من صفحات السفر: مقديشو..درة القرن الإفريقي

بَحَّارٌ هَرِمٌ،

منذُ عصورٍ يرحلُ،
وهو يُفَتِّشُ عَنْ لُؤلؤةٍ
تتخلَّقُ في أرضٍ واعِدةٍ موعودَهْ..
قالَ: خذوا الحِكْمَةَ عَنِّي
إنَّ الإبحارَ،
هوَ اللؤلؤَةُ المفقودَهْ..

بكلمات هذا النص الشعري افتتحتُ نصوص قصيدتي الطويلة (مكابدات أفريقية) وأنا في أعماق القرن الأفريقي علي الساحل الغربي للمحيط الهندي، منذ سنوات بعيدة.. هناك كانت لي أيام حافلة بالمدهش والمُفاجِئ والغريب، فهل يستيقظ في صدري هذه الأيام طائرُ الغابات والبحر المحيط، فيفرد جناحيه وهو ينفض ما تراكم علي نوافذ الذاكرة من غبار الزمان؟

في كانون الثاني من عام 1976 حَلَّقَتْ بوفد المدرسين العراقيين إلي الصومال طائرةٌ عراقية، وكنتُ أحد أعضاء الوفد، ومعي زوجتي وأطفالي الثلاثة آنذاك: (هديل وحارث ورائد).. وفي مطار (أبوظبي) توقفنا ليلة كاملة بانتظار الطائرة التي ستقلنا إلي (مقديشو) فاعتبرنا توقفنا فرصة يتعرف خلالها أعضاء الوفد (وهم من جميع المحافظات) علي بعضهم، وتتعرف زوجاتنا علي بعضهن.

وما أن نزلنا ضحي اليوم الثاني في مطار (مقديشو) حتي تلقانا عند سلم الطائرة عدد من المدراء العامين في وزارة التربية بالصومال، وبعض موظفي السفارة العراقية.. وكانت النسائم التي تهب علينا منعشة تنبئ بمناخ معتدل. ومنذ الدقائق الأولي طالعتنا شوارع العاصمة النظيفة وأرصفتها العريضة المزدانة بصفوف من الأشجار صُبِغَتْ سيقانها باللون الأبيض، والصوماليون رجالا ونساء يروحون ويجيئون بهدوء.. وفي دار ضيافة واسعة استضافنا الصوماليون أكثر من أسبوع وكانوا كرماء طيبين معنا. وخلال أيام التقي بنا سفير العراق في الصومال، ثم صدرت أوامر توزيعنا علي المدارس الصومالية، فنسبتُ إلي ثانوية ذات طراز إيطالي تبعد قليلا عن مركز المدينة، ثم استأجرتُ شقة في مركز المدينة لم ترق لي فيما بعد، فانتقلتُ بعد أكثر من شهر بالاتفاق مع الصديق المدرس ناجي التكريتي إلي بيتين متجاورين يحيط بهما سور واحد وتمتد أمامهما داخل السور أرض حديقة كبيرة فيها بعض الأشجار، ويطلان علي البحر مقابل السفارة الفرنسية، ثم استقدمتُ خادمة صومالية اسمها (زينب) لا تعرف من العربية إلا مفردات قليلة، لكنها كانت نشطة مخلصة، تأتي في الفجر ولا تغادر إلا في المساء، وأحيانا تبيت مع الأسرة إذا تأخرتُ ليلا.

ومنذ أيامي الأولي في مقديشو تعرفت علي أبرز وأهم شوارع المدينة ومعالمها، ونزلت إلي البحر مرات ومرات، إذ كان لأشقائنا المدرسين المصريين (كابينة)علي البحر، فكنا نرتادها ونلتقي بهم، كما تلتقي زوجاتنا بزوجاتهم في جلسات أحاديث شتي.

وفي اختلاطنا بالصوماليين الذين ابدوا محبة خاصة للعراقيين علمنا أن شعب الصومال كله مسلم ولم تفلح أي دعوة تبشيرية سابقة بتغيير دين أحد من أبناء ذلك البلد، وأن الصومالي يدرك أن بلده مجزأ إلي خمسة أجزاء هي: الصومال الإيطالي وهو جمهورية الصومال الديمقراطية التي أقمنا في عاصمتها، وتضم أيضا الصومال الإنكليزي وهو المنطقة الشمالية وأشهر مدنها (هرجيسا) أما الأجزاء الثلاثة الأخري المحتلة، فهي: (أنفدي) وتسمي الصومال الكيني، و(أوغادين) وتسمي الصومال الأثيوبي، و(جيبوتي) وهي الصومال الفرنسي… ورأينا أن معظم الناس في العاصمة يتكلمون العربية إلي جانب اللغة الصومالية التي تضم عشرات المفردات العربية، وأن عناوين واجهات الدوائر والمحلات التجارية تُكتب بالعربية والصومالية التي كانوا قد ابتكروا لها حرفا لاتينيا وقاموا بحملة كبيرة لتدريسه. وعرفنا أن بعض الصوماليين من أصول يمنية وأن عددا كبيرا من اليمنيين مقيمون في الصومال.

ثم تعرفتُ علي أبرز أحياء مقديشو مثل (حَمَرْوين والمدينة وكاران ووابري وشنغاني وهوذن) ويعد حَمَرْوين من أقدم ألأحياء، فـ (حَمَر) بفتح الحاء والميم وسكون الراء، هو اسم مقديشو تاريخيا.. وتعرفت علي أسواقها وأبرزها (علكاب) وهو سوق لبيع اللحوم والخضراوات، والفواكه: (الموز والباباي والبمبيلمو والعنبو والليم).. وهناك سوق لبيع السمك، وسوق لبيع حليب الإبل.. وكان سعر كيلو اللحم (الأحمر والأبيض) لا يتجاوز النصف دولار آنذاك.

وفي تلك الأيام، أيام نظام (سياد بري) كان شعار الدولة، يجمع بين (الانتماء الصومالي الأفريقي، والاتجاه العروبي الإسلامي، والتوجه الماركسي الاشتراكي) وكان النظام علي علاقة وطيدة بالاتحاد السوفيتي، رغم أن الشعب الصومالي كان يؤلف النكات عن تلك العلاقة، فمن طرائفهم أن سيارة أحد الروس احتاجت إلي (دفعة) لكي تسير، فطلب من الصوماليين مساعدته، فتجمعوا وراء السيارة لكنهم تنحنحوا وأيديهم عليها دون دفعها، فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا له: إن الاتحاد السوفيتي يدفع الصومال هكذا.. أما علاقة الصومال بالبلدان العربية فقد كانت تتفاوت حسب ما يقدمه كل بلد من معونات مادية. ذلك أن النظام آنذاك كان مهتما إلي أبعد الحدود بالوضع الاقتصادي والمالي، ومما يروي من طرائف في ذلك الوقت تتعلق بالوضع المالي أن الرئيس سياد بري كان في لقاء مع القادة السوفيت، وحين سُئل عن الوضع الاقتصادي للصومال طلب من وزير ماليته الذي كان معه، وهو رجل أعرج، أن ينهض ويمشي قليلا أمام من سألوه، ثم قال لهم: هذا هو وضعنا الاقتصادي.. وكنت قد رأيت الوزير المذكور وهو يتمشي قرب (فندق جوبا) أكثر من مرة.

رغم ذلك فقد كان الوضع في الصومال مستقرا آمنا.. ومع أن البلد يتمتع بثروة حيوانية وسمكية وزراعية هائلة، وبما يصدره منها إلي الخارج، فقد كان الشعب الصومالي يعاني من فقر وحرمان، حد أن تري إنسانا في ركن ما يتلوي من الجوع ولا يلتفت إليه أحد، فيما تكثر تجمعات الأطفال هنا وهناك، متسولين وحمالين ومنظفي زجاج السيارات. ولعل من يعطف عليهم أشد العطف ولا يدعهم يحتاجون أكثر من قطعة قماش تستر عوراتهم، هو مناخ العاصمة، فمقديشو وهي من الموانئ المهمة تتمتع بنسيم البر والبحر ولا تزيد درجة الحرارة فيها عند أعلي درجات ارتفاعها قي شهر آذار عن30 درجة، ولا يعرف سكانها لا التبريد ولا التدفئة لاعتدال مناخها في كل الفصول. لكن ذلك كان أيضا من العوامل المساعدة علي تسكع الشبان في الطرقات وتناولهم كحول القناني التي تستخدم لتنظيف الأرضيات وتعقيمها، كمشروبات مسكرة للهروب من الواقع. وانتشار ظاهرة السرقة والتسول والخداع في اقتناص لقمة العيش، بل حتي استخدام القرود التي تتجول بين البيوت والطرقات وعلي السواحل أحيانا في الاحتيال والنصب علي الأجانب.

هذا، في وقت أتاح فيه النظام كل أسباب الترفيه والحرية الشخصية، ففي مقديشو كانت تنتشر المراقص والبارات في أبرز الأماكن، مثل: (نادي فندق جوبا، وساحل الليدو، ونادي فندق شبيللي، ونادي فندق العروبة الذي بني وافتتح ونحن هناك) وهي أماكن تعج بطالبي اللهو والرقص مع الصوماليات… فضلا عن (التياترو) وهو المسرح الوطني الذي يضم فرق الفنون الشعبية، وفرقة (شريرو) الموسيقية الغنائية، وغيرها من الفرق التي تعمل في الملاهي والصالات. إضافة إلي العشرات من دور السينما المولعة بعرض الأفلام الهندية.

شوارع وسواحل

وفي تلك الأيام كانت المرأة الصومالية تحيا كما يحلو لها بكل حرية، فيسحرك طولها الفارع وجمالها الفاتن الأخاذ الذي لا يضاهيه سوي جمال الأثيوبيات، فالمرأة الصومالية ليست زنجية فاحمة السواد بأنف أفطس وشفاه غليظة، فوجهها دقيق الملامح ولون بشرتها أقرب إلي السمرة الغامقة منه إلي السواد الفاحم، لذا فقد عملتْ بعض الفتيات الصوماليات عارضات أزياء في أوربا.. ويشدك تبختر المرأة في الأسواق والشوارع وعلي الساحل بزيها التقليدي الذي لا يعدو أن يكون قطعة قماش طويلة واحدة تلفها علي جسدها وتشدها بعقدة عند أحد كتفيها، أو انه ثوب طويل فضفاض مزركش، وشعر رأسها إما مسرَّح تسريحة أفريقية أو مغطي بوشاح خفيف.. ومع أن شوارع وسواحل مقديشو لم تكن تخلو من الإيطاليات والروسيات، إلا أنهن لا يلفتن النظر إليهن كالصوماليات، وخاصة الخلاسيات منهن.

ضمن هذا الجو كتبتُ أولي قصائدي (أحكي عن الساحرة الأولي) ومطلعها:
تبدأ موسيقي العطرِ الأسوَدِ،
إذ تبدأ فاطمةُ الفارعةُ السوداءْ
وأقول في أحد مقاطعها:
طبْلٌ أفريقيٌّ
يتقَلَّبُ تحتَ يدَيَّ،
يُدَمْدِمُ في رأسي،
هذا العطرُ الغامِضُ،
هذا اللوْنُ المُمْتَلِئُ الحَارْ..

ومنذ تلك القصيدة، بات اسم (فاطمة الفارعة السوداء) في شعري، رمزا لعناق مقديشو وأفريقيا السوداء فيما كتبت من قصائد بعدها.

في سلك الإعلام

وكان لي في الأيام الأولي، أن مررت مع صديقي المدرس القاص خير الدين سلطان بمبني الإذاعة الصومالية في مقديشو( وكانوا لم يعرفوا التلفزيون بعد)، وطلبنا الدخول فرحبوا بنا. وفي القسم العربي بالإذاعة تعرفنا علي مذيع يمني الأصل وعلي مذيعة صومالية أنيقة تتقن العربية، فسألنا عن فترة البث الإذاعي باللغة العربية فعلمنا أنها عشر دقائق فقط، فاقترحنا بعد مداولة معهما أن نمددها إلي نصف ساعة يوميا فتمت الموافقة علي أن نرفدها بالبرامج، فنفذتُ في اليوم التالي برنامجا ثقافيا منوعا من إعدادي وتقديمي أطلقتُ عليه اسم (آفاق) ونفذ خير الدين برنامجا آخر، فيما نفذ يوسف السامرائي أحد أعضاء بعثتنا التدريسية برنامجا يعني بشؤون التاريخ، فكانوا يبثون برامجنا ويعيدون بثها، فاستقطبت قطاعا واسعا من المستمعين.

ومن جانب آخر فقد استطاع مدرس عراقي من زملائنا هو محمد البغدادي أن يتفق مع صحيفة (نجمة أكتوبر) علي إصدار صفحتين أسبوعيا باللغة العربية. وقام أعضاء البعثة بتزويده بالمواد الصحفية، فصدرت الصفحتان. ثم التحق بالوفد (طيف المدرس) موفدا عن دائرة الإذاعة والتلفزيون.. وكان العراقيون يلتقون يوميا في صالة فندق جوبا، وفي مقهي مقابل الفندق وهناك يتداولون في شؤونهم والجديد من الأخبار.

وعند التحاق الملحق الثقافي العراقي ببعثتنا في مقديشو مع وجبة ثانية من المدرسين، أبدي إعجابه بما حققناه، وزودني بهدايا للمذيع اليمني وزميلته، وطلب مني التواصل.. وحين أقيم حفل للعراقيين ألقيتُ قصيدة عمودية عنوانها (وانزاح ستر البحر) كنت قد كتبتها في الأيام الأولي من إقامتي، فانتشرت وتداولها بعض الصوماليين ونُشِرَتْ في صحف العاصمة.. وكان لهذه القصيدة فيما بعد، ولما قدمته من حلقات برنامجي الإذاعي وما نشرته في الصحف، أثر في نقلي إلي معهد إعداد المعلمين في مقديشو.. والقصيدة تبدأ بالأبيات التالية:

في مقلتيها، أورقَ الألَقُ… وغفا، علي وجناتِها الشَفَقُ
فرعـاءُ صوماليّةُ، أمَرَتْ… بِجمالِها، أنْ يُعْشَـقَ الغسَقُ
مرَّتْ، فضَمَّتْ كُلُّ زاويـةٍ… بحـراً، فكُلُّ تَلفُّـتٍ غرَقُ
وتَبَسَّـمَتْ، فافترَّ عنْ بَرَدٍ… والتَمَّ، في خَفَرٍ، فَـمٌ نَزِقُ
ورمي سِهـامَ بريقِـهِ جسَدُ… حتي الشـعاعُ، عليهِ ينْزلقُ

وكنت خلال إقامتي أكتب يوميا لصديقي الشاعر عبد الوهاب اسماعيل صفحة أو صفحتين عن حياتي هناك ومشاهداتي وانطباعاتي، ثم أجمع عدة صفحات وأبعث بها إليه كرسالة ليطَّلع ويُطلع الأصدقاء، وكان عبد الوهاب يحتفظ برسائلي، حتي قال لي بعد عودتي: إن رسائلك تعد كتابا نادرا يمكن أن يطبع بعد تهذيبه قليلا، ومازال حتي اليوم يحتفظ بها ويؤكد لي ذلك، إلا أنني أعتبر تلك الرسائل ملكه وحده ولا ينبغي أن يتصرف بشأن نشرها سواه.

ثم انكببت بعد مرور أشهر علي كتابة الشعر، فانبثت في ثنايا قصائدي روح الصومال والجو الأفريقي الأسوَد، وتجلت نصوصي عن صور جديدة تنطوي علي الطقوس الغريبة وفضاء البحر والغابة بعد أن عشت مع إيقاعات الطبول الصومالية والنفخ في الأصداف والرقص الصومالي المزاجي، خاصة عندما تقوم نساء كل حي بتنظيف الحي ومعهن الرجال يغنون وبأيديهم الطبول والأصداف البحرية الكبيرة.
وكنت قد تعايشت مع أماكن مثل: (ساحة الدراويش).. والدراويش حركة مقاومة قادها الشيخ محمد عبد الله حسن بوجه المستعمرين أكثر من عشرين عاما (1900 – 1921م) والساحة هي ساحة الاحتفالات الكبري، وقد شهدتُ فيها الرئيس (سياد بري) يلقي خطبه أكثر من مرة.. وتأملت مرات بتماثيل العاصمة: تمثال (دكحطور) المنفذ بشكل جميل متقن لصومالي شبه عار في حركة رمي حجارة توشك أن تنطلق من يده، والتمثال رمز لمقاومة الصوماليين للمستعرين الإيطاليين بالحجارة، وتمثال آخر هو (حاوا تاكو) يمثل امرأة قد اخترق سهم صدرها. وهو رمز لمواجهة المرأة لأعداء البلد، وتمثال بطلهم القومي محمد عبد الله حسن. فيما عشت أيام تحرر جيبوتي وما رافق ذلك من تظاهرات في مقديشو كان علي رأسها رجل رأيته عدة مرات في شوارع مقديشو، هو (حسن جوليد) أول رئيس لجيبوتي بعد استقلالها. إلا أن الصوماليين حين استقلت جيبوتي لم يطالبوا بضمها إلي البلد الأم وبقيت دولة مستقلة.

ولقد عرفت أجواء الجفاف والفيضان وما يصاحب ذلك من عادات غريبة.. فلكي يدرأ الصومالي خطر الفيضان كانت تقام معركة بالعصي علي ضفتَيْ نهر (شبيللي) تصاحبها رقصة طقوسية تدعي (استنكا) ولكي يظل البحر هادئا تنحر الذبائح عند الساحل وتؤدي رقصة طقوسية تدعي (استقفورو). فيما تنتشر رقصات أخري مثل: رقصة (بيري) وتقوم علي حكاية مفادها أن رجلين كانا يتابعان ذات يوم نعامة وهي تتحرك بخفة وترقص برشاقة في الحقول فأخذا يقلدانها ومن هنا كانت هذه الرقصة، ومثل: رقصة (كبيبي) وتأخذ اسمها من الطبل الخاص الذي تؤدي علي إيقاعه وهي من رقصات مراسيم الزواج، وهناك (المنجيس) وهي رقصة لطرد الأرواح الشريرة يصاحبها تفوه بتعاويذ مبهمة.. وغيرها من الرقصات.

آفاق عربية

وقد سافرت مع أفراد أسرتي إلي مدينة (جوهر) ثم إلي (أفكوي) عند ساحل نهر(شبيللي) فرأيت ما رأيت من حيوانات أفريقية برية وبحرية، وسافرت إلي (عدن) فأمضيت يومين وقررت في العودة رؤية (هرجيسا) في الشمال والمبيت فيها، وعند هبوطي في مطارها من الطائرة المتوجهة إلي (جيبوتي) مع أربعة أشخاص آخرين، حولونا رغم احتجاجنا إلي طائرة صغيرة جدا لا تحتوي علي أكثر من ستة مقاعد لتقلنا إلي مقديشو، وكانت تحلق علي انخفاض أتاح لي رؤية العجب مما تحت الطائرة من حيوانات تتقافز وغابات كثيفة، مثلما شاهدت معالم وشوارع مدينة مقديشو من الجو بكل وضوح.

وفي مقديشو رأيت أنياب الفيلة الضخمة في أرقي الأماكن، وسمعت عشرات الحكايات الحقيقية مما يرويه الناس عن الحيوانات في (كسمايو) الواقعة علي خط الاستواء: الفيل والكركدن والأسد والنمر والفهد والأفاعي العملاقة.. فيما قلَّبتُ بين يديَّ منحوتات الفن الساذج علي الخشب والعاج والعظام وقطع الفضة. وجلود الغزلان والأفاعي والفهود.. وغيرها.

هذه الأجواء بمفرداتها وإيحاءاتها وما قدمته لي من رؤي، دخلت شعري، مشبعة بخيالي الخاص وقراءتي الإنسانية ومكابدتي الشخصية اليومية هناك. فتخلقت صورا جديدة.. ومن مقديشو أرسلت إلي مجلة (آفاق عربية) قصيدتي (مكابدات أفريقية) التي تضم عددا من نصوصي الشعرية المغايرة لكل ما كان يكتبه الشعراء في العراق، فنُشِرَتْ القصيدة في المجلة علي عدة صفحات مرفقة برسوم فنية ملونة. ثم نَشَرتُ بعدها قصيدة عنوانها (شبيللي) وأخري عنوانها(موسم آخر لطائر الغابة) وقصيدة (أحكي عن الساحرة الأولي) حتي ملأت نصوص تجربتي تلك معظم صفحات مجموعتي الشعرية (وردة للسفر) التي صدرت عام 1981.

وقد سئلت مرارا عن الشعر في الصومال وعن الفنون الخاصة، فقلت وكتبت: إن الغالب هو نظم الشعر باللغة الصومالية بشكل مرتجل يتغني الشاعر خلاله بكلماته، وقد تسني لي أن أشهد مرات عديدة تجمعا شعبيا حول شاعر يغني قصيدته بين الناس وهم منسجمون متفاعلون معه، فالصوماليون يسمون الشاعر مغنيا والقصيدة أغنية، وقد اقترن الشعر لديهم منذ عصور بعيدة بالغناء والرقص. وللطبيعة الرعوية التي اتسم بها المجتمع الصومالي فقد حفل الشعر بعشرات القصائد المتعلقة بأغاني الإبل والماشية.. وعندما يتحدث الصوماليون عن شعراء تقليديين كبار أمثال المجاهد محمد عبد الله حسن، الذي كان ينشد شعره بالصومالية وينظم كذلك باللغة العربية.. أو الشعراء: (علي دوح وسلام عربي وقمان) فإنهم يتحدثون عن ملاحم وطنية يتناقلونها شفاها كضرب من الغناء الشعبي لتنتشر بين الأجيال اللاحقة… والشعر باللغة الصومالية علي أنواع، هي: (الجباي والجيفتو والجيرار والبرامبر والهلو والهيس)

الشعر الصومالي

أما كتابة الشعر العربي في الصومال فلا تعدو أن تكون محاولات قاصرة عن إتقان نظم القصيدة العمودية بضبط لغتها وأوزانها وأساليبها المعروفة، ولم أتعرف في مقديشو سوي علي شاعر واحد هو (عمر علسو) وكان يراجعني ويقرأ لي لأصحح له الأخطاء اللغوية والعروضية وأساعده في المشاركة ببعض مهرجانات الشعر العربي التي تقام في العراق.
أما عن الفنون فإن أرصفة ومخازن مقديشو كانت تغص بالتحف الفنية من أعمال الخشب والعاج والجلود وتتميز بتنوع أشكالها وشخوصها الخرافية، واعتماد قطعة واحدة لابتكار شكل معقد. والفنان الشعبي في مقديشو لا يهمه ذكر اسمه علي القطعة ولا يفكر بإقامة معرض لأعماله.. لأن ما يهتم به فقط هو بيع ما ينتج، إلا أن المتحف القومي في العاصمة يضم مئات النماذج من أعمال النحت وهي غاية في الابداع والخصوصية.

ورغم ما أمضيته من أيام جميلة عقدتُ فيها صداقات مع الصوماليين، وكنت أمضي في العام الثاني الكثير من أوقاتي مع الأصدقاء العراقيين، فقد قررت أواخر عام 1977 إنهاء عملي في الصومال، فسفَّرتُ أسرتي مع أسر زملاء آخرين إلي العراق قبل أن أغادر، وهنا لا تغيب عن بالي لحظة صعودي إلي الطائرة ودخولي إلي مقاعدها مع خادمتنا (زينب) لتوديع زوجتي وأطفالي (وكانوا يسمحون لنا بذلك)، فأجهشتْ زينب بالبكاء وانهمرت دموعها وهي تعانق أطفالي وتقبلهم بحرارة، بعد أن عاشت معهم قرابة عامين.

بعد سفر الأسرة، غادرتُ منزلنا الواقع علي ساحل المحيط وودعتُ زينب بعد أن ألحقتها بعائلة عراقية أخري، ثم استأجرت مع الصديقين الموصليين: جاسم جبارة ومحمد صالح شقة مؤثثة تطل علي مرافئ السفن، في منطقة (بلشو) مع خادمة، فأمضينا أجمل ما تبقي لنا من أيام، حتي غادرتُ الصومال بطائرة إلي الكويت، فمكثت ثلاثة أيام هناك، اشتريت خلالها سيارة وعدت بها مع جاسم جبارة إلي بغداد ومنها إلي الموصل.

المصدر : صحيفة الزمان العراقية

11 تعليق

  1. لم يتسن لي إلا يعد أشهرالاطلاع على إعادة نشر مقالي (مقديشو درة القرن الأفريقي) ولا يسعني إلا أن أأعرب عن امتناني للمشرفين على موقغ الشاهد، وشكري العميق لمن علق أو أضاف من السادة الكرام.. ولعلي بعد أن اطلعت أنشر بعض قصائدي ذات الصلة على صفحات هذا الموقع الكريم .. مع أجمل تحياتي وأسمى تقديري …. معد الجبوري

  2. استاذ الجبوري
    نزعت دمعة أو دمعتين من عيني، شكرا على هذه الكلمات التي لمست قلبي، وليتك نمشر قصائدك المتعلقة بالصومال على الشاهد،
    ونطالب الشاعر عبد الوهاب اسماعي، بنشر رسائل الأستاذ الجبوري ولو على حلقات وله جزيل الشكر،

  3. وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون “112”}
    (سورة النحل)

  4. مشاهدات الاستاذ معد الجبوري لا تختلف إطلاقاً عن مشاهدات أبي و الذي لم يطق العيش في مقديشو لأسباب أخلاقية في الدرجة الأولى، فالسارقون في كل ركن، و بنات الهوى و المراقص تعج بالمدينة، و المتسولين تضيق بهم جنبات الطريق، و الأدهى من ذلك ألا يلتفت إليهم أحد رغم كونهم أبناء جلدتهم.

    أقسم بالله العزيز أنني عند قراءتي لمقال الاستاذ معد الجبوري استذكرت قصص والدي عن الصومال و بالتحديد العاصمة مقديشو و ظننت لوهلة أن أحاديثه و ما ذكره الاستاذ معد يخرجان من مشكاة واحدة و لكن أبي يختلف معه في ما يراه من جمال المرأة الصومالية – على الأقل سكان العاصمة – و إن كان قد وصل إلى مسامعه شيئا مما يقال عن جمال بنات الشمال.

    كما و توقع والدي النتيجة الحتمية لما ستؤول إليه الأمور في الصومال و مرد ذلك الظلم على العباد و الفسق من العباد، و بعد كل تلك السنين يأتي علينا من أبناء الصومال من يمجد تلك الأيام .. زمن الفجور و السفور.

    فبئساً لمن يحنو لتلك الأيام و سحقاً لمن يرى ذكر مساؤى أهله مدحا

  5. أما علاقة الصومال بالبلدان العربية فقد كانت تتفاوت حسب ما يقدمه كل بلد من معونات مادية. ذلك أن النظام آنذاك كان مهتما إلي أبعد الحدود بالوضع الاقتصادي والمالي، ومما يروي من طرائف في ذلك الوقت تتعلق بالوضع المالي أن الرئيس سياد بري كان في لقاء مع القادة السوفيت، وحين سُئل عن الوضع الاقتصادي للصومال طلب من وزير ماليته الذي كان معه، وهو رجل أعرج، أن ينهض ويمشي قليلا أمام من سألوه، ثم قال لهم: هذا هو وضعنا الاقتصادي.. وكنت قد رأيت الوزير المذكور وهو يتمشي قرب (فندق جوبا) أكثر من مرة.

    رغم ذلك فقد كان الوضع في الصومال مستقرا آمنا.. ومع أن البلد يتمتع بثروة حيوانية وسمكية وزراعية هائلة، وبما يصدره منها إلي الخارج، فقد كان الشعب الصومالي يعاني من فقر وحرمان، حد أن تري إنسانا في ركن ما يتلوي من الجوع ولا يلتفت إليه أحد، فيما تكثر تجمعات الأطفال هنا وهناك، متسولين وحمالين ومنظفي زجاج السيارات. ولعل من يعطف عليهم أشد العطف ولا يدعهم يحتاجون أكثر من قطعة قماش تستر عوراتهم، هو مناخ العاصمة، فمقديشو وهي من الموانئ المهمة تتمتع بنسيم البر والبحر ولا تزيد درجة الحرارة فيها عند أعلي درجات ارتفاعها قي شهر آذار عن30 درجة، ولا يعرف سكانها لا التبريد ولا التدفئة لاعتدال مناخها في كل الفصول. لكن ذلك كان أيضا من العوامل المساعدة علي تسكع الشبان في الطرقات وتناولهم كحول القناني التي تستخدم لتنظيف الأرضيات وتعقيمها، كمشروبات مسكرة للهروب من الواقع. وانتشار ظاهرة السرقة والتسول والخداع في اقتناص لقمة العيش، بل حتي استخدام القرود التي تتجول بين البيوت والطرقات وعلي السواحل أحيانا في الاحتيال والنصب علي الأجانب.

    هذا، في وقت أتاح فيه النظام كل أسباب الترفيه والحرية الشخصية، ففي مقديشو كانت تنتشر المراقص والبارات في أبرز الأماكن، مثل: (نادي فندق جوبا، وساحل الليدو، ونادي فندق شبيللي، ونادي فندق العروبة الذي بني وافتتح ونحن هناك) وهي أماكن تعج بطالبي اللهو والرقص مع الصوماليات… فضلا عن (التياترو) وهو المسرح الوطني الذي يضم فرق الفنون الشعبية، وفرقة (شريرو) الموسيقية الغنائية، وغيرها من الفرق التي تعمل في الملاهي والصالات. إضافة إلي العشرات من دور السينما المولعة بعرض الأفلام الهندية.

  6. فقط نصيحة لمن يريد أن يعرف عن الشعر الصومالي. لاتوجد فى جعبة المكتبات العربية الكثير عن الشعر الصومالي ولا يعرف كثير عن أن للصوماليين شعر قوي للغاية. ستجدون فى المحرك البحث الانجليزي الكثير عن الأدب الصومال. خصصت جامعة إنديانا الأميركية مكتبة الالكترونية عن الأدب الصومالي . الصوماليون معروفون فى العالم ب شعب الشعراء وشعب الأدب الشفهى . نرجوا البحث عن:
    Somalis – the people of poets
    Oral literature people

    وستفاجئون كثرة ما كتب عن الأدب والشعر الصومالي حيث تمتد الكتابة الى أكثر من مئتى عام من أيام الرحالة البريطاني الشهير ريتشارد بيرتون الذى ألف كتاب كامل عن الصومال فى عام ١٨٩٤ ويعتبرمن المقتنايات النادرة فى العالم

  7. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أحيي الشاعر والكاتب معد الجبورى . إنه شئ طيب أن تكون لك كل هذه الملاحظات عن الصومال مما يدل على إحساسك المرهف وملاحظاتك عن أدق التفاصيل عكس الكثيرين الذين عاشوا فى الصومال وغادروها فى نفس الحال الذى أتوا به. أنا متأكد لو أمضيت هناك مدة أطول لتعلمت اللغة الصومالية ولتقع فى حب الشعر الصومالي مثلما وقع فيه كثير من الغربيين أمثال أندروسكي البريطانى . خصصت مكتبة لندن جزء خاص عن الترات والشعر الصومالي . الشعر الصومالي ليس غناء كما ذكرته بل يحكمه قوانين وقوافى تماما مثل الشعر العربي . اللغة الصومالية تعتبر اللغات القليلة فى العالم التى يلقى فيها الشعر ذو القافية وهذه اللغات أولها طبعا اللغة العربية والصومالية والأوردو والروسية والفارسية والهوسا(شمال نيجيريا) والى نوع ما السواحلية لكنها ليست بذات القوة . صعوبة الشعر الصومالي تكمن بأنه يتركز على حرف معين حيث معظم الأبيات مصدرها من هذا الحرف وفى نفس الوقت يجب مراعاة قواننين الشعر . لنلقي نظرة على الأبيات التالية للشاعر والمجاهد السيد محمد عبدالله حسن . عذرا لأن الكتابة باللغة الصومالية ولكن من السهل ملاحظة الوزن والقافية.

    Sagaal nin oo walaala ah sideenaa
    Sideed isku bah tahay sidiinaa
    Ninkuna bah gooni yahay sidaydaa
    Sideedu siri ninka sidiinaa
    Ninkuna gartay sirta sidaydaa
    hadaynu isa siri sideenuba
    mayska kala tagnaa sideedaba
    كل قصيدة فى الشعر الصومالي ورائها قصة حقيقية لايسع المجال ذكره الآن.
    نلاحظ من الأبيات السابقة أن الحرف الرئيسي فى الشعر هو حرف S وفى نفس الوقت حافظ الشاعر على القافية كما نلاحظ أواخر الأبيات .
    للشاعر محمد عبدالله حسن ديوان شعر من أ الى ياء . مثلا شعر من باب أ .

    أرجوا من الشاعر أن يبحت عن الشعر الصومالي أكثر

  8. شكرا للجبوري وايرد ان اعلمك بموضع كان اجدادي يقولون اننا نحن قبيلة الاوجس لبي لسنا من قبائل الدارود والمنشرون بشكل واسع والذين كان سياد بري ينتمي اليهم بالكانوا يقولون اننا نعود الي قبيلة عربية تعود اصوله الى العراق وهم بني خالد من فرغ الجبور والبعض كان يقول الى الاحساء ولكن اغلب الضن الى العراق فقدم جدنا بتمر ثم تحطمت سفينته فبقيا في مدينة تسمى بدوردري وهي قرية صغيرة كانت مزدهرة وهي الان شبه مهجورة فتزوج من قبيلة الورسنجلي دارود ونحن كما يقول البعض اصلنا من العراق والبعض من الاحساء والبعض من عمان وغلب الضن من العراق ولكن نحن متأكدون اننا من بني خالد من فرع الجبور ولكن ولانا لاهل وامنا ومازال اهل ابونا في قلبنا

  9. عبدي- من الأوغادين

    كلام غاية في الروعة, انه بمثابة عصارة كاتب رهيب أمضي في الصومال ايام جميلة, الصومال بلد جميل وغني بثروات طبيعية كثيرة لكن أهله ضيعوه وضيعوا أمانة الإستخلاف التي هي تكليف من ربنا سبحانه وتعالي.

    ملاحظة بسيطة:

    كاتبنا الكريم لم يركز او لم يذكر صراحة دور الشعر لدي الإنسان الصومالي, الشعر بالنسبة للصومالي عبارة عن صحافة وإعلام, والشاعر بمثابة وزير الإعلام من دون وزارة طبعاً.

    ياريت لو زار الكاتب العراقي مرة أخري الي مقديشوا ليروي للعالم مدي الدمار والخراب الدي لحق بعروسة البحر, ودرة القرن الإفريقي.

  10. مليون تحية لك يا سيد معد ، ومليون شكر لعراق العروبة ولكل من خدم في الصومال ، ولن ينسى الصوماليون أبد الدهر الألوف من المدرسين والأطباء والمهندسين المصريين والعراقيين والسودانيين واليمنيين والشاميين الذين وقفوا معهم

%d مدونون معجبون بهذه: