أنا والفردوس المفقود

قبل يومين عثرت علي جزء من قصيدة أعشقاها كثيرا، وتعود قصتي معها في نهاية تسعينيات القرن الماضي عندما كنت طالبا في المرحلة الجامعية،حين سمعتها في اول وهلة من أحد اساتذتي وهو يتغني بأبيات أسرني وشد انتباهي ونال إعجابي منها هذا البيت بالذات:

فلا اللسان لسان العرب نعرفه*** ولا الزمان كما كنا وما كانا

وبعدها بدأت البحث عنها في بطون الكتب الأدبية التي كنت أعرفها، وخاصة تلك المتوفرة في المكتبة المركزية في جامعة إفريقيا العالمية ومكتبة مركز البحوث وغيرها ولكن دون جدوى.

وظفرت في يوم من الايام- وأنا أبحث عنها- بديوان “اصداء النيل” للاديب السوداني البروفيسور/عبد الله الطيب رحمه الله،رغم أنني اسفدت منه كثيرا إلا أنه لم يرو ظمئي لهذ القصيدة الجميلة، وهداني تفكيري إلى أن استعين بالزملاء السودانيين الذين يسكنون معي في مهجع الجامعة وأخبرني أحدهم أنها كانت مدرجة في  الكتب المدرسية لمقررات الأدب بالمرحلة الثانوية “أيام زمان”.

وفي صيف عام 2002م كنت ضمن القافلة الدعوية للجامعة وكانت القافلة التي انا منها مبتعثة إلي ولاية نهر النيل وخاصة “ريف سيدون” وعند وصولنا إلي القرية كان الوقت ليلا واستقبلنا استقبالا حارا في بيت معتمد المحلية الاخ حسن عبد الماجد، وفي صباح اليوم التالي تم توزيعنا إلي مدارس القري المجاورة وكان من نصيبي مدرسة الجزيرة الآساسية، فسررت بهذا التقسيم كثيرا لأنه يتيح لي فرصة البحث عن”الفردوس المفقود”، ومر اسبوع ولم أجد لها اثرا، ورجعنا الي مركز القافلة حيث ارسلت الي قرية اخرى علي ضفاف نهر عطبرة اسمها “العبكة”

فالعبكة كانت احسن من الجزيرة وحتى من السيدون نفسها، فيها مركز ثقافي لكنني لم أجد فيها ضالتي المنشودة..

وفي طريق عودتي إلى “سيدون” صاحبني رجل همّام من رجالات الدعوة الاسلامية المعاصرة في السوادن، ومثقف صلب المراس يحمل في رأسه افكارا تدك الصخور الرواسي، هو الأمين العام لجمعية القرآن الكريم في المنطقة وهو الرجل الذي يستضيف القوافل الدعوية في تلك المناطق واسمه الاستاذ/عبد القادر بابكر.

وصلينا المغرب في الطريق وحاولت الاستفادة من الرجل بحكم كونه واسع الاطلاع وأديبا متمكنا، وفاتحته في موضوع القصيدة، ووعدني انه سيعطيني ديوانا يحوي علي مجموعةمن قصائد محمد أحمد المحجوب، ولكن بعد وصولنا الي مدينة الدامر -عاصمة الولاية- فاجأني بالاعتذار وأخبرني انه لم يتمكن من الحصوال علي ذلك الديوان الذي كان في بيت شقيقه..

رجعنا الي الخرطوم ولم يفارقني الشوق إلي الفردوس المفقود…

وقبل يومين وانا اتنقل بين المواقع الادبية علي الشبكة العنكبوتية جاءتني علي غير موعد، فسعدت بها كثيرا واحببت ان أنشر مقتطفات منها ليستفيد  أحبابي عشاق الادب العربي..

القصيدة لمهندس وقاض وسياسي وشاعر سوداني شغل منصب رئاسة الوزراء أكثر من مرة، كما تولي حقيبة الخارجية، وهو الدبلوماسي الأديب محمد احمد المحجوب يرحمه الله.

فقد استطاع ان يزاوج بين الأدب والسياسة في واحدة من أروع القصائد التي قيلت في ر ثاء الأندلس في العصور المتأخرة، وهذه القصيدة اسمها “الفردوس المفقود”.

لقد انتابي شعور حزين وتملكتني القشعريرة أثناء قرأتي لها وانا اتخيل رحيل ملايين المسلمين من سكان تلك الأقطار الذين سماهم الإسبان بـ “المورسكيين”من ديارهم واجبار من تبقي منهم علي اعتناق المسيحية.

وبكيت من القلب وانا أتذكر الوصف الدقيق لذلك المشهد الذي صوره ابو البقاء الرندي في نونيته الشهيرة:

وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت ***  كأنما هي ياقوت ومرجان

يقودها العلج للمكروه مكرهة *** والعين باكية والقلب حيران

زار شاعرنا شبه جزيرة أيبيريا بعد قرون من رحيل المسلمين منها،حدث فيها تغيرجذري شمل الانسان والبيئة، واللغة والمفاهيم ومعالم الحضارة، وطريق العيش وأسلوب الحياة، وأحس بغربة قاتلة صاغها باسلوبه الأدبي السلس.

واليك مقتطفات من القصيدة

يقول:

نزلت شطك بعد البين ولهانا *** فذقت فيك من التبريح الوانا

وسرت فيك غريبا ضل سامره*** دارا وشوقا واحبابا واخوانا

فلا اللسان لسان العرب نعرفه*** ولا الزمان كما كنا وماكانا

ولا الخمائل تشجينا بلابلها***    ولا النخيل سقاه الطل يلقانا

ولا المساجد يسعي في مآذنها*** مع العشيات صوت الله ريانا

لم يبق منك سوى ذكرى تؤرقنا*** وغير دار هوى صغت لنجونا

أكاد أسمع فيها همس واجفة***   من الرقيب تمنى طيب لقيانا

الله اكبر هذا الحسن أعرفه*** ريان يضحك أعطافا وأجفانا

أثار في شجونا كنت أكتمها*** عفا وأذكر وادي النيل هيمانا

فللعيون جمال سحره قدر *** وللقدود إباء يفضح البانا

فتلك دعد سواد الشعر كللها*** اختي لقيتك بعد الهجر أزمانا

اختي لقيتك لكن أين سامرنا*** في السالفات؟فهذا البعد أشقانا

اختي لقيتك، لكن ليس تعرفني*** فقد تباعد بعد القرب حيّانا

طفنا بقرطبة الفيحاء نسألها*** عن الجدود.. وعن آثار مروانا

عن المساجد قد طالت منائرها*** تعانق السحب تسبيحا وعرفانا

وعن ملاعب كانت للهوى قدسا***  وعن مسارح حسن كنّ بستانا

وعن حبيب يزين التاج مفرقه***  والعقد جال علي النهدين ظمآنا

الي ان قال:

تلك السماوات كناها نجملها*** بالحب حينا وبالعلياء أحيانا

فردوس مجد أضاع الخلف روعته*** من بعد ماكان للإسلام عنوانا

3 تعليقات

  1. شكرا لك يا أيها الأخ الغيور إنها لعاطفة متدفقة فياضة تنتاب كل من له قلب أو القى السمع وهو شهيد ألف الف شكرا

  2. عبد النور معلم محمد

    اشكرك يا استاذ حسن عبد الله علي ذوقك الرفيع،ولوكان للقصيدة اسما اخر لكان توجيهك متجها،ولكن “الفردوس المفقود هو اسم القصيدة” فلا مناص اذا من ذكر اسمها الحقيقي

  3. لو قلت الكنز المفقود لكان احسن لك الفردوس لا يصدق بالشعر فقلت الفروس المفقود فتكلمت عن الشعر حسب فهمي وشكرا لك

%d مدونون معجبون بهذه: