مقامة أبي علي سمالة البربري

كان الحاج أبو علي (سماله) البربري رجلًا ذا تجاره، يسافر بها إلى أطراف الأرض، وقد كان في بداية حياته، يركب البحر مع السفن من موانئ البلاد، فزار الهند ونزل بابن خاله الذي كان قد استقر في الصين، و حطت به رحلته بالبصرة، و باع واشترى بالقلزم، وتاجر بذهب سوفالة، وقد من الله  عليه بثروة لا بأس بها، وكان قد مل البحر وأهواله، فأنشأ قافلة له تطوف البلاد بما تحمله من بضائع يجلبها من الموانئ، مارًا بالمدن، من بوصاصو وبربرة، حتى هرر.

وقد حدث في إحدى السنوات أن ثارت حروب بين القبائل، بعد أن كثر الشقاق وزاد التنافس والتحاسد بين الناس، ومال القوم للجدال والتنابذ والتفاخر، حتى امتلأت القلوب بالكراهية، فاستحل الدم وأصبح السلب من مصادر عيش الكثير من الناس، حين التقى بفتى تبدو عليه النجابة، في أطراف هرر .

فحياه الفتى وسأله: أي أيها السيد الكريم، ذو الهيبة والجاه العظيم، رأيت أمورًا عجبًا، أورثتني تكدرًا وتعبًا، فقد ترك القوم صالح العمل، مالوا لكل مذموم و مستقل، فشاعت البذاءة، و تنافس الناس في الدناءة، وهم على ذلك في كبر، ولا يضيرهم ما آل إليه الأمر، ولو وعظتهم سبوك، ولو ناجيتهم لاموك، فغدوت كما تراني، مما في الفؤاد أعاني، أتعمد الوقوف بالمفارق، أسأل كل غادٍ وطارق، علي أجد فيما أحار جوابًا، وتحضرني من السكينة ما أكابد غيابًا، فأجبني يا رعاك الله ولا تبخل علي، عل جوابك يرد برد اليقين إلي.

فأطرق برهة صاحبنا وأجابه

أسعد الله صباحك أي بني وأخي في الدين والملة، وأتم عليك بالصالحات النعم و على أهلك وحيك وما حوله، أنني لممتن لك على تساؤلك المهم جدًا ، فله من الحسنات ما لا أحصيه عدًا، والحقيقة أن أساس المشكلة، وسر كل ذلك اللغط والمعضلة أن الكثيرين منا يبيحون لأنفسهم الإساءة للآخرين، والمصيبة هي أسلوب الترصد المشين، والبحث عن طريقة للتنفيس عن العقد، وتصفية الحسابات من جانب كل موتور ومن حَقد، و الكثيرون يبحثون عن أقصر الطرق لكسب معركة مفتعلة أو جدل سخيف، ولو كان مطلبًا مُمَرغًا بكل ما هو غير شريف، وذلك أمرٌ، أما من الأمور الثَّاني ، فهو أننا لو كنا في مجملنا، نرد كل شيء لما هو معلوم من شرع الله والعرف الإنساني، لما حصل المحظور، ولما تطور الحال بما له الدماء تمور، ولما كان الكثيرون منا يمارسون أشنع أشكال النفاق، بأن يكون مجمل كلامهم مما لا يطاق، وهو في مجموعه أقوال مغرضة و كذب، وإن قالوا صدقًا فهو جِدٌّ في لعب، وهم بذلك يمارسون ما قال فيه القائل: كلام حق أريد به محض باطل، والمؤلم حقًا أن الكثيرين يدَّعون أنهم مع الأمَّة في هذه الشدّة، ويظهرون في نبراتهم ما شئت من سلاطة وحدة، وحقن الدماء نشيدهم وحداء هاتفهم، لكن كيف ذلك وكلُّ همهم، أن يمر الأمر من تحت أرجلهم، وأن يكون ما شاؤوا لهم، دون أن يقدموا أي شيء، وأن يكون طيب الكلام منهم من الصدقات والفيء، في حين أن هناك من يتعرض للإساءة بسبب ما يعتقد، وهو على ما يكابده صابر ومجتلد، وأخطر ما نمر به اليوم هو أن منا فئة ـ فكرٍ ـ، لا ندري أهي تحصل لقاء ما تفعل على أجر، أم أن الله أعمى بصيرتها، وتلك الفئة تجدها تسرع بالانتقاص من الآخر كما هو ديدنها وسيرتها، التي فاض الكيل منها، وتستعمل أسفه الأساليب، وأحط لغة ممكنة فتأتي بالأعاجيب، شأن كل من في قلبه مرض، وهم كذا كلما هب ناسم أو عارض عرض، فهم كعادتهم دومًا يصبون الزيت على نار التباغض والكراهية، ولو أذن المؤذن فيهم فَهُمُ هُمُ وهِيَ هِيَ، وهم في ذلك قطعان كقطعان الضباع، تجوس في المجامع والبقاع، لا تترك حيًا إلا أزعجته، ولا تعاف جسد جيفة إلا نهشته، ولا صافي مورد إلا كدرته، وهم على تعدد أصولهم، وتنوع مصادرهم ومشاربهم، كنقابات أرباب الصناعة، لهم تراتب يوجبون به على أنفسهم الطاعة، يقودها أكبرهم سنًا وأخفهم عقلًا وحلمًا، لا يرعي رحمًا أو ذمة أو إلًا، يكون له في الضلال موكب من المطبلين، يهللون له ـ ولو أطلق ريحًا ـ كل حين، وله من القطيع فريق كالممسدين الذين يلون الكلام ليًا، ويحيلون الحق باطلًا وغيًا، فكأنما هم فرق إحياء أعراس، لهم سيماهم واضحة من دون الناس، يلوثون محيطهم دخنًا و عجيجًا، ويكدرون صفاء الفضاء شغبًا وضجيجًا، وكأنهم كنوَّاحات استأجرهُن إبليس، يخرن فيما يمارسن خوار العيس، فيبحثون عن جنازة يشبعون في لطمًا، وخدشًا وشق جيوب وأفعال تقطر قبحًا وسمًا، ولو سألت عما الحديث مستجديًا تفسيرًا، لوجدت في كلامهم اختلافًا كبيرًا، ولو سألت أحدهم البيان الواضح، من القول لوجدته أجبن من جندب صادح، فترى الشرفاء من زهم صنعهم، وعطن مرتعهم يفرون من مجتمعهم، فرار الصحيح من المجذوم، فأمرهم للوهلة الأولى واضح ومعلوم، وإن ساء حظ أحد الناس، وعلق في موالدهم فأي باس، لكان حاله حال: أن على العاقل أن يسمع إن تكلم المجنون، وهم ولله الحمد كثير وافرون، لا تخلوا منهم قرية أو بلدة أو مدينة، وهم لو مذقوا بالبحر لأفسدوا الحال على حوته وأغرقوا سفينه، وهم لقلة صنعتهم وسوء أدبهم، أقل الناس إبداعًا وإنتاجًا، وأكثرهم تلجلجًا وإرتاجًا، يحلوا لهم تجول في الأسواق والمجامع، وليس فيهم من تاجر أو صانع، وهم إذ هم هناك ليسوا لبيع أو شراء، ولا لأنهم جاءوا بخير أو إخاء، بل لأن سلعتهم النميمة و صنعتهم البغضاء، تراهم تعجبك أجسامهم، وتسمع لقولهم، فتخشى على النشء من أن يسمعوا ما يرددونه من سوقي اللفظ والفحشاء، وهم في دأبهم لإيغار الصدور، يأتون في خفة بأقبح الأمور، كالوزغ ينفخون على النار، وذيول نتنة تجيد المباغتتة والفرار، فيشعلون الحرب في دار سلم، و يفسدون الحال على كل ذي حلم، فإن صاح صائح بقول فيه تنفير عن السوء، وأوعد المختال منهم بالشر أن يبوء، دون أن يكون بالاسم يقصدهم، أو يكنيهم فيفضحهم، وجدتهم انحدروا عليه انحدار الجبابرة، أو كقطعان الحمر الثائرة، فهم بذاك أجبن الناس، كشأن من أغواهم الخناس، إذ يحسبون أن كل صيحة إنما هي عليهم، كأن كل لائم قد عاد في تقريعه عليهم، من سوء ما انطوت عليه أضلعهم، وباحت به لاذعات ألسنتهم.

فأما وقد سألت يا رعاك الله ، فإني أسأل المولى لي ولك أن يجيرنا أن نكون منهم، وأن يجعل ما بين المشرقين بيننا وبينهم، وأن ينحي عنا مجلسهم ، وينفرنا من مجمعهم ومحضرهم، ونسأله ـ تعالى ـ الهداية لنا ولهم، وأن يجعل عاقبة أمرنا يسرى، ويهيأ لنا بفضله رحمة وخيرًا، وأما من لم يرعو منهم فنسأل الله أن يخرسه، وعن الأذى أن يشل يده وإن أقعده أن لا يجلسه، وعن تتبع العورات أن يعميه ثم ويطمسه.

لقد بحت لك أي بني بجانب مما كنت أراه منهم، ولترين أنت في قابل الأيام العجب العجاب من أمرهم، فتوكل على الله وتجلد، وأعرض عن جهلهم ـ مقابل حلمهم ـ، وأعد العدة لأن لا يشغل بالك أمرهم، ولا تتردد في تجاهلهم ما أن يتضح لك سوء خلقهم، وإن أغضبوك والإنسان في طبعه العجل، فلا تخاطب أحدهم باسمه وإن قال ما قال أو فعل ما فعل، ولا تجاره في غيه، واتركه عطشانًا فإنما جدالك له سر راحته وريه، فما جادلك جاهل إلا غلبك، وما جادلت من هو أعلم منك، إلا دان بالغلبة لك،و كن واضحًا في مسعاك وقولك، ولا تحد لغيظ أصابك عن مبدئك، فمن زرع في أمسه ـ وإن لاحقًا ـ حصدَ ، والنابح في الوادي لا يجني من جهده غير صدى، وإن كان أحدهم من قوم فلا تعادهم، ولتغلب ما وقر في قلبك منهم، فبالغ في إكرام من لقيك منهم، وأحسن إليه، وكن له في كل أمره لا عليه، ولتجدن من قوم شاع أن بين قومك وبينهم عداوة، نصرة و معونة وما لم تكن تدري من جودهم والحفاوة، ومن الصحب من يفديك بالعينين، من الإخوة من يقوم لك مقام قلبك واليدين، فلا تقع في ما وقع فيه أهل العداوة، وخذ من خير أخلاق أهلك في الحاضر والبداوة، فكن كريمًا لو أعطيت، شاكرًا لو أخذت، ومنصفًا لو وعظت، وصادحًا بالحق وإن خفت، ولا يضيرنك اختلاف رأيك عن من يراه قومك، فلن يحاسب الله أحدًا غيرك عنك، ولا تقل كلمة البغضاء، ففيها من الهلاك ما ليس منه وقاء، فهي ما نهى النبي عنه، ودل على أن أس السقوط في الهاوية منه، وكرر القول السديد بليلك ويومك، فذلك أحرى أن يقر في قلبك، وليس خير من ذكر ربنا الرحمن، وصلاة على نبيه العدنان، واستعاذة به من شياطين إنسنا والجان.

وصلي اللهم وسلم وبارك على حبيبك المصطفى وأله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

%d مدونون معجبون بهذه: