثنايا كتبهم وحكاياتهم المتناقلة عبر التاريخ.

ما أجمل كيفية وصف لقاء المحبين واجتماعات الأنداد من الجنسين في فننا الأصيل ! والشاعر الذي شرب ثقافته الأمة حتى النخاع كان يصور كيفية اللقاء والاجتماعات السرية والعلنية للمحبين وما يدور في هذا اللقاء المليء بالحكمة والألغاز والحكم والأمثال، وبسبب ندرة اللقاءت وتباعد الديارتعلق الرجال بحواء الصومالية، وبالتالي أصبحت ملهمة للشاعر الصومالي فوصف بجمالهن البارع، وأنوثتهن الجذابة، وشخصيتهن القوية، وعفتهن العجيبة مع نعومة الجسم وطراوة الجسد، ولم يكن وصف الشاعر مثل الأدبيات الشائعة هذه الأيام ماجنا وهابطا يصف الجسد وتعرجات الجسم ولم يكن ماردا يقفز فوق القيم يصف المشاهد الجنسية واللقاءات المثيرة الساخنة التي لم تكن معروفة وموجودة حتى في وقت قريب.

وقصارى القول كان الفنان والشاعر رمزين من رموز الجمال وأيادي بانية وسواعد بيضاء ساهمت في تطور الأمة ورفع مستوى الثقافة والفكر والأدب بين أوساط العامة، والفن يعد وجها حيا من شأنه أن يساهم ترقية المجتمع ونافذة مهمة بإمكانها أن نقدم للأمم والشعوب التاريخ والأحداث والوقائع والحضارة والتراث الصومالي، ووجهنا الجميل الذي اختفى من خلال ركام الضباب والخراب الذي رافق مفاصل الدولة وأقسام المجتمع.

ولكن ومع قتامة الحاضر فالأجيال القادمة لا تنعدم منها المواهب والقامات المتنوعة التي سترفع رأس الأمة وتعيد إلى أصلها وتحارب المخربين، وبما أن العالم لا يعترف الصدف في الحياة فإن هذا العمل الشاق يتطلب منا إصلاح أصل المشكلة وإيجاد حل جذري لأساس العلة؛ لأن الخلل الذي حدث للفن الصومالي ليس وليدة اللحظة ولا تفاعلات آنية أو ردود فعل، وإنما  له ما يبرره من أعمال مسبقة وأحداث سبقت هذا الخلل يجب معالجتها، والبحث عن حلول ناجعة ليرفرف الفن وسط ميادين الوطن من جديد، وحتى يأتي الإصلاح المنتشود لابد من السعي الدؤوب والنية الصادقة لترميم وإعادة الفن الذي ترك للذاكرة الصومالية لحظات لا تنسى، وهذا ليس صعبا ولا مستحيلا؛ لأن إعادة إنتاج الفن الراقي ذي الألحان الجيدة والموسيقا المفعمة بالأمل والهدوء كالكلام الجيد لا يحتاج إلى الاستئذان ليسافر أقصى نقطة في قلوب الجماهير وأبعد مكان في جسمهم المرهف، ولا يحتاج أيضا إلى قوالب مزيفة لتكسير الحواجز والحدود ليصل إلى الأعماق، بل الكلمات الرنانة والأداء الجميل والصوت الرائع والاستخدام الجيد للتعابير الجسدية والنبرات الصوتية كفيلة بأن ترسلنا إلى طرب يهزنا أو نشوة تدخلنا إلى عالم مثالي لا يوجد فيه منغصات ولا مكدرات ولو كانت آنية، وقد علمنا أن الأغنية الشجية تثير الذكريات الجميلة والماضي الفخيم في وجداننا.

وبما أن الناس والحياة كالدائرة الكاملة كلما تقدمت إلى نهايتها تقترب إلى بدايتها فالفن المستحدث سينتهي وأوشكت شمسه أن تغيب لتبدأ الدائرة من جديد مع الفن الراقي الأصيل وبداياته المشرقة، وبدأت أولى خطوات هذا الحلم الجميل تستيقظ من مرقدها بترميم المسرح القومي الذي قدم خيرة الفنانين وأنجب عظماء الفن وعمالقته، وبدأت الحياة تدب في أوصاله من جديد وتتدفق الدماء في شرايينه التي أصابته جلطة أدخلته في غيبوبة طالت ولكنها فشلت أن تتوقف القلوب من النبض والذاكرة من الحفظ والقلوب أن تحب والنفس أن تحلم.

%d مدونون معجبون بهذه: